ملخص
قدرت إحصاءات رسمية الفجوة الناجمة عن التهريب والتهرب من إعادة حصائل الصادر بأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، إذ بينما بلغ الإنتاج خلال التسعة أشهر الماضية 53 طناً من الذهب ما يساوي قيمة 7 مليارات دولار، غير أن ما دخل إلى خزانة الدولة من حصائل الصادر كان أقل من مليار دولار، نحو 909 ملايين دولار فقط على وجه التحديد.
بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب في بلدٍ تكاد تمزقه الحرب ويحاصر التردي الاقتصادي الحاد كل أوجه الحياة وتنهار العملة الوطنية بشكل غير مسبوق، ويلتهم المجهود العسكري جل الموارد على شحها، يحتدم الصراع والجدل حول من يصدر ثروة الذهب كأهم مورد للنقد الأجنبي بالبلاد حالياً. ولمن تذهب إيرادات هذه الثروة التي تتبدد تحت فوضى نيران الحرب؟
إلزام دون التزام
في محاولة لوضع الدولة يدها على حصائل صادرات الذهب من العملات الحرة، أصدرت اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية التي يرأسها رئيس مجلس الوزراء، كامل إدريس، حزمة قرارات وموجهات بهدف ضبط الأداء الاقتصادي وتعزيز استقرار سعر صرف العملة الوطنية، بينها حصر شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة تلتزم بتوفير النقد الأجنبي اللازم للمستوردين، وتم توجيه بنك السودان بفتح منافذ لشراء الذهب المنتج وفق سعر البورصة العالمي، واعتبرت القرارات حيازة أو تخزين الذهب في أي موقع من دون مستندات رسمية من الجرائم الاقتصادية.
يلزم القرار جميع شركات التعدين بتصدير حصصها من الذهب عبر بنك السودان المركزي لضمان دخول العائدات إلى خزانة الدولة، لكن القرار واجه مقاومة شرسة من شركات تصدير الذهب على رغم تورطها في حجب عائدات الصادر من العملات الحرة عن البنك المركزي، بوصفه الرقيب على موارد وإيرادات البلاد.
فجوة المليارات
وقدرت إحصاءات رسمية الفجوة الناجمة عن التهريب والتهرب من إعادة حصائل الصادر بأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، إذ بينما بلغ الإنتاج خلال الأشهر التسعة الماضية 53 طناً من الذهب ما يساوي قيمة 7 مليارات دولار، غير أن ما دخل إلى خزانة الدولة من حصائل الصادر كان أقل من مليار دولار، حوالي 909 مليونات دولار فقط على وجه التحديد.
وكشف تقرير الأداء للشركة السودانية للموارد المعدنية، مطلع الأسبوع الماضي، للفترة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2025، أن إنتاج الذهب بلغ خلال هذه الفترة 53 طناً، مقارنة بـ 64 طناً لكامل العام السابق 2024، لافتاً إلى تحقيق قطاع التعدين التقليدي طفرةً غير مسبوقة، بنسبة نمو بلغت 506 في المئة مقارنة بالأعوام السابقة، فضلاً عن التحسن في أداء شركات التعدين الكبرى والقطاع المنظم.
اتهامات بالتواطؤ
وعلى رغم الاتهامات بميول وتواطؤ من بعض الأوساط الرسمية لتصدير الذهب عبر الشركات، بعيداً من رقابة بنك السودان المركزي تتباين مواقف المتخصصين والمراقبين حول جدوى احتكار الدولة لتصدير الذهب، ما بين مؤيد ومعارض ومن يرى قيام شراكة ذكية بين الطرفين تحد من التهريب والهرب من سداد حصائل عائدات صادر الذهب من العملات الحرة وإعادتها للخزينة العامة للدولة.
في السياق يتهم الناشط الاقتصادي، عز الدين الأمين، "لوبيات ذات صلة بالدولة ظلت تحتكر تصدير الذهب بعيداً من أعين بنك السودان، وتجد الدعم والمساندة الخفية والتواطؤ من جهات متنفذة وتمتلك في الوقت نفسه أذرعاً تمارس التنقيب وأيضاً تتحصل كذلك على أنصبة من إنتاج المناجم".
ويتابع الأمين قوله "منذ صدور قرار رئيس الوزراء والبدء في ترتيبات إنفاذه استبشر البعض خيراً في أن الدولة بدأت تضع يدها على عائد ثروة الذهب، غير أن اللوبيات كانت تنخرط في تحركات محمومة لإجهاض القرار".
لكن الانتكاسة الحقيقية جاءت، بحسب الأمين، حينما فوجئ الناس خلال اجتماع رسمي ضم رئيس الوزراء نفسه، إلى جانب محافظ بنك السودان وممثلين لشركات التصدير، بوقوف وزير المالية مدافعاً عن شركات تصدر الذهب التي تطالب بالسماح لها بالتصدير المباشر من دون تدخل من البنك المركزي، وهو ما يخالف قرار رئيس الوزراء".
لاحقاً تم إعفاء محافظ بنك السودان المركزي، برعي الصديق، من منصبه، بسبب تمسكه بقرار اللجنة الاقتصادية باحتكار البنك المركزي صادرات الذهب، مما يؤكد وجود خلافات حادة داخل الحكومة.
شروط ونموذج
على نحو متصل يرى المتخصص في الاقتصاد، زين العابدين عبد الباقي، أن السياسات التي أقرتها لجنة الطوارئ الاقتصادية، قد تنجح في السيطرة على حركة وتجارة الذهب، غير أنه رهن هذا النجاح بقدرة الدولة على تحجيم التهريب والتعامل مع المنتجين وفق الأسعار العالمية، إلا أن النموذج الأمثل لإدارة مورد الذهب في ظروف السودان الحالية، قد يكون عبر شراكة بين القطاع الخاص والدولة تنهي التنازع والصراع وتحد من عمليات التهريب وتعيد عائدات الصادر لخزينة الدولة.
يلفت عبد الباقي إلى أن فجوة الثقة بين المصدرين وأجهزة الدولة هي التي تدفع بكل طرف السعي لتحقيق مصالحه. ومن المعلوم أن احتكار بنك السودان لتصدير الذهب يضر بالمصدرين، في ظلّ الانهيار الذي تشهده العملة الوطنية، كذلك من الصعب ضبط الإنتاج التقليدي من خلال نافذة واحدة، مطالباً بوضع آلية مشتركة للشراء والتسويق لتفادي فشل أي سياسة جديدة، مشككاً في قدرة بنك السودان وحده على إدارة شأن الذهب، في ظل وجود منتفعين نافذين يعرقلون تنفيذ السياسات الجديدة مستفيدين من ضعف الرقابة والانفلات الأمني.
جريمة التهرب
يشير المتخصص الاقتصادي، إلى أن خسارة خزانة الدولة لحصيلة عائدات صادرات الذهب ترقى لكونها جريمة، لأن المبالغ المتهرب عن سدادها كانت كفيلة بأن تعالج الكثير من مشكلات العجز في العملات الحرة وتحسين سعر صرف الجنيه السوداني، فضلاً عن مساهمتها في إعادة إعمار وتأهيل قطاع الخدمات الذي دمرته الحرب، متهماً ما اسماه بوجود شبكات تهريب وشركات تصدير متمددة داخل جسد الدولة نفسها هي التي تنخر في اقتصاد البلاد وتبدد مواردها لمصالح شخصية.
مجموعات مصالح
إزاء هذا التضارب أصدرت شعبة مصدري الذهب بياناً حاداً نفت فيه اجتماع مجموعة من الأفراد ادعت تمثيل لجنة صادر الذهب مع رئيس الوزراء وعدد من وزراء القطاع الاقتصادي، وهي لا تمثل الشعبة الشرعية المعترف بها.
وتساءل رئيس شعبة مصدري الذهب، عبد المنعم الصديق، عن شرعية تلك المجموعة، والأسباب التي دفعت الجهات الرسمية لتجاهل الشعبة الشرعية والممثل القانوني المختص في قطاع تصدير الذهب، وتنظيم اجتماعات مع مجموعات مجهولة لم تكن تعرف إلا بعد نشوب الحرب الأخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال بيان الشعبة إن "المجموعة التي اجتمعت مع رئيس الوزراء مدعومة من جهات تنفيذية بشكل غير قانوني، ما يمكنها من التهديد بإقالة كل من يعارض مصالحها، متهماً تلك المجموعة، بأنها كانت سبباً في تدمير الاقتصاد السوداني وانهيار قيمة العملة الوطنية، وزيادة الأعباء على المواطنين، بشرائها الذهب بأعلى من الأسعار العالمية".
أضاف البيان أن الشعبة سبق وحذرت من مثل هذه الممارسات، وأكدت أنها ستواجه أي جهة تسهم في تدهور الاقتصاد الوطني، مناشدة رئيس الوزراء بضرورة تشكيل لجنة لمراجعة عائدات صادر الذهب منذ نشوب الحرب لمقارنة الكميات المصدرة وتحقيق الفائدة الحقيقية للوطن.
أكدت الشعبة أنه وعلى رغم اختلافها مع سياسات احتكار صادر الذهب التي يتبعها بنك السودان المركزي، إلا أنها أكدت استعدادها الكامل للتعاون مع البنك من أجل خدمة السودان بعيداً من المصالح الضيقة.
توقيف 20 شركة
مع بروز الصراع إلى العلن وفي خضم هذا الارتباك، أصدر بنك السودان المركزي قراراً صارماً يقضي بحظر 20 شركة من العمل في مجال صادر الذهب، بعد ثبوت مخالفتها للضوابط المالية وعدم توريدها لعائدات الصادر وفق الإجراءات المعتمدة.
وأوضح البنك، أن الخطوة تأتي في إطار جهوده لإحكام الرقابة على صادرات الذهب ومنع التلاعب بعائداتها، مشيراً إلى أن الإجراءات الأخيرة تستهدف ضبط السوق وحماية الاقتصاد الوطني من الممارسات غير القانونية التي تهدد استقرار سعر الصرف وتقلل من العائد الحقيقي للدولة.
أكد البنك عدم التهاون مستقبلاً مع أي جهة تتورط في تهريب أو حجب العائدات، وأن العقوبات قد تشمل الإيقاف الدائم وسحب التراخيص التجارية لكل من يثبت تجاوزه للضوابط الموضوعة في هذا الخصوص.
تعثر البورصة
على نحو متصل يوضح الأكاديمي والمحلل الاقتصادي، محمد الناير، أنه وفقاً لبيانات بنك السودان لعامي 2012 / 2014، كانت هناك سياسات تنادي بإنشاء بورصة للذهب، وتم بالفعل إعداد دراسة بواسطة وزارة المعادن في عام 2016، كذلك صدر قرار من مجلس وزراء الفترة الانتقالية بقيام البورصة ولكن ظل الأمر يتعثر في كل مرة ولم تر البورصة النور حتى الآن، مشيراً إلى أن قيام البورصة هو الوضع الطبيعي الذي سيحل كل القضايا الخلافية الحالية.
وضع استثنائي
ويضيف الناير "من مزايا البورصة أنها تخلق سوقاً منظمة يمنح أسعاراً مجزية يجذب المعدنيين طوعاً للتعامل داخلها ويحصلون على أموالهم فوراً، كذلك يمكن البنك المركزي في هذه اللحظة أن يتدخل بالشراء مثله مثل أي جهة أو شركة، لكن ليس بغرض التصدير، بل من أجل الاحتفاظ بالاحتياطي اللازم من الذهب، وبذلك تضمن الدولة تداول الذهب تحت أعينها وبشكل منظم وتطمئن كذلك لصادرات الذهب والحد من تهريبه، لكل ذلك فإن البورصة تعتبر هي الخيار الأمثل والأفضل".
وصف المحلل الاقتصادي، الوضع الحالي باحتكار بنك السودان لشراء الذهب وتصديره، بأنه استثنائي اقتضته الظروف الحالية ولن يستمر طويلاً، كونه لا يتوافق مع قانون البنك الذي يحصر مهامه في شراء احتياطي الذهب والنقد الأجنبي، لكن تدني العائد من صادر الذهب إلى دون ما هو متوقع، هو ما دفع بالبنك للتدخل المباشر في عمليات الشراء والتصدير، وذلك حتى يضمن عودة حصائل الصادر إلى خزانة الدولة.
تهريب وهدر
أشار الأكاديمي، إلى أن قطاع التعدين التقليدي ظل منذ عام 2009 يمثل 80 في المئة من إنتاج الذهب، بينما لم يستفد الاقتصاد منه بسبب ارتفاع الكبير في نسبة التهريب من الإنتاج، مطالباً بضرورة وقف التعدين التقليدي وتحويله إلى القطاع المنظم الذي يمكن الدولة من الحصول على نسبتها من الإنتاج، بخاصة وأن القطاع التقليدي تطورت إمكاناته وبات قادراً على مواكبة ذلك التحول.
ومنذ انفصال جنوب السودان في 2011، وذهاب جل آبار النفط إلى دولة جنوب السودان الجديدة، بات الذهب يشكل مورداً استراتيجياً تعتمد عليه موازنة الدولة بصورة أساسية، وتشير بعض التقديرات إلى أن ما بين 48 و60 في المئة من الإنتاج يُهرب أو يُباع بشكل غير رسمي ولا يدخل القنوات الرسمية، وقدرت تلك التقارير خسائر الدولة خلال الفترة من (2014‑2024) بما تتراوح بين 23 إلى 36.8 مليار دولار وفق متوسط السعر العالمي للذهب.