Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإمارات أدارت 18 مركز احتجاز سريا جنوب اليمن ومارست التعذيب

اتهامات تطاول القوات الأميركية بالمشاركة في استجواب معتقلين على الأراضي اليمنية وتزويد الإماراتيين بالأسئلة وتلقي محاضر التحقيق

معتقل سابق يعيد في 11 مايو 2017 تمثيل كيف كان موثق اليدين والرجلين بالجنازير في سجن مطار الريان السري في المكلا (أ ب)

ملخص

في مجمع احتجاز رئيس داخل مطار الريان بمدينة المكلا جنوب اليمن، وصف معتقلون سابقون كيف جرى حشرهم داخل حاويات شحن ملوثة بالبراز، وتقييد أعينهم أسابيع متواصلة، وقالوا إنهم تعرضوا للضرب، ورُبطوا على "الشواية"، وتعرضوا لاعتداءات جنسية.

أعلنت وكالة "أسوشيتد برس" أن تحقيقات أجرتها كشفت أن مئات الرجال الذين جرى اعتقالهم في إطار ملاحقة عناصر تنظيم "القاعدة" اختفوا داخل شبكة سرية من السجون في جنوب اليمن، حيث يُعد التعذيب ممارسة اعتيادية، وتصل أساليبه إلى مستويات بالغة القسوة، من بينها ما يُعرف بـ"الشواية"، إذ يُربط السجين إلى سيخ كقطعة لحم مشوية ويُدار فوق دائرة من النار.
وأقر مسؤولون كبار في وزارة الدفاع الأميركية، الأربعاء الماضي، بأن القوات الأميركية شاركت في استجواب معتقلين في اليمن، لكنهم نفوا أي مشاركة في انتهاكات لحقوق الإنسان أو علمهم بحدوثها، إذ إن استجواب محتجزين تعرضوا للتعذيب قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، الذي يحظر التواطؤ في التعذيب.

إفادات معتقلين سابقين

ووثقت الوكالة ما لا يقل عن 18 مركز احتجاز سرياً في جنوب اليمن، تديرها دولة الإمارات مباشرة، أو تديرها قوات يمنية أنشأتها ودربتها أبوظبي، وذلك استناداً إلى إفادات معتقلين سابقين، وأقارب سجناء، ومحامين في مجال الحقوق المدنية، ومسؤولين عسكريين يمنيين، وتقع جميع هذه السجون إما في أماكن مخفية أو في مواقع محظورة على الحكومة اليمنية، على رغم أن هذه الحكومة تتلقى دعماً إماراتياً في حربها الأهلية ضد المتمردين منذ عامين.
وتوجد هذه السجون السرية داخل قواعد عسكرية، وموانئ، ومطار، وفلل خاصة، بل وحتى داخل نادٍ ليلي، ووفقاً لوزير الداخلية اليمني، حسين عرب وآخرين، جرى نقل بعض المعتقلين جواً عبر البحر الأحمر إلى قاعدة إماراتية في إريتريا.

وطالب وزير الداخلية اليمني السابق أحمد الميسري عام 2018، الإمارات بإغلاق أو تسليم السجون السرية التي أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأنها تخضع لسيطرة أبوظبي وحلفائها من الميليشيات.

وقد أُفرج في حينه عن 80 معتقلاً في الأقل من هذه السجون، منذ أن كشف تحقيق أجرته الوكالة ذاتها عن انتهاكات جنسية وتعذيب في هذه السجون.

 

أميركيون شاركوا في الاستجوابات

وقال عدد من مسؤولي الدفاع الأميركيين، تحدثوا شرط عدم كشف هويتهم، إن القوات الأميركية تشارك في استجواب معتقلين في مواقع داخل اليمن، وتزود شركاءها الإماراتيين بأسئلة للاستجواب، وتتلقى منهم نصوصاً مكتوبة لمحاضر التحقيق، وأضافوا أن القيادات العسكرية الأميركية العليا كانت على علم باتهامات التعذيب في السجون اليمنية، وحققت فيها، لكنها خلصت إلى عدم وقوع انتهاكات عندما كانت القوات الأميركية حاضرة.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأميركية، دانا وايت، تعليقاً على نتائج التحقيق "نلتزم دائماً أعلى معايير السلوك الشخصي والمهني، ولن نغض الطرف عن أي انتهاكات، لأننا ملزَمون الإبلاغ عن أي خرق لحقوق الإنسان".

نفي إماراتي

وفي بيان لوكالة "أسوشيتد برس"، نفت حكومة الإمارات هذه الاتهامات، مؤكدة أنه "لا توجد مراكز احتجاز سرية، ولا يُمارس تعذيب السجناء أثناء التحقيق".

لكن داخل اليمن الذي تمزقه الحرب، يقول محامون وأقارب معتقلين إن نحو 2000 رجل اختفوا داخل هذه السجون السرية، وهو رقم مرتفع إلى حد أثار احتجاجات شبه أسبوعية لعائلات تبحث عن معلومات في شأن أبنائها وإخوتها وآبائها المفقودين.

ولم يزعم أي من عشرات الأشخاص الذين قابلتهم الوكالة أن محققين أميركيين شاركوا مباشرة في أعمال التعذيب، لكن الحصول على معلومات استخباراتية يُحتمل أنها انتُزعت تحت التعذيب على يد طرف آخر يُعد انتهاكاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وقد يرقى إلى جريمة حرب، بحسب أستاذ القانون في جامعة نيويورك، المستشار الخاص السابق لوزارة الدفاع الأميركية رايان غودمان.

شهادات حية

وفي مجمع احتجاز رئيس داخل مطار الريان بمدينة المكلا جنوب اليمن، وصف معتقلون سابقون كيف جرى حشرهم داخل حاويات شحن ملوثة بالبراز، وتقييد أعينهم أسابيع متواصلة، وقالوا إنهم تعرضوا للضرب، ورُبطوا على "الشواية"، وتعرضوا لاعتداءات جنسية.
وقال أحد أفراد قوات "نخبة حضرموت"، وهي قوة أمنية يمنية أنشأتها الإمارات، إن "القوات الأميركية كانت في بعض الأحيان على بُعد أمتار قليلة فقط"، وقد طلب عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالحديث في هذا الشأن.
وقال أحد المعتقلين السابقين، الذي احتُجز ستة أشهر في مطار الريان، "كنا نسمع الصراخ، المكان كله يعيش في حال رعب، معظم المعتقلين مرضى، والبقية على شفا الموت، أي شخص يشتكي يُنقل مباشرة إلى غرفة التعذيب"، وأضاف أنه جُلد بأسلاك معدنية ضمن الضرب المتكرر الذي يتعرض له المعتقلون، كذلك قال إنه وُضع داخل حاوية معدنية وأشعل الحراس ناراً أسفلها لملئها بالدخان.

وتحدث هذا المعتقل، شأنه شأن آخرين، شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً من إعادة اعتقاله، وقد أجرى مراسلو الوكالة مقابلة شخصية معه داخل اليمن بعد الإفراج عنه.

وأجرت الوكالة مقابلات مع 10 معتقلين سابقين، وأكثر من 12 مسؤولاً في الحكومة اليمنية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ونحو 20 من أقارب المعتقلين، ولم يرد مدير سجن الريان، المعروف لدى العائلات والمحامين بأنه إماراتي الجنسية، على طلبات التعليق.

انتقادات حقوقية

وقالت المستشارة القانونية العليا للأمن القومي في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، لورا بيتر، إن هذه الانتهاكات "تُظهر أن الولايات المتحدة لم تتعلم الدرس بعد، وأن التعاون مع قوات تمارس التعذيب وتدمر العائلات ليس وسيلة فعالة لمحاربة الجماعات المتطرفة"، وكانت المنظمة قد أصدرت تقريراً يوثق التعذيب وحالات الاختفاء القسري في السجون التي تديرها الإمارات، ودعت أبوظبي إلى احترام حقوق المحتجزين.

بدورها، دعت "منظمة العفو الدولية" إلى إجراء تحقيق تقوده الأمم المتحدة "في دور الإمارات وغيرها من الأطراف في إنشاء هذه الشبكة المروعة من مراكز التعذيب"، وكذلك في مزاعم استجواب الولايات المتحدة معتقلين أو حصولها على معلومات يُحتمل انتزاعها تحت التعذيب.
وقالت مديرة البحوث في الشرق الأوسط بالمنظمة، لين معلوف "من الصعب تصديق أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم، أو لم يكن بوسعها أن تعلم، بوجود خطر حقيقي للتعذيب".

وكان وزير الحرب الأميركي السابق، جيمس ماتيس، قد أشاد بالإمارات واصفاً إياها بـ"إسبرطة الصغيرة" نظراً إلى دورها الكبير في محاربة تنظيم "القاعدة".

وقال قائد المنطقة العسكرية الثانية في المكلا العميد اليمني فرج سالم البحسني، إن القوات الأميركية ترسل أسئلة إلى القوات الإماراتية التي تحتجز المعتقلين، والتي بدورها ترسل ملفات ومقاطع فيديو تتضمن الإجابات، وهو ما أكده مسؤولون أميركيون للوكالة. وأضاف أن الولايات المتحدة سلمت السلطات اليمنية قائمة بأسماء مطلوبين، اعتُقل كثير منهم لاحقاً، لكنه نفى تسليم المعتقلين للأميركيين، واعتبر تقارير التعذيب "مبالغاً فيها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تذكير بتدابير ماضية

وتعيد شبكة السجون هذه إلى الأذهان مراكز الاحتجاز السرية التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 لاستجواب مشتبه فيهم بالإرهاب، والتي أغلقها الرئيس السابق باراك أوباما عام 2009، وقد أُنشئت الشبكة الإماراتية في اليمن خلال فترة إدارة أوباما، ولا تزال تعمل حتى اليوم.
وقال غودمان، "كانت الإمارات من بين الدول المشاركة في برنامج التعذيب والترحيل السري الذي نفذته وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). هذه التقارير مألوفة بصورة مخيفة، وتحمل تداعيات قانونية وسياسية خطرة".

وتُعد الإمارات جزءاً من التحالف الذي تقوده السعودية وتدعمه الولايات المتحدة لمساندة الحكومة اليمنية في مواجهة جماعة الحوثيين التي سيطرت على شمال البلاد، ويساعد التحالف في الوقت نفسه، واشنطن على استهداف فرع تنظيم "القاعدة" في اليمن، أحد أخطر فروع التنظيم عالمياً، إضافة إلى مقاتلي تنظيم "داعش".
وتقول وزارة الدفاع الأميركية إن عدداً محدوداً من القوات الأميركية يتحرك بشكل دوري داخل اليمن، ويعمل أساساً على طول الساحل الجنوبي.
وصعدت الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترمب، من ضرباتها بالطائرات المسيرة إلى أكثر من 80 ضربة هذا العام، مقارنة بنحو 21 ضربة في عام 2016، كذلك نُفذت عمليتا إنزال كوماندوز على الأقل ضد "القاعدة"، قُتل في إحداهما جندي من قوات "سيل" البحرية، إلى جانب ما لا يقل عن 25 مدنياً.
ولم يكن دور الولايات المتحدة في استجواب معتقلين في اليمن قد أُقر به علناً من قبل.

 

استجوابات على متن السفن

وقال ضابط يمني، أفاد بأنه خدم فترة على متن سفينة قبالة الساحل، إنه شاهد نقل معتقلَين في الأقل إلى السفينة لاستجوابهما، حيث أُخذا إلى أسفل السفينة، وقيل له إن "متخصصي كشف الكذب" و"متخصصين نفسيين" أميركيين أجروا التحقيق، ولم يُسمح له بدخول تلك الأقسام، وتحدث الضابط شرط عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام.
ونفى مسؤولون كبار في وزارة الدفاع الأميركية بصورة قاطعة إجراء أي استجوابات على متن سفن، وقال المتحدث باسم وكالة الاستخبارات المركزية جوناثان ليو "لا تعليق لدينا على هذه الادعاءات المحددة"، مضيفًا أن أي مزاعم بإساءة المعاملة تُؤخذ على محمل الجد.
ولم يحدد الضابط اليمني ما إذا كان "الأميركيون على السفن" عسكريين أم عناصر استخبارات أم متعاقدين خاصين، غير أن مسؤولَين يمنيين كبيرين آخرين، أحدهما في وزارة الداخلية التابعة للرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، والآخر في المنطقة العسكرية الأولى بحضرموت، إضافة إلى مسؤول أمني سابق، أكدوا جميعاً أن أميركيين أجروا استجوابات في البحر.

وعلمت الوكالة أسماء خمسة مشتبه فيهم احتُجزوا في هذه المواقع السرية وقيل إن أميركيين استجوبوهم، وقد حدد الضابط اسم أحدهم، فيما عرف معتقلون سابقون بأربعة آخرين قالوا إن هؤلاء أخبروهم شخصياً بتعرضهم لاستجواب أميركي.
وقال أحد المعتقلين، الذي لم يُستجوب من قبل الأميركيين، إنه تعرض للضرب المتواصل على يد حراسه اليمنيين، لكنه خضع لاستجواب واحد فقط، وختم قائلاً "أفضل أن أموت وأذهب إلى الجحيم على أن أعود إلى هذا السجن، إنهم لا يعاملون الحيوانات بهذه الطريقة، حتى لو كان المعتقل هو بن لادن، لما فعلوا هذا".

وزارة حقوق الإنسان اليمنية

من جهتها، كشفت وزارة حقوق الإنسان، أنها تلقت عدداً كبيراً من الشكاوى والبلاغات من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني، تفيد بوقوع جرائم خطرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ارتكبها مسؤولون وضباط إماراتيون، وعناصر تابعة لدولة الإمارات من الجنسية اليمنية، إضافة إلى مرتزقة أجانب.

وأوضحت الوزارة في بيان تلقت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) نسخة منه، أن هذه الانتهاكات شملت الاغتيالات، والاختطاف، والإخفاء القسري، والاحتجاز في سجون سرية، وممارسات التعذيب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير