ملخص
في منتصف أكتوبر الماضي حذر رئيس بنك "جيه بي مورغان" جايمي ديمون من أن "معظم الأصول الاستثمارية تبدو وأنها قد دخلت مرحلة الفقاعة".
تواصل مؤشرات الأسهم في الأسواق الكبرى حول العالم الارتفاع منذ فترة، حتى يكاد يبدو لبعضهم أن مسار الارتفاع مستمر ودورات الصعود والهبوط لم تعد تعمل، إلا أن أكبر المتعاملين في السوق وشركات البحوث والاستشارات والبنوك الاستثمارية الكبرى لا ترى استمرار الارتفاع، بل تتوقع تصحيحاً كبيراً لأسعار الأسهم إن لم يكن انهياراً في الأسواق.
وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حذر رئيس بنك "جيه بي مورغان" جايمي ديمون من أن "معظم الأصول الاستثمارية تبدو وأنها قد دخلت مرحلة الفقاعة"، وليس ديمون وحده من يرى أن المغالاة في قيمة الأصول، وأولها الأسهم، بلغت مرحلة حرجة، فنظيره في بنك "غولدمان ساكس" ديفيد سولومون يتحدث عن "غزارة المستثمرين"، أما رئيسة بنك "سيتي غروب" جين فريزر فتشير إلى "رغوة تقييم هائلة".
وخلص تحليل تقني موسع لمجلة "إيكونوميست" في عددها الأخير هذا الأسبوع إلى أن المتعاملين والمستثمرين يدركون أن هناك غلياناً في قيمة الأصول، لكن من الصعب توقع متى يحدث التصحيح الكبير أو الانهيار، إذ ليس بمقدور أمهر المتعاملين معرفة متى سيحدث الانهيار في "وول ستريت"، وإنما هناك إجماع على أن التصحيح الكبير أو الانهيار مقبل لا محالة، لكن المشكلة متى يحدث، فقد حذر بنك إنجلترا أخيراً من "زيادة خطر تصحيح حاد في الأسواق"، وتحدث صندوق النقد الدولي عن احتمالات تصحيح "غير منضبط"، معتبراً أن "أخطار أسعار الأصول فاقت الأساسات بكثير".
هل بدأ التصحيح؟
وكمثال بسيط على مدى غليان قيمة الأصول يبدأ تحليل المجلة بالإشارة إلى أنه لشراء سلة أسهم من مؤشر "إس آند بي 500" القياسي في بورصة نيويورك يدفع المستثمر 41 ضعف عائداته الأساس، ولم يسبق أن وصل الأمر إلى هذا المعدل سوى خلال فقاعة شركات الإنترنت (فقاعة دوت كوم) قبل نحو ربع قرن، وحتى وقتها لم يكن الفارق كبيراً بتلك النسبة الهائلة، كما أن سندات دين الشركات الكبيرة الجديرة بالاستثمار لا توفر عائداً بأكثر من 0.8 في المئة عن عائد سندات الخزانة المقابلة لها، وكان هذا الفارق الضئيل جداً بين تلك العائدات حدث آخر مرة أيضاً في وقت غليان فقاعة الإنترنت عام 1998.
وحتى الذهب الذي يعد بالنسبة إلى المستثمرين أهم ملاذ آمن للثروة لم يسلم من التقلبات أخيراً، فبعدما وصل إلى ذروة غير مسبوقة في أسعاره في الـ 20 من أكتوبر الماضي، فقد ثمانية في المئة من قيمته الآن، ويرى بعضهم في تقلب أسعار الذهب تصحيحاً بدأ، لكن متى يبدأ التصحيح في "وول ستريت" وبقية أسواق الأسهم؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا هو السؤال المهم وعدم الإجابة عليه هي التي تطرح مسألة أن الأسواق تتجاهل احتمال الانهيار، ولعل الأجدر على تقدير ذلك هي صناديق التحوط التي عادة ما تعد عملاءها بعائد أياً كانت ظروف السوق، إلا أن التنبؤ بالتصحيح الكبير في السوق يعتمد على التنبؤ بتقلبات الأسعار، إذ يعتمد المتعاملون وسماسرة البورصة في عملهم اليومي على النظر إلى الرسم البياني لمؤشر ما لفترة طويلة، وذلك لاستخلاص نموذج تحركه وتقدير السيناريو المقبل، وعلى أساس ذلك يقومون ببيع أو شراء الأسهم والأصول، لكن التقليدي في تلك المؤشرات أن التقلبات تظل بسيطة لفترة طويلة.
وهناك مساران للتقلبات بين منخفضة وعالية، ويتناسب كلاهما مع أسعار الأصول، ففي حال التقلبات المنخفضة تميل أسعار الأصول إلى الاستقرار، وفي حال التقلبات العالية تتجه الأسعار نحو الهبوط، وتلك هي الطريقة التي تستخدمها البنوك الاستثمارية وشركات التداول لتقدير الأخطار يوماً بيوم، كما أنها في غاية الأهمية لمن يتداولون في مضاربات الأسهم "Options" (عقود شراء تجعل المتعاملين يكسبون من تقلبات الأسعار الكبيرة هبوطاً أو صعوداً) لكن هذه الطرق والنماذج، على فائدتها لتقدير التعاملات اليومية، لا يمكنها التنبؤ بموعد التقلب المفاجئ الذي نشهده في التصحيح الكبير.
عوامل خارجية
وحتى لا تتجاهل الأسواق احتمالات التصحيح الهائل أو الانهيار يلجأ المتعاملون والباحثون إلى بناء نماذج أخرى للتنبؤ بمسار السوق، وما قد يجعل التقلبات في الأسعار تزيد بشدة، فالتوجه الجديد هو استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل تأثير كل عامل اقتصادي تحت الشمس.
ومن العوامل التي قد تجعل الثقة في السوق تنهار أرباح الشركات ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل التضخم وبيانات التوظيف في الاقتصاد، وغيرها من مؤشرات الاقتصاد الكلي وبيانات الشركات والأعمال ومعايير الثقة والمناخ الاستثماري، لكن نماذج الكمبيوتر الذكية لا تفلح دائماً في التنبؤ بما يعتبر "صدمة كبرى"، وباستثناء صندوق التحوط "بريدج ووتر" لا يوجد من يستخدم هذه النماذج لتوقع مسارات السوق وبناء إستراتيجيته الاستثمارية عليها، ويمكن لتلك النماذج أن تحدد المواقف التي يكون فيها أثر الصدمة في الأسواق كبيراً، لكن لا يمكنها أيضاً التنبؤ بموعد حدوث ذلك.
وعلى رغم أهمية كل هذه العوامل من خارج السوق فإن توقع حدوث التصحيح الكبير أو الانهيار ليس حاسماً، لكن المتعاملين يستفيدون من تلك النماذج في استشعار متى يبيعون ومتى يتخلصون من قنواتهم الاستثمارية مع أول تقلب في الأسعار، ويعتمدون في ذلك على القاعدة الذهبية بأن جرس الإنذار الأول يظهر من التناسب بين قيمة الأصول المختلفة، فعلى سبيل المثال قاعدة أن أسعار الأسهم تتجه نحو الهبوط، مع ارتفاع قيمة الملاذات الآمنة مثل الذهب وسندات الخزانة، وبالطبع يمكن لبعضهم مزج كل أدوات ونماذج التوقع والتقدير معاً للوصول إلى نتائج مستقبلية جيدة لكنها تظل غير حاسمة، ذلك أن التصحيح الكبير أو الانهيار يحدث بتقلب مفاجئ في الأسعار، قد تكون شرارته أمراً غير متوقع تماماً، ولا يدخل في أية حسابات حتى لو كان من يقوم بالتحليل هو الذكاء الاصطناعي، مثل أن يبدأ العملاء بسحب ودائعهم فجأة من بنك صغير ما، أو أي حدث مماثل يتفاعل كتساقط أحجار الدومينو.