ملخص
قد يُحفّز السلام المنشود في أوكرانيا تغييرات جوهرية في النظام الدولي، لكن مدى هذه التغييرات سيعتمد على شروط اتفاقية السلام، ومستوى التزام الأطراف، وردود فعل الأطراف العالمية الأخرى.
تشكل الحرب الأوكرانية أحد أكبر وأهم الأحداث الرئيسة التي غيرت وجه وسمات النظام العالمي القائم، وأظهرت حجم هشاشته في الربع الأول من القرن الـ21، حيث أدت إلى إعادة التفكير في العلاقات الدولية وموقع الأمم المتحدة وتأثيرها فيها، ومدى دور حلف شمال الأطلسي (ناتو) واشتراكه في حروب بالوكالة تتجاوز حدود القارة الأوروبية، وقد أسفرت عن تشكيل تحالفات جيوسياسية جديدة، وتغيير في العلاقات الاقتصادية العالمية.
كذلك أدت هذه الحرب الأكثر دموية وشمولاً في القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية، إلى تفاقم الخلافات الجيوسياسية، وكشفت عن ضعف النظام الدولي القائم على القواعد الغربية والاتفاقيات التي أبرمت بعيد انتهاء الحرب الباردة، وأثارت أيضاً أكبر أزمة هجرة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
الحرب والنظام العالمي
شكّلت الحرب الروسية- الأوكرانية، التي انطلقت شراراتها الأولى عام 2014 وتصاعدت لتنفجر حرباً دموية مباشرة وعنيفة في 24 فبراير (شباط) 2022 بين روسيا وحلفائها من جهة، والغرب الجماعي بقيادة الولايات المتحدة من جهة ثانية، حافزاً لتغييرات جذرية في النظام العالمي. فقد سرعت وتيرة التغييرات الهيكلية، وقوّضت أسس النظام الدولي ذي القطب الواحد الأوحد الذي نشأ بعيد انتهاء الحرب الباردة.
نتائج هذه الحرب، أي النصر أو الهزيمة فيها، لا يتحددان بشكل كلاسيكي على غرار الحروب الأخرى بين أية دولتين أخريين في العالم، فالنصر فيها لا يقاس بالمساحة الجغرافية التي يستولي عليها هذا الطرف أو يخسرها الطرف المقابل، بل بمدى قدرة النتائج النهائية لهذه الحرب على فرض الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، يحل محل العالم الذي يهيمن عليه قطب واحد يملي شروطه وقواعده وقيمه واعتباراته الجيوسياسية على كل العالم، بما في ذلك الحلفاء والأصدقاء.
ويمكن إيجاز واختصار الإشارات الأولى للانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب بالظواهر الجيوسياسية التالية التي يزداد بروزها يوماً بعد يوم، على النحو التالي:
- ضعف الهيمنة الغربية: كشفت الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية عن حدود النفوذ الغربي، وعززت التوجهات نحو لا مركزية السلطة والنفوذ الدوليين. ودفعت دول ما يُسمى بالجنوب العالمي، بما فيها الصين والهند، إلى تعزيز مواقعها، مقدمة بديلاً للنظام العالمي المتمركز حول الغرب.
- التقارب المتنامي بين روسيا والصين: لقد عزز الصراع المحتدم بين روسيا والغرب الجماعي على الأراضي الأوكرانية الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين ودفعهما أيضاً إلى التعاون مع دول أخرى في معارضة التحالف عبر الأطلسي، ومنها دول "بريكس" والدول المنضوية في "معاهدة شنغهاي".
- الاستقطاب والمواجهة الأيديولوجية بين ما اصطلح على تسميته بالديمقراطية الغربية في مواجهة الاستبداد الشرقي، إذ فاقمت هذه الحرب من حدة الصراع الأيديولوجي بين الديمقراطيات الغربية والاستبداد، حيث تصور الولايات المتحدة وحلفاؤها الصراع على أنه دفاع عن القيم الديمقراطية في وجه العدوان الاستبدادي، بينما تروج روسيا وأنصارها لفكرة نظام عالمي "ما بعد هيمنة الغرب".
- أدت الحرب إلى تقسيم المجتمع الدولي إلى مجموعات مختلفة من البلدان التي تدعم أو تعارض تصرفات روسيا، مما أدى إلى توترات عالمية جديدة ونظام دولي منقسم ومشتت.
- في ظل تغير السياسة الأميركية من داعم مطلق لأوكرانيا، إلى وسيط يحاول تلمس وإيجاد حلول وسط تنهي الحرب في أوكرانيا، يفتقر الأوروبيون إلى الثقة بالنفس وموقف مشترك تجاه عديد من القضايا. كذلك هناك نقص في الإيمان بأن أوروبا لا تزال حقاً اتحاداً للقوى العالمية.
- تقارب الجنوب العالمي: على رغم التوجه العام، لا يزال عديد من دول الجنوب العالمي يتخذ موقف المحايد. فهو لا يتفق مع الرؤية الثنائية للغرب، ويركز على تقارب مصالحه الاقتصادية والسياسية، ويحاول الإفلات من نير الإملاءات الغربية.
- اضطراب سلاسل التوريد: تسببت الحرب والعقوبات التي فرضها الغرب على روسيا في اضطرابات كبيرة في سلاسل التوريد العالمية، وبخاصة في قطاعي الغذاء والطاقة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم الضغوط التضخمية، مما أبطأ تعافي الاقتصاد العالمي من النتائج السلبية لعمليات الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا.
