ملخص
تحولت أزمة رفض تأشيرات لاعبي الشطرنج اللبنانيين من قبل المغرب قبل أيام إلى مؤشر جديد على توتر سياسي صامت بين بيروت والرباط، يعود جذره إلى اتهامات مغربية سابقة لـ"حزب الله" بدعم "البوليساريو" منذ عام 2018. الاتحاد اللبناني انسحب احتجاجاً من البطولة التي كانت قائمة على ما وصفه بالانتقائية، بينما نفت السفارة المغربية وجود خلفيات سياسية، مؤكدة أن التأشيرات تخضع لإجراءات إدارية. وزارة الخارجية اللبنانية بدورها أوضحت أنه لا سلطة لها في هذا القرار السيادي المغربي.
في العلاقات بين الدول، كما في الشطرنج، لا تفهم الحركة الأولى إلا حين تكشف النيات، فيما قد تبدو أحداث بتبعات رياضية بصورة منعزلة أو بريئة، لكنها أحياناً تترجم صراعاً دبلوماسياً عميقاً بين الدول المعنية.
منذ أزمة 2018، حين اتهمت المملكة المغربية "حزب الله" اللبناني بتقديم دعم عسكري ولوجيستي لجبهة "البوليساريو" (حركة انفصالية تأسست عام 1973 بدعم من الجزائر، وتطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب)، دخلت العلاقات المغربية – اللبنانية مرحلة من الجمود الصامت.
لا قطيعة رسمية، لكن لا دفء أيضاً. بيانات المجاملة حاضرة، والمبادرات الثنائية شبه غائبة.
وفي يونيو (حزيران) 2024، بدا وكأن بيروت تحاول ترميم ما تصدع، حين جدد وزير الخارجية اللبناني الراحل عبدالله بوحبيب دعم لبنان "الثابت لوحدة الأراضي المغربية". لكن التوقيت لم يكن كافياً لكسب الثقة. فبعد أسابيع فحسب، استضافت العاصمة اللبنانية مؤتمراً داعماً للـ"البوليساريو"، بمشاركة وجوه قريبة من "حزب الله"، في مشهد عدته الرباط تحدياً لموقفها من قضية الصحراء.
في هذا السياق المربك، ظهرت أزمة قبل أيام لتزيد المشهد تعقيداً، إذ كشفت تقارير صحافية أن أكثرية بعثة الشطرنج اللبنانية لم تحصل على إذن دخول إلى المغرب، للمشاركة في بطولة العرب للفئات العمرية. وقد وصفت هذه الواقعة بأنها "إدارية"، وقد نفاها الجانب المغربي سياسياً، لكن توقيت الحدث، وتراكم الالتباسات، جعلا من القضية أكثر من مجرد خلل تنظيمي.
والسؤال المطروح اليوم "ما الذي حصل تحديداً؟ كيف يرى الجانب اللبناني هذه الواقعة؟ وهل كانت الرياضة ضحية عرضية لمناخ دبلوماسي متوتر؟ أم إن البطولة لم تنجُ من ظلال السياسة الثقيلة، التي بدأت برسائل صامتة وانتهت بتأشيرات مرفوضة؟".
انسحاب الاتحاد اللبناني للشطرنج
أكد نائب رئيس الاتحاد اللبناني للشطرنج حبيب خليل، أن "غالبية البعثة اللبنانية المشاركة في البطولة العربية للشطرنج التي أقيمت في المغرب لم تحصل على التأشيرات، مما دفع الاتحاد إلى اتخاذ قرار جماعي بعدم المشاركة، حفاظاً على هيبته وعلى حقوق اللاعبين الذين حرموا من التمثيل". وكشف عن أن "البعثة كانت تضم 16 لاعباً ولاعبة، إضافة إلى الجهاز الفني والإداري، وقد صدرت التأشيرات فقط لعدد محدود من اللاعبين، فيما رفضت طلبات البقية من دون تقديم أي مبررات واضحة"، مشدداً على أن "الاتحاد تواصل مع كل الجهات المعنية، بما في ذلك السفارة المغربية، الاتحاد العربي للشطرنج، وزارة الشباب والرياضة، ووزارة الخارجية اللبنانية، وصولاً إلى رئاسة الحكومة، لكن لم يتلق أي رد رسمي يوضح أسباب هذا الرفض".
وعما إذا كان هناك بعد سياسي للأمر، قال خليل "ما حصل لا يمكن وصفه بأنه منع سياسي مباشر، لكن عدم التنظيم والعشوائية في إصدار التأشيرات تركت أثراً كبيراً، بخاصة أن هناك لاعبين كباراً لم يحصلوا على التأشيرة، في حين حصل أهالي بعضهم على الموافقة"، لافتاً إلى أنه "في إحدى الحالات حصل طفل، هو بطل لبنان تحت سبع سنوات، على تأشيرة السفر، بينما رفضت تأشيرة والده، والعكس حدث في حالات أخرى".
ولفت خليل إلى أن "الاتحاد اللبناني لا يطالب بإلغاء نظام التأشيرات، لكنه يرى أن من واجب الجهة المنظمة لأي بطولة دولية أن تؤمن تسهيلات وموافقات واضحة للرياضيين... نحن لا نطالب بفتح الحدود بلا تأشيرات، بل فقط بتطبيق القواعد الدولية التي تنص على تسهيل مشاركة الرياضيين. إذا كانت الوثائق مستوفاة، فلا مبرر للرفض".
وفي ختام حديثه، قدم خليل اعتذاراً رسمياً باسم الاتحاد إلى الأهالي واللاعبين الذين خسروا فرصة المشاركة، قائلاً "نتفهم خيبة أمل الجميع، لكن قرارنا بعدم المشاركة لم يكن ارتجالياً، بل صدر عن الهيئة الإدارية بالإجماع، لأن مشاركة ستة لاعبين فقط من أصل 16 لا تنصف البعثة اللبنانية ولا تعبر عن تمثيلها الحقيقي"، مؤكداً أنه "لو كان عدد المتضررين أقل، ربما كنا اتخذنا قراراً مختلفاً. لكن حرمان أكثر من 60 في المئة من الوفد من الحصول على التأشيرات هو أمر لا يمكن تجاوزه بالصمت".
من جهته، أكد عضو الاتحاد اللبناني للشطرنج، سيد شامية، أن "ما جرى يعكس حالاً من "العشوائية وسوء التنسيق"، لا قراراً سياسياً. ولفت إلى أن بعض الحالات كانت غير منطقية، مثل منح تأشيرة لوالد أحد اللاعبين بصفته "مرافقاً"، في حين رفضت تأشيرة الطفل نفسه، وهو لاعب عمره ثماني سنوات. وأوضح شامية أن الاتصالات التي أجراها الاتحاد مع الجهات الرسمية المغربية والعربية لم تفض إلى أي تبرير واضح، معتبراً أن "الانتقائية وتضارب المعايير" في التعامل مع طلبات التأشيرات هي ما أثار استغراب البعثة اللبنانية وأربك استعداداتها.
المغرب ينفي الطابع السياسي للقرار
"اندبندنت عربية" تواصلت مع السفارة المغربية لدى بيروت لمحاولة استيضاح بعض التفاصيل منها، فكان الرد بتأكيد نفي وجود أي دوافع سياسية وراء ما حدث، بل الأسباب تعود إلى الطابع الإداري والإجرائي لعملية إصدار التأشيرات.
وقد نفى مصدر مطلع في السفارة المغربية لدى بيروت وجود أي خلفية سياسية وراء عدم منح تأشيرات لبعض أعضاء البعثة اللبنانية المشاركة في بطولة الشطرنج، مؤكداً أن "ما أشيع حول وجود أسباب سياسية للمنع، لا أساس له من الصحة"، إذ إن التأشيرات تمنح بحسب آلية منفصلة لكل ملف على حدة، وهو ما قد يفسر حصول بعض أهالي اللاعبين على التأشيرة في وقت لم تصدر فيه تأشيرات الأطفال بعد.
وعن احتمال وجود خلل لوجيستي، قال "من الممكن أن يكون هناك خطأ في التنسيق، لكن السفارة نفسها لا تصدر التأشيرات، بل ترفع الملفات إلى الجهات المتخصصة في الرباط، وهي من تبت بها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في رده على الاتهامات بوجود توجه مغربي رسمي لتشديد منح التأشيرات للبنانيين نتيجة مواقف "حزب الله"، قال مسؤول إعلامي في السفارة "نرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، موضوع التأشيرات ليس له أي خلفية سياسية ونتعاطى معه وفق معايير واضحة تنطبق على الجميع"، مشدداً على تأكيد السفارة المغربية في بيروت أن ما تم تداوله في الإعلام يفتقد الدقة.
في موازاة موقف الاتحاد اللبناني، بدأت الجهات الرسمية اللبنانية، لا سيما وزارة الخارجية، متابعة القضية عبر القنوات الدبلوماسية لمحاولة فهم خلفيات الرفض، وإن كانت الصلاحيات محدودة.
وقد أكد مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية أن "موضوع منح التأشيرات للبعثة اللبنانية المشاركة في بطولة الشطرنج في المغرب لا يدخل ضمن صلاحيات الوزارة، بل هو قرار سيادي يعود للسلطات المغربية حصراً، ولا علاقة للبنان به"، بخاصة أن "السياسة المغربية في ما يخص التأشيرات للبنانيين معروفة منذ أعوام، وتتسم بالتشدد"، فيما تعد تأشيرة الدخول إلى المغرب من أصعب التأشيرات التي يحاول المواطن اللبناني الحصول عليها منذ أعوام، من دون توضيح رسمي للأسباب والسفارة اللبنانية لدى الرباط تتابع هذا النوع من الملفات بحسب الأصول، لكنها تتلقى في الغالب ردوداً مفادها بأن القرار خاضع لتقدير السلطات المغربية وحدها.
البوليساريو و"حزب الله" في خلفية المشهد
على رغم مرور أعوام على التوتر المكتوم بين لبنان والمغرب، عادت العلاقة الثنائية إلى الواجهة مع الجدل الذي أثارته قضية التأشيرات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في العلوم السياسية في المغرب رشيد لزرق، أن الأزمة بين البلدين قائمة لكنها "مسكوت عنها"، بسبب حساسية الأوضاع السياسية في لبنان، ودور "حزب الله" في رسم اتجاهات الدولة، عبر تبنيه سياسات إيران الإقليمية، ودعمه غير المباشر لموقف الجزائر في نزاع الصحراء الغربية من خلال تأييده جبهة "البوليساريو".
ويشير إلى أن "العلاقة بين المغرب ولبنان، ومنذ الاستقلال، اتسمت بالهدوء والاحترام المتبادل، لكنها لم تتجاوز طابع المجاملة الدبلوماسية إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية، فيما تبادل التمثيل الدبلوماسي والتعاون في المحافل العربية والدولية بقي في حدوده الدنيا، إلى أن دخلت العلاقة مرحلة الجمود العلني بعد عام 2018، من دون الوصول إلى القطيعة الرسمية.
بحسب لزرق، شكلت أزمة عام 2018 نقطة تحول في المسار الثنائي، بعدما اتهم المغرب "حزب الله" بتقديم دعم لوجيستي وعسكري لجبهة "البوليساريو"، عبر تدريب عناصرها وتسليