Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أعطيت العرب كلمتي"... ترمب يعيد تعريف حدود القوة الإسرائيلية

للوصول إلى لحظة غزة الفارقة أظهر الرئيس الجمهوري استعداداً غير مسبوق لاختبار العلاقة الأميركية – الإسرائيلية

ترمب بعد التوقيع على اتفاق غزة في قمة شرم الشيخ (أ ف ب)

ملخص

فعل ترمب ما لم يجرؤ بايدن على فعله، وهو الرمي بالثقل الأميركي للضغط على إسرائيل ووقف حرب غزة وبصرف النظر عن الدوافع، سواء كان الفوز بجائزة نوبل للسلام أو ترك بصمة في الشرق الأوسط، أو حتى خدمة إسرائيل نفسها، إلا أن خطوة ترمب حظيت بترحيب الجميع، وربما يكون القرار الوحيد لرئيس معروف عنه الاستقطاب، الذي يجمع عليه المعسكران الديمقراطي والجمهوري، وترحّب به الأطياف الفلسطينية، والدول العربية والإسلامية، وغالبية المجتمع الإسرائيلي.

يعرف بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة جيداً، فقد أمضى عدة أعوام في نيويورك دبلوماسياً قبل تسلمّه دفة القيادة في إسرائيل، وفي فترات متفرقة في الحكم، عمل مع عدد من الرؤساء الأميركيين، وعُرف لديهم بالعناد والمرواغة ونقض الوعود، وهي صفات تجلّت في طريقة إدارته لحرب غزة، وفي أحيان نجح نتنياهو في التلاعب بهم لتحقيق مصالحه القومية والشخصية، كما فعل مع جو بايدن، الذي رفع شعارات احترام حقوق الإنسان في حملته الانتخابية، قبل أن يخذل أنصاره بسبب رفضه استغلال النفوذ الأميركي على إسرائيل لوقف الحرب.

ربما كان دونالد ترمب في طريقه هو الآخر للوقوع في فخ نتنياهو، لكن الرئيس الجمهوري أبدى استعداداً أكبر لتحقيق وعده الانتخابي بوقف الحرب، والاستماع لجميع الأطراف بما في ذلك حركة "حماس" المصنفة في قوائم الإرهاب الأميركية، التي تحدث المفاوضون الأميركيون مباشرةً مع مفاوضيها في لقاء غير مسبوق. واستذكر مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف لقاءه برئيس وفد الحركة خليل الحية وتقديم العزاء له في مقتل ابنه.

بالطبع، تاريخ ترمب مع الفلسطينيين حافل بالصدمات، ففي 2017 اعترفت إدارته بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي بداية ولايته الثانية أثار فكرة الاستيلاء على غزة، لكن بالحكم على قراراته، فقد فعل ترمب ما لم يجرؤ سلفه الديمقراطي على فعله، وهو الرمي بالثقل الأميركي للضغط على إسرائيل ووقف الحرب. وبصرف النظر عن الدوافع، سواء كان الفوز بجائزة نوبل للسلام أو ترك بصمة في الشرق الأوسط، أو حتى خدمة إسرائيل نفسها، إلا أن خطوة ترمب حظيت بترحيب الجميع، وربما يكون القرار الوحيد لرئيس معروف عنه الاستقطاب، الذي يجمع عليه المعسكران الديمقراطي والجمهوري، وترحّب به الأطياف الفلسطينية، والدول العربية والإسلامية، وغالبية المجتمع الإسرائيلي.

لكن الوصول إلى تلك اللحظة الفارقة سبقته لحظات لا تقل أهمية، بدا فيها ترمب مستعداً لاختبار العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، فمن جانب أبدى الرئيس الأميركي مرونة تجاه المطالب العربية، ومن جانب، مارس ضغطاً غير مسبوق على إسرائيل سراً وعلناً.

الديمقراطية... ليست كافية

لعقود كانت الميزة التنافسية لإسرائيل في علاقتها مع الولايات المتحدة هي أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لذا رأت واشنطن مصلحتها في دعم إسرائيل على حساب الدول العربية، وإيلائها مكانة خاصة مادياً ورمزياً. لا تزال هذه الرؤية تحظى بتأييد واسع في دوائر صنع القرار الأميركي، لكن هناك من يرى أن إسرائيل باتت عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وبالطبع لا تزال الولايات المتحدة تلتزم بمبدأ التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، لكن ترمب مدفوعاً بالمصالح الاقتصادية أظهر قابلية مدهشة على تجاوز إسرائيل وانتقادها.

لأن الرئيس ترمب يمقت تعامل الدول الأخرى مع الولايات المتحدة وكأنها تملك النفوذ عليها وليس العكس، فقد تجلّت حدود العلاقة الأميركية – الإسرائيلية في عهده، وقد عبّر عن ذلك القنصل الإسرائيلي السابق في نيويورك ألون بينكاس، قائلاً، "إسرائيل ليس لديها ما تقدمه، بخلاف السعوديين والقطريين والإماراتيين، وقف إطلاق النار في غزة هو الشيء الوحيد الذي كان بإمكان إسرائيل عرضه على ترمب مقابل المساعدة الأميركية في قصف إيران"، ومع ذلك، لم يظهر نتنياهو في البداية استعداداً لإعطاء ترمب ما يريد إلا بعد اجتماعات ومكالمات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يتورع فيها ترمب عن استخدام الألفاظ النابية، وفق التقارير.

وفي مايو (أيار) الماضي، كسر ترمب تقليداً رئاسياً تاريخياً بتجاهل إسرائيل خلال جولته في الشرق الأوسط، حيث أمضى خمسة أيام في السعودية والإمارات وقطر، وأبرم شراكات اقتصادية ضخمة، ولم يذهب ترمب إلى إسرائيل إلا بعد أشهر لتثبيت خطة إنهاء الحرب في زيارة اعتبرت الأقصر في تاريخ زيارات الرؤساء الأميركيين إليها، وفي مقابلة حديثة مع "تايم"، وصف ترمب الدول الخليجية الثلاث بأنها "اللاعبون الكبار" في الشرق الأوسط.

وبخلاف بايدن، لم يجد ترمب صعوبة في استخدام نفوذه للضغط على إسرائيل، التي تعتبر الأكثر تلقياً للمساعدات الأميركية بعد أوكرانيا، عندما اتضح أن ممارسات إسرائيل تضر بمصالح الولايات المتحدة مع دول الخليج، فبعد الهجوم على قطر، ألقى الرئيس الأميركي بكل ثقله لكبح جماح نتنياهو، وأجبره على تقديم اعتذار مصوّر لرئيس الوزراء القطري عبر الهاتف، بحضور مسؤول قطري في البيت الأبيض.

ترمب: "أعطيت كلمتي للعرب"

تأثير هذه الرسائل الترمبية، مقصودة كانت أو غير مقصودة، بات محسوساً في بعض الأوساط الإسرائيلية التي تبدي تذمراً من تدخلاته في شؤون إسرائيل. أمام الإعلام، لم يتردد ترمب في الكشف عن محادثاته القاسية والمباشرة مع الإسرائيليين، واستذكر مع مجلة "تايم" قوله لنتنياهو، "بيبي، لا يمكنك محاربة العالم، فإسرائيل مكان صغير جداً مقارنة بالعالم".

وبعد تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترمب، حاولت إسرائيل الأسبوع الماضي التملص من الاتفاق، عبر شن غارات على غزة ووقف المساعدات، مما أثار غضب الرئيس الأميركي، فأرسل وفدين أميركيين إلى إسرائيل الأربعاء الماضي، الأول بقيادة نائبه جيه دي فانس، والثاني بعده بساعات برئاسة وزير الخارجية ماركو روبيو.

وهدد ترمب بوقف الدعم الأميركي لإسرائيل في حال ضم الضفة الغربية، وكرر كلمة "لن يحدث" خمس مرات، قائلاً، "لن يحدث ذلك، لن يحدث، لن يحدث لأني أعطيت كلمتي للدول العربية، لقد حظينا بدعم عربي كبير، لن يحدث لأني أعطيت كلمتي للدول العربية، لن يحدث أبداً، ستفقد إسرائيل كل الدعم الأميركي إن حدث ذلك". وعن نجاحه في الضغط على نتنياهو الذي لم يستمع لرؤساء من قبله، قال ترمب، "اضطر للتوقف لأن العالم كان سيوقفه".