- تغييرات هيكلية في النظام المالي: دفعت العقوبات المفروضة على روسيا، بما في ذلك فصلها عن نظام "سويفت" للتحويلات المالية الدولية بين البنوك، عديداً من الدول إلى البحث عن أنظمة دفع بديلة مستقلة عن الولايات المتحدة وأوروبا، فأنشأت روسيا نظام "مير" للمدفوعات. وهذا أضعف وسيُضعف هيمنة الغرب على النظام المالي الدولي.
نظام الأمن الدولي
أدى رد فعل الغرب الجماعي على الحرب الروسية في أوكرانيا إلى إنقاذ حلف شمال الأطلسي (ناتو) من حال الموت السريري التي كان يعاني منها، بحسب وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وإحياء التحالف وتوسيع نطاقه ليشمل فنلندا والسويد. كذلك أدت الحرب إلى إحياء الاهتمام بحلف الأطلسي وتوسيعه واعتباره ركناً أساسياً في حماية القارة العجوز من هجوم روسي مزعوم، مما أدى إلى تغيير المشهد الجيوسياسي في أوروبا. وهذا يُظهر استمرار "غريزة" التوحد والتضامن في أوروبا كلما استشعر الأوروبيون ضرورة مواجهة ما يصفونه تاريخياً ومنذ عهد نابوليون بونابرت بـ"خطر" العدوان الروسي.
هذا الاستنهاض الأوروبي أدى إلى إعادة النظر في النهج الاستراتيجي ليس لحلف "الناتو" وحده، بل وللدول التي يتشكل منها هذا التحالف، فتحت ذريعة احتدام الصراع في أوكرانيا، بدأت هذه الدول الاستعداد لصراعات طويلة الأمد وواسعة النطاق، ورفعت بإلحاح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب موازناتها العسكرية لتصل إلى 5 في المئة من ناتجها القومي في غضون السنوات القليلة المقبلة، وهو ما من شأنه أن يُقوّض جهود الحد من الأسلحة النووية، ويُؤجج المخاوف من سباق تسلح تقليدي ونووي في المستقبل المنظور.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فخلال قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في لندن، تعالت الدعوات في أوروبا للدخول في سباق تسلح مع روسيا. وأكد رئيس وزراء بولندا دونالد توسك على سبيل المثال، أن بلاده تبذل قصارى جهدها لتحقيق ذلك، بما في ذلك دراسة تطبيق تدريب عسكري شامل. علاوة على ذلك، أكد التزامه بضمان حصول البلاد على الأسلحة النووية. ووفقاً لتوسك، ستستخدم بولندا كل ما من شأنه تعزيز قدراتها الدفاعية.
وأسفرت الحرب الدائرة في أوكرانيا ليس فقط عن زعزعة الاستقرار في أوروبا والعالم من خلفها، بل وعن تقويض المؤسسات الدولية التي نشأت بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد أثارت هذه الحرب تساؤلات حول فعالية المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، في ضمان السلام والأمن. وكشفت الأصوات المتباينة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن انقسامات عميقة داخل المجتمع الدولي.
علاوة على ذلك، أثار الهجوم على أوكرانيا تساؤلات حول شرعية المعاهدات الدولية مثل "مذكرة بودابست" و"اتفاقيات مينسك" ومدى الالتزام بها، مما استلزم مراجعة الإطار القانوني الحالي والمعاهدات الدولية، لا سيما بعد اعتراف المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، بأن رعايتهما لـ"اتفاقيات مينسك" كان هدفها منح أوكرانيا الوقت الكافي للتسلح والاستعداد لخوض غمار الحرب مع روسيا.
وخلق الصراع بين روسيا والغرب الجماعي في أوكرانيا، فترة انتقالية اتسمت بتزايد زعزعة الاستقرار الدولي وعدم القدرة على التنبؤ بمسارات الأحداث. لذلك تهيمن على جنين هذا العالم المتعدد الأقطاب الذي يولد من رحم هذه الحرب، سمة عدم وجود قوة واحدة مهيمنة، ويترافق ذلك مع غياب قواعد نهائية ثابتة ومتفق عليها عموماً.
الموقف الحالي للاتحاد الأوروبي يؤيد بشدة فرض عقوبات على روسيا، وقد أقر للتو الحزمة الـ19 من العقوبات ضد موسكو. علاوة على ذلك، أصبحت الدول الأوروبية مهتمة بإنشاء اتحاد طاقة مشترك لمواجهة روسيا. ويعتقد معظم قادة أوروبا الحاليين أن روسيا لا تزال تُمثل "مشكلة أوروبا الاستراتيجية". ويعتبرون أن فلاديمير بوتين لا يسعى فقط إلى استعادة الأراضي السوفياتية أو أراضي الإمبراطورية الروسية الغابرة، بل يجهد لإضعاف الاتحاد الأوروبي عمداً.
الواقع اليوم هو أن موسكو لا تُراجع ولا تخفف مطالبها المتمثلة برفض انضمام أوكرانيا لـ"الناتو" ونزع سلاحها والقضاء على النزعات الفاشية والنازية فيها والاعتراف باللغة الروسية كلغة ثانية لمواطنيها. وفي مقابل ذلك، تخلت الولايات المتحدة تحت رئاسة ترمب عن قيادة المواجهة مع موسكو، وأوروبا أضعف من أن تُوقف بوتين. لكن الأخير، مهما أجبر كييف على التوقيع فلن يُحقق أوكرانيا "صديقة". تكتيكياً، قد ينتصر كلا الجانبين، لكن استراتيجياً لا يمكن أن يكون هناك فائزون.
العواقب الإنسانية
أسفرت الحرب عن أزمة هجرة وتهجير، وأدت إلى أكبر تدفق للاجئين إلى أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، مما فرض عبئاً كبيراً على الدول المضيفة واستلزم جهوداً إنسانية منسقة. وتزامن تدفق اللاجئين مع زعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي، إذ أدت الحرب إلى تعطيل سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مما تسبب في موجة تضخم عالمي وعدم استقرار الاقتصادي.
لقد خلقت الحرب في أوكرانيا أزمة طاقة في البلدان الأوروبية جعلت السكان والمصانع يشعرون بها ويتحسسون نتائجها المضنية، خصوصاً في فصل الشتاء البارد نسبياً، وهذا ما دفع غالبية البلدان الأوروبية لإعادة توجيه أسواق الطاقة، وأجبرها على بذل الجهود لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، مما أدى إلى بحث هذه البلدان عن موردين جدد بغية إحداث تغيير جذري ملموس بأسواق الطاقة العالمية.
أصبحت أوكرانيا بسبب الحرب الدائرة على أراضيها بين روسيا والغرب الجماعي بالوكالة، نقطة جيوسياسية مهمة، إذ يمكن أن تحدد نتائج الحرب وما ستسفر عنه من تغييرات التطور المستقبلي للنظام العالمي الذي يمكن أن يولد من أتونها.
فدور أوكرانيا في ضمان الأمن الدولي أصبح مركزياً بالنسبة إلى أوروبا، إذ تلعب أوكرانيا دوراً رئيساً في ضمان الأمن في أوروبا، حيث إن قتالها ضد الجيش الروسي لا يحمي سيادتها فحسب، بل والنظام الدولي والأوروبي أيضاً، بحسب ما أعلن عدد من القادة الأوروبيين مراراً وتكراراً.
لقد أثارت القمة بين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في ألاسكا خلال أغسطس (آب) الماضي، والاجتماع الذي تلاها بين الرئيس الأميركي وقادة أوروبيين في واشنطن من بينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، موجة أمل جديدة في إنهاء سريع للحرب الروسية- الأوكرانية. وللمرة الأولى منذ سنوات بدأ الطرفان مناقشة المعايير العملية للتسوية، لكن التطورات الميدانية المتلاحقة وتصلب المواقف ذهب ببصيص الأمل هذا أدراج الرياح وجعله أثراً بعد عين.
كان بعض القادة الأوروبيين يعلّقون آمالاً جديدة على القمة الموعودة التي كان من المفترض أن تنعقد بين ترمب وبوتين في بودابست خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لكن الرئيس الأميركي تراجع عن المشاركة في هذه القمة تحت حجة أنه "تكوّن لدي انطباع بأننا لن نصل إلى الهدف المرجو".
وبموازاة هذا التراجع عن المشاركة في قمة بودابست وإلغائها، أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية عن فرض مزيد من العقوبات على قطاع الطاقة الروسي مستهدفاً شركتي "لوك أويل" و"روسنفت". وقال الرئيس الأميركي إنه يأمل بألا تستمر العقوبات الجديدة التي فرضتها بلاده ضد روسيا لفترة طويلة. مضيفاً "شعرت أن الوقت قد حان لفرض العقوبات، وقد انتظرنا طويلاً". ومع ذلك أفاد في تصريحاته بأنه "ما زال يشعر بأن بوتين مستعد للسلام".
في الواقع، لم يتغير كثير في آفاق المفاوضات على المدى الطويل. فبينما يحق للمشاركين ادعاء تحقيق بعض النجاحات التكتيكية، إلا أن الخسائر الاستراتيجية ما زالت تلوح في الأفق حتى إشعار آخر.
من ألاسكا إلى واشنطن
أظهرت القمة غير المتوقعة التي انعقدت في ألاسكا أنه لا روسيا ولا الولايات المتحدة مستعدتان للوصول إلى مستوى جديد من المواجهة. وقد أقر ترمب نفسه بأنه لا يعتقد أن العقوبات ستجبر موسكو على إنهاء حرب لا يريد أن يرثها. من جانبه، حاول بوتين الحفاظ على التواصل مع ترمب، لأنه الزعيم الغربي الوحيد الذي يعتقد أن من الممكن الحوار معه.
صحيح أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح خلال هذه القمة، لكن بوتين تمكن من تحقيق تحول كبير في المفاوضات نحو رؤية روسيا لإنهاء الحرب. تجلى هذا في لحظتين حاسمتين: أولاً، اقتنع ترمب بأن روسيا كقوة نووية لا يمكن هزيمتها في ساحة المعركة، مما يعني أن أوكرانيا لا تملك حلاً عسكرياً. ثانياً، تخلت القيادة الأميركية عن مطلب وقف إطلاق النار وقبلت بحجة بوتين الرئيسة بضرورة مناقشة الطرفين فوراً مسألة السلام الطويل الأمد.
ولم يكن شكل القمة وموقف ترمب مُهيئين لأي شيء آخر. فعلى رغم التطرق إلى تطبيع العلاقات الروسية- الأميركية والتعاون الاقتصادي، فإنهما لم يصبحا موضوعين أساسيين في الاجتماع بسبب تردد الجانب الأميركي وعدم رغبته في مناقشتهما قبل انتهاء هذه الحرب التي تشكل إحراجاً للرئيس الأميركي، بعدما وعد خلال حملته الانتخابية بإنهائها خلال 24 ساعة.
لذلك أسفرت قمة ألاسكا عن نوع من زواج المصلحة: لا يوجد حب مفقود، ولكن هناك تفاهم على أن المواجهة غير مُجدية لكلا الجانبين. يُشكل هذا إطاراً للتفاعل اللاحق، الذي لن يدعمه نهج مشترك تجاه التسوية الأوكرانية (حيث لا تزال الخلافات كبيرة)، بل إحجام متبادل عن الانزلاق إلى الصراع. على رغم الآمال الأوروبية في أن يُصاب ترمب بخيبة أمل من بوتين، ولكن هذا الاحتمال يتلاشى بشكل متزايد كلما شعر الرئيس الروسي بأن صبر نظيره الأميركي بدأ ينفد.
هذه النتيجة تناسب الكرملين تماماً. إذ يبدو أن بوتين أدرك عجزه عن إقناع ترمب بفهم "الأسباب الجذرية للصراع" فهماً صحيحاً، فعلق محاولاته للتفاوض على نظام عالمي جديد مع واشنطن. لذلك، لم تكن موسكو بحاجة إلا لموافقة أميركية لإجراء مفاوضات مباشرة مع كييف في شأن مذكرة التفاهم المقترحة. وهذا ما حدث تحديداً عندما قرر ترمب النأي بنفسه عن مناقشة تفاصيل الاتفاق.
واتضح أن الإطار الناتج كان عاماً للغاية، وتضمن ثلاث نقاط غامضة: تبادل الأراضي، وعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وضمانات أمنية لأوكرانيا. إن اختلاف وجهات نظر الطرفين تجاه هذه النقاط اختلافاً جذرياً لا يمنع البيت الأبيض من مواصلة دعم صيغة "التسوية" الجديدة هذه.
وكان الحدث التالي الذي رسّخ صيغة التفاوض الجديدة هو اجتماع ترمب مع زيلينسكي والقادة الأوروبيين في واشنطن. بعد ستة أشهر من رئاسة ترمب أدرك الأوروبيون جيداً أن الرئيس الأميركي يستحق الثناء والامتنان اللامتناهي. كذلك استخلص زيلينسكي درساً مما واجهه داخل أروقة البيت الأبيض في فبراير الماضي، إذ وصل إلى اجتماع البيت الأبيض مرتدياً بدلة سوداء، متجنباً بحرص أخطاء الاجتماع السابق الذي انتهى بكارثة.
مع ذلك، باءت محاولة ممارسة ضغط جماعي على الرئيس الأميركي وتحييد نتائج اجتماع ألاسكا بالفشل. استمر الحديث بين ترمب وزيلينسكي 28 دقيقة، وكان الاجتماع المغلق بين ترمب ومجموعة الدعم الأوروبية في البيت الأبيض قصيراً أيضاً، تخللته استراحة لمدة 40 دقيقة لإجراء مكالمة هاتفية مع بوتين.
لم يتم التوصل إلى أية اتفاقات جوهرية. بل على العكس، شدد ترمب على ضرورة العمل من أجل اتفاق سلام شامل وليس وقف إطلاق النار، وحاول طمأنة بوتين باستعداده للقاء زيلينسكي ومناقشة جميع الخلافات مباشرة.
الضمانات والاجتماعات
أوضحت البيانات التي أعقبت القمتين سريعاً مدى التباعد في مواقف الجانبين، على رغم الحديث عن إحراز تقدم. وفي ما يتعلق بالقضية الرئيسة المتمثلة في الضمانات الأمنية لأوكرانيا، لم يتغير موقف موسكو تقريباً عما ناقشته مع كييف في إسطنبول ربيع عام 2022.
ووفقاً للكرملين، ينبغي أن توقع الدول الضامنة أيضاً على اتفاقية السلام بين روسيا وأوكرانيا. ويشير هذا في المقام الأول إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما في ذلك روسيا نفسها، إضافة إلى دول أخرى- على سبيل المثال بيلاروسيا (اقترحتها موسكو)، أو تركيا (اقترحتها كييف)- بالتالي، في حال حدوث تصعيد جديد سيكون لكل دولة ضامنة حق النقض (الفيتو) على القرارات.
تسمح هذه الصيغة الوسطية بإرسال قوة محدودة من قوات حفظ السلام من الدول الضامنة إلى أوكرانيا، مع مشاركة إلزامية من دول غير أعضاء في حلف "الناتو". لكن الأهم من ذلك كله أن كل هذا يجب أن يصاحبه تقليص جذري للجيش الأوكراني، وهذا تحديداً ما تعتبره موسكو الدفاع الأكثر موثوقية ضد إعادة تسليح أوكرانيا في سنوات ما بعد الحرب ومحاولة استعادة ما خسرته.
لكن للأوروبيين وكييف رؤية مختلفة تماماً للضمانات. أولاً وقبل كل شيء، يعني هذا وجود وحدة عسكرية من دول "الناتو" في أوكرانيا، وإن كانت محدودة العدد وبعيدة من خط المواجهة، ولن تُستخدم هذه القوات لمحاربة روسيا، لذلك اعتمدوا حتى مصطلح "قوات الطمأنينة" الضعيف نوعاً ما، والذي يبدو أقرب إلى دعم معنوي لكييف منه إلى رادع لموسكو.
النقطة الأساسية هنا هي مدى التدخل الأميركي. فقد صرّح كل من ترمب والمسؤولين الأميركيين المعنيين بالأمر صراحةً بأن تدخل واشنطن سيكون محدوداً، وأنه لن تكون هناك قوات أميركية على الأراضي الأوكرانية. ومن المرجح تقديم دعم جوي، لكن الولايات المتحدة ستطلب دفعات إضافية من الأوروبيين، الذين يتحملون بالفعل كامل الدعم العسكري لأوكرانيا.
رفضت روسيا مراراً وتكراراً مثل هذه الضمانات وما زالت ترفضها، وأكدت ذلك بعد قمة ألاسكا. فقد صرحت وزارة الخارجية الروسية بأنه لا يمكن لأي قوات تابعة لحلف "الناتو" التواجد على الأراضي الأوكرانية من دون مشاركة روسيا.
كل هذا يُلقي بظلال من الشك على الإنجاز الثاني للقمتين، ألا وهو مناقشة التحضير للقاء بين بوتين وزيلينسكي. يبدو أن هذا الموضوع نشأ عن سوء فهم من الجانب الأميركي، فالكرملين لم يرفض علناً مثل هذا اللقاء، بل اشترط دائماً التحضير له بدقة. ومن المرجح أن بوتين كرر هذا الموقف، والذي فُسِّر على أنه استعداد للقاء في المستقبل القريب. كذلك وافقت موسكو على رفع مستوى الوفد في محادثات إسطنبول، وهو ما يُمكن اعتباره تأكيداً على استعداد بوتين للقاء نظيره الأوكراني.
واضطر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى التوضيح مجدداً: أولاً، يُنظَّم عمل مجموعات الخبراء، ثم تُرفع الوثائق إلى مستويات أعلى، وبعد ذلك فقط يُعقد اجتماع للقادة كمرحلة نهائية. يبدو أن موسكو تحاول إقناع واشنطن بضرورة بدء كييف نقاشاً موضوعياً حول شروط روسيا، مُصوّرةً هذه العملية على أنها تحضيرٌ للقاء بين بوتين وزيلينسكي.
ويبدو أن البيت الأبيض قد قبل هذا. فقد صرّح نائب الرئيس جيه. دي. فانس بالفعل بأن الولايات المتحدة تُوافق على إمكانية الاتفاق على التفاصيل الرئيسة لتسوية سلمية، بما في ذلك الضمانات الأمنية والقضايا الإقليمية، قبل لقاء بوتين وزيلينسكي.
لا رابح ولا منتصر
نتيجة لذلك، تُجرّ القيادة الأوكرانية الآن إلى صيغة تفاوضية يُمكن تسميتها موقتاً "إسطنبول- 2". المطالب نفسها من دون احتساب المطالبات الإقليمية الجديدة، والموقع نفسه، والوجوه- في الأقل من الجانب الروسي- مع ذلك، وخلافاً لما كانت عليه الحال عام 2022، أصبحت أوكرانيا الآن في وضع أكثر خطورة، مع احتمال خسارة دونباس أمام هجوم روسي آخر في ربيع العام المقبل.
دور أوروبا في هذه الصيغة شكلي إلى حد كبير. فهي تفتقر إلى الموارد العسكرية والمالية اللازمة لتغيير الوضع في ساحة المعركة بسرعة، وحليفها الاستراتيجي الرئيسي، الولايات المتحدة، يُطالب الآن بالتفاوض على اتفاق بناء على المدخلات الروسية- أي في إطار حوار مباشر بين روسيا وأوكرانيا.
كل هذا قد يُلزم كييف بخوض مفاوضات صعبة لأشهر عدة مع موسكو في إسطنبول، والتي ستُجرى على خلفية الهجوم العسكري الروسي المستمر. بعد أشهر، قد تُسفر هذه المفاوضات بالفعل عن نتيجة تتمثل في صيغة ما للتسوية. لكن من المرجح أن يُحكم عليها بمصير "اتفاقيات مينسك" نفسه.
وهناك مشكلتان في الأقل هنا: الأولى هي أن بوتين يرفض رفضاً قاطعاً إدراك أن الغرب ليس هو من يمنع أوكرانيا من أن تصبح "صديقة"، بل إن المجتمع الأوكراني والنخبة نفسها لن يقبلا أبداً شروط الاستسلام التي تحاول موسكو فرضها عليهما. وبصرف النظر عن البنود التي يُدرجها الكرملين في الاتفاقيات الموقعة بعد مفاوضات شاقة، فإنها لا تزال غير قابلة للتطبيق في الواقع الأوكراني.
المشكلة الثانية هي أن الغرب، في بحثه عن صيغة لضمانات أمنية لأوكرانيا، يسعى جاهداً لإيجاد صيغة سياسية تردع روسيا، التي يفهم جيداً أنه لا يمكن هزيمتها عسكرياً بسبب أسلحتها النووية. وإذا رفض الغرب بوضوح محاربة روسيا مباشرة إلى جانب أوكرانيا اليوم، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأنه سيُظهر فجأة مثل هذا الاستعداد في حال حدوث تصعيد جديد بعد توقف الحرب الحالية. لذلك، لا يمكن تقديم أية ضمانات توقف روسيا فعلياً عند حدها.
الواقع اليوم هو أن موسكو غير مستعدة للتراجع عن تحقيق أهدافها من الحرب في أوكرانيا، والولايات المتحدة لا تريد الدخول في مواجهة مع موسكو، وبذلك تكون أوروبا عاجزة وحدها عن التلويح بعصا "الناتو" لبوتين. لذا يمكن لبوتين أن يجبر كييف على التوقيع على اتفاق يتضمن الحد الأدنى من الأهداف الروسية، لكن هذا لن يعيد أوكرانيا إلى الحضن الروسي. وبذلك لن يكون هناك منتصر استراتيجياً في هذه الحرب، حتى لو بدا الأمر على غير هذه الصورة تكتيكياً.
انطلاقاً من ذلك، يبدو الصراع في أوكرانيا وتصرفات الأطراف الغربية المتمركزة حول كييف الآن في حال من الفوضى العارمة والضجيج. ولعل حال المراوحة والجمود خير مثال على ذلك.
يُزعم أن الولايات المتحدة تريد السلام، والاتحاد الأوروبي يريد القتال حتى آخر أوكراني، ولندن تريد تحويل ما تبقى من أوكرانيا إلى مستعمرة بحكم الأمر الواقع. للوهلة الأولى، يبدو من المستحيل تماماً استيعاب كل ذلك. فلا عجب أن عديداً من الخبراء المطلعين يترددون حالياً، بينما يُفضل الأكثر صراحة العاطفة على التحليل.
في الواقع، تعد المشاعر المُفرطة هي المشكلة الرئيسة التي تمنع من فهم ما يحدث. تطغى الضوضاء على كل شيء. ولكن، حتى لو تم استبعادها فلن تتنقح الصورة كاملة إلا إذا غير الغرب الجماعي نظرته وموقعه ودوره في هذا الصراع المفتوح.
إن الحرب الشاملة، الاقتصادية والهجينة والمعلوماتية، المصحوبة بصراع عسكري محدود في أوكرانيا، لا تُشن من أجل أوكرانيا، أو السيطرة على جزء منها، أو "موارد" وهمية. إن الرهان الحقيقي اليوم هو إعادة تقسيم أوروبا، حرب من أجل "إرث" الاتحاد الأوروبي. والمرحلة الثانية تلوح في الأفق بالفعل: صراع من أجل إعادة تقسيم العالم وإقامة هيمنة جديدة، وهو ما لا تزال الولايات المتحدة تأمل في تجنبه. ولكنها ستكون قصة مختلفة تماماً.
التطلع إلى الأمام
أوكرانيا كدولة ليست جائزة، بل مجرد ساحة معركة. أوكرانيا كدولة محكومة من نظام هجين موال للغرب، مستعد للقتال من أجل أهداف خارجية مقابل المال. أوكرانيا وشعبها، في هذا الصراع، لا يهمان إلا روسيا.
ليس لدى الولايات المتحدة أية مصلحة في إنهاء الصراع على المدى القريب، بل على العكس فإن شركات صناعة السلاح وآلات الدمار والموت مستفيدة من حماسة الأوروبيين لدفع مزيد من المال ثمن الأسلحة الأميركية التي يشترونها من الولايات المتحدة لمصلحة أوكرانيا. الهدف الرئيسي للرئيس الـ47 دونالد ترمب هو إخراج الولايات المتحدة من هذه الأزمة، ومنع تحول التقارب الروسي- الصيني إلى تحالف يضع نصب عينيه هدف إزاحة أميركا عن عرش قيادة العالم، وزعزعة هيمنة الدولار الأميركي على التجارة العالمية والاحتياطات النقدية الدولية.
والنخبة في بروكسل تُناضل من أجل البقاء، ولا تزال تأمل في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، مُقنعة إياها بأنَها تستفيد أكثر من دعم كييف، لا من خلال استنزاف موارد أوروبا، بل بالعمل معاً لمحاربة روسيا والصين وغيرهما من المعارضين. لكنَ هذه الحجج لا تقنع الرئيس الأميركي الباحث عن صفقة جديدة خلف الكواليس، والطامح لأن ينهي ولايته الرئاسية الثانية بصورة صانع السلام في العالم.
لندن، تماشياً مع التقاليد البريطانية العريقة في الدهاء السياسي، تستغل الوضع الراهن، وتأمل في جني كل ربح ممكن بينما يتناحر حلفاؤها، بروكسل وواشنطن. مع ذلك، فإن القيادة البريطانية اليوم أقل شأناً بما لا يقاس من مستوى ونستون تشرشل، الذي أسهم في رسم صورة وخريطة العالم الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية.
إن العلاقات التاريخية المعقدة بين روسيا وأوروبا تجعل القوة الناتجة من كافة اتجاهات السياسة الغربية في حلف "الناتو" وامتداداتها، حتى لو بدت فوضوية أحياناً، فإنها تتجه بوضوح إلى هدف الحفاظ على المواجهة والصراع مع روسيا في أوكرانيا، على رغم معرفة دول "الناتو" المسبقة باستحالة تحقيق نصر عسكري على "الدب" الروسي الذي يحاول استرجاع دوره ونفوذه المفقودين، في عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار حلف "وارسو" ومؤسسه ومرشده الاتحاد السوفياتي.
لذلك من غير المرجح أن يتم رفع العقوبات الغربية والأميركية المفروضة على روسيا في المستقبل المنظور، لا بل سيتم فرض مزيد منها وتشديدها في سبيل توجيه ضربة موجعة لموسكو في خاصرتها الرخوة.
لا تعتقد أوروبا أن ترمب يريد حقاً تحقيق السلام في أوكرانيا. فهو يستفيد من عرض صفقة تدعمها موسكو، لكن كييف وبروكسل، بدعم من لندن، ترفضانها بشدة. ويرى الأوروبيون أن هذا سمح لواشنطن بالانسحاب، بشكل مبرر، من الرعاية الرسمية المكلفة للجيش الأوكراني بينما يستمر القتال، وأصبح عبء دعم أوكرانيا بالكامل واقعاً على عاتق أوروبا التي تضطر لشراء أسلحة أميركية من أجل تزويد كييف بها. لكن الأمر الحاسم والأكيد هو أن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بالسيطرة الكاملة على الصراع، وتمارس هذه السيطرة من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكذلك عبر تحكمها بتدفق الأسلحة وطبيعتها ومدياتها وقوة فتكها إلى أوروبا ومنها إلى أوكرانيا.
انسحاب ترمب رسمياً من قيادة قاطرة دعم الولايات المتحدة لكييف، أدى، أولاً، إلى حماية الولايات المتحدة بشكل شبه كامل من تصعيد الصراع، بما في ذلك احتمال نشوب حرب نووية. ثانياً، سمح هذا لواشنطن بفتح الباب لمفاوضة روسيا بشكل انتقائي على استعادة الوصول إلى أهم مواردها الحيوية، وهو أمر لن يحظى به "شركاؤها" الأوروبيون. ثالثاً، وفر ذلك على الخزينة الأميركية كلف الإمدادات العسكرية لكييف، وفي الوقت نفسه "يُسوّق" ترمب نهاية المساعدات العسكرية للناخبين من أجل الحصول على أصواتهم في الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس، وبهدف اكتساب نفوذ سياسي في العلاقات مع دول الجنوب العالمي من خلال لعب دور "صانع السلام".
والأهم من ذلك، أن التوترات الاقتصادية في أوروبا الناجمة عن دعم الصراع الأوكراني ستتصاعد، مما يقوّض الاقتصاد الأوروبي، بالتالي يقوّض قدرته على منافسة الولايات المتحدة، ويحفّز تدفق رؤوس الأموال والكوادر، بل وحتى شركات وصناعات بأكملها، من أوروبا إلى الولايات المتحدة. وسيتفاقم هذا الوضع مع استمرار فرض العقوبات الأوروبية على روسيا، التي حرمت أوروبا بالفعل من الوصول إلى الموارد ورؤوس الأموال الروسية. في الواقع، ربطت عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، وستظل تربط، الدول الأوروبية بالولايات المتحدة بشكل أوثق بكثير من أية تدابير تجارية أو رسوم جمركية.
هدف واحد وشعارات عدة
من المهم أن نفهم أن شعار ترمب الداعي لاستعادة عظمة أميركا مرة أخرى، هو نفسه مفهوم الهيمنة الأميركية العالمية، ولكن من زاوية مختلفة.
أمضت الولايات المتحدة عقوداً في رعاية النخب الفكرية والسياسية والاقتصادية في كل دولة تقع ضمن نطاق نفوذها. وهذه النخب هي التي تسيطر الآن على السلطة في كل مكان تقريباً في أوروبا. كذلك سهلت الولايات المتحدة تقدم أتباعها، بما في ذلك من خلال الثورات الملونة، مع أن ذلك كان يتحقق في أغلب الأحيان سلمياً وبتكتم. وتحققت الهيمنة الاقتصادية من خلال نظام مالي قائم على الدولار، وامتيازات في الوصول إلى أية موارد تحتاجها الولايات المتحدة بفضل سيطرة النخب المحلية. وقد اكتمل النظام برمته من خلال الإسقاط المتعمد لعدم الاستقرار والفوضى على المناطق التي قد تتعرض فيها المصالح الأميركية للتهديد.
مشكلة واشنطن أنه لأكثر من عقد تتشكل عاصفة عاتية داخل هذا الهيكل: فالنظام المالي المقوم بالدولار يعاني من فرط التضخم ومن تحديات خلق عملة بديلة تقودها مجموعة "بريكس"، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على تصدير تضخمها إلى العالم الخارجي بالسرعة الكافية، مما يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى انفجار أزمة الدين القومي الأميركي، الذي يسفر عن إغلاقات حكومية متتالية. ويترافق هذا مع تزايد تعقيد النفوذ الأميركي وآليات القوة الناعمة. مع ذلك، في الواقع، لا يمثل هذا سوى جزء صغير من إنفاق الولايات المتحدة على "ترسيخ" مفهومها للهيمنة الأيديولوجية.
من ناحية أخرى، ثبت أن فعالية النخبة ذات التوجه الأميركي في الدول الحليفة للولايات المتحدة ضعيفة. وكما يحدث غالباً، حل الولاء والديماغوجية محل الكفاءة، لذلك تفتقد الدول الأوروبية عامة ودول حلف "الناتو" بخاصة لزعماء بارزين ذوي قدرات كاريزمية واضحة، من أمثال ونستون تشرشل وشارل ديغول وفرانسوا ميتران وجاك شيراك وهلموت كول وغيرهم.
لقد أصبح الصراع الأوكراني ببساطة نقطة انقسام وسبباً لفقدان التوازن في نظام الحكم العالمي، وهي الأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة.
بالنسبة إلى واشنطن، لهذه المعضلة حالياً حلان واضحان: الأول هو نهج جو بايدن "التطوري"، الذي يسعى للحفاظ على النظام الحالي بكل الوسائل اللازمة من خلال تعديلات مستهدفة، مع السعي الحثيث في الوقت نفسه إلى إثارة الفوضى في العالم لإبطاء وعرقلة تنمية دول ومناطق أخرى مقارنة بالولايات المتحدة. أو النهج "التجاري" لدونالد ترمب، الذي يهدف إلى هدم الجزء الأكثر كلفة من البنية الفوقية الأيديولوجية، بما في ذلك فسادها، إضافة إلى مؤسسات هذا النظام ووكلائه المعارضين لزعامته، مع الحفاظ فقط على الآليات الاقتصادية والمالية للهيمنة الأميركية، وفي مقدمتها النظام المالي القائم على الدولار. ثم، السعي، في أسرع وقت ممكن، إلى استعادة الهيمنة التجارية والصناعية والتكنولوجية الأميركية إلى مستوى يضاهي مكانتها في فترة ما بعد الحرب في القرن الـ20، عندما انتزعت الولايات المتحدة حرفياً عصا الهيمنة العالمية.
على المدى الطويل
قد تستمر الحرب في أوكرانيا لسنوات، وتتحول إلى صراع طويل الأمد يشبه الحرب الكورية، مع قتال مستمر وتغيرات على خطوط المواجهة.
ويبدو من غير المرجح أن يحقق أي من الجانبين نصراً حاسماً في ظل الظروف الحالية ما لم تحدث تغييرات كبيرة في ميزان القوى العسكرية، مثل ظهور أسلحة جديدة أو تغييرات في الاستراتيجية.
السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ظل الظروف الراهنة، هو اتفاق سلام موقت. في هذا السيناريو، وبالنظر إلى المتغيرات الحالية، ثمة احتمال لاتفاق سلام محدود تحتفظ فيه روسيا ببعض الأراضي التي استولت عليها، وتحصل أوكرانيا على بعض التنازلات.
لكن السيناريو الأكثر احتمالاً لعواقب السلام في أوكرانيا، والذي يؤثر في نظام النظام الدولي ودور القوى فيه، يتضمن المكونات التالية:
1- تغيير النظام الدولي
قد يشكل السلام في أوكرانيا نقطة تحول مهمة في السياسة العالمية. إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام دائم، فقد يخفف ذلك التوترات بين الغرب وروسيا بشكل كبير، ولكن من المرجح أن يبقى انعدام الثقة بين الجانبين قائماً.
في حال نجاح الاتفاق، يُمكن تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا الشرقية، لكن هذا يعتمد على شروط الاتفاق والتزام روسيا به. إذا اعتُبر اتفاق السلام عادلاً فقد يُؤدي إلى تعاون متعدد الأطراف أعمق، أما إذا اعتبر أحد الطرفين نفسه فائزاً أو خاسراً، فقد يعمق ذلك التناقضات في العلاقات بين الغرب وروسيا.
2- العواقب على أوروبا
لقد أصبح الصراع في أوكرانيا بمثابة إشارة مهمة لأوروبا بضرورة تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في أمنها. وحتى في حال تحقيق السلام، فمن المرجح أن يواصل الاتحاد الأوروبي زيادة استثماراته في دفاعه وقواته المسلحة.
كان من أهم نتائج الحرب انخفاض اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية. وبعد اتفاق سلام محتمل، يرجَح أن تُعيد أوروبا النظر في سياستها المتعلقة بالطاقة، لكن العودة إلى أوضاع ما قبل الحرب تبدو مستبعدة. ومن المرجح أن تضطلع أوروبا بدور قيادي في إعادة إعمار أوكرانيا، لكن مدى مشاركتها سيعتمد على نوع اتفاق السلام ومستوى مشاركة الأطراف العالمية الأخرى.
3- التأثير على روسيا
إذا حققت روسيا تقدماً في الحرب، فقد تواصل تعزيز دورها الإقليمي والدولي. ومع ذلك، إذا تحقق السلام من خلال الضغط الاقتصادي والعسكري، فمن المرجح أن تعيد موسكو النظر في سياستها الخارجية.
فرضت العقوبات الغربية ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد الروسي. ورهناً بشروط اتفاقية السلام، قد تتمكن روسيا من ضمان تخفيف العقوبات جزئياً، لكن من المرجح أن يستمر اعتمادها على الصين وغيرها من القوى غير الغربية.
كان أحد الأسباب الرئيسة للصراع هو منع توسع النفوذ الغربي في المناطق القريبة من روسيا. وبعد تحقيق سلام محتمل، من المرجح أن تركز موسكو جهودها على تعزيز وجودها في دول أخرى في المنطقة.
4- موقف الولايات المتحدة
حتى لو تم التوصل إلى سلام، فمن المرجح أن تواصل الولايات المتحدة سياستها في احتواء روسيا، ولكن أساليب هذه السياسة قد تتغير. مع انحسار التوترات في أوكرانيا، قد تُحوّل الولايات المتحدة تركيزها إلى مواجهة النفوذ الصيني المتنامي، مما سيؤثر في سياسات واشنطن في كل من آسيا وأوروبا.
بشكل عام، قد يُحفّز السلام في أوكرانيا تغييرات جوهرية في النظام الدولي، إلا أن مدى هذه التغييرات سيعتمد على شروط اتفاقية السلام، ومستوى التزام الأطراف، وردود فعل الأطراف العالمية الأخرى. من المرجح أن تحاول أوروبا لعب دور أكثر استقلالية في الأمن والاقتصاد العالميين، وسيتعين على روسيا إعادة النظر في استراتيجياتها، وقد تُركز الولايات المتحدة على تحديات جديدة، مثل المنافسة مع الصين.
لذلك فإن مستقبل النظام الدولي وشكله العتيد، سوف يعتمد على قدرة اللاعبين العالميين الرئيسين على التعامل مع فترة ما بعد الحرب وتحدياتها ورافعاتها الاقتصادية والسياسية، وليس على ما كان قبلها.