 

وأدى تغير الخطاب الأميركي تجاه إسرائيل إلى اعتقاد لدى بعض الإسرائيليين بأن إدارة ترمب تتعامل مع إسرائيل كدولة تابعة، مشيرين إلى رسالة ترمب العلنية لإسرائيل بسحب مقاتلاتها من الأجواء الإيرانية فوراً. وفي مؤتمر صحافي مع نائب الرئيس الأميركي، تعرض نتنياهو لموقف محرج عند تلقيه سؤالاً عما إذا تحولت إسرائيل إلى دولة تابعة.

وفي يوم لقائه نتنياهو، فتح فانس النار على التصويت الذي جرى في "الكنيست" على مشروع قرار بضم أجزاء من الضفة الغربية، الذي يدعمه أعضاء في حكومة نتنياهو، ووصف الأمر بأنه "مناورة سياسية غبية وإهانة شخصية".

وعندما سُئل نائب الرئيس الأميركي عن سبب وجود هذا العدد الكبير من المسؤولين الأميركيين في إسرائيل، قال إن تنفيذ خطة السلام يتطلب مراقبة وجهداً مكثّفين، وأضاف، "لكنها ليست مراقبةً بالمعنى الذي تراقب به طفلاً صغيراً، نحن لا نريد دولةً تابعة، فإسرائيل ليست كذلك، الشراكة هي مبتغانا".

واشنطن تميل للموقف العربي في شأن القوة الدولية

بعد ساعات من مغادرة فانس، وصل روبيو إلى إسرائيل وحذرها من ضم الضفة الغربية، مشيراً إلى أن أعضاء الكنيست أجروا التصويت كحيلة سياسية لإحراج نائب الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وشدد على ضرورة تنفيذ أحد بنود خطة ترمب المتمثلة في نشر قوة الاستقرار الدولية في غزة، بهدف إرساء وقف إطلاق النار وتهيئة بيئة تسمح لحركة "حماس" بالتخلّي عن السيطرة على القطاع.

حتى الآن، ترفض إسرائيل المطالب العربية والإسلامية بنشر القوة بتفويض أممي، إلا أن الولايات المتحدة، وفق التقارير، وافقت على أن تكون القوة بتفويض من الأمم المتحدة، في موقف متسق مع الدول العربية والإسلامية التي يُتوقّع أن تقدّم معظم الجنود المشاركين فيها.

ويتمحور الخلاف بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية على طبيعة تفويض هذه القوة وحجمها والدول المشاركة، في حين قال روبيو إن القوة يجب أن تتشكل من دول ترتاح لها إسرائيل، وأثيرت إمكانية تولي مصر قيادة القوة، لكن القاهرة لم تتخذ قراراً بعد.

لا تزال المخاوف قائمة من أن تنتهك حكومة نتنياهو الاتفاق، لكن الرئيس ترمب يبدو مستعداً لفعل أي شيء لضمان الالتزام به، وقال إنه سيزور غزة، مشيراً إلى أهمية الدور الذي سيلعبه "مجلس السلام" برئاسته، في الإشراف على عملية انتقال السلطة في القطاع بعد نزع سلاح "حماس".

على مر التاريخ، لم تكن الولايات المتحدة وسيطاً محايداً بين إسرائيل وفلسطين، فلطالما أبدت الإدارات الأميركية، جمهورية وديمقراطية، تعاطفاً أكبر مع إسرائيل، وتراجعت الثقة بين واشنطن والفلسطينيين إلى أدنى مستوياتها خلال ولاية ترمب الأولى، ومع ذلك فقد أسهمت ضغوطه العلنية الأخيرة على إسرائيل في كسر الجفاء المتبادل، إذ تحدث ترمب بإيجابية عن محمود عباس بعد حديثهما السريع في قمة شرم الشيخ، وقال "يحظى باحترام الفلسطينيين ويُنظر إليه كحكيم وشخصية مرجعية، قال لي، لقد فعلت شيئاً لم يفعله أي رئيس آخر، ما قمتَ به لم يكن ممكناً ولا أصدق أنك فعلته، لكنني أهنئك عليه".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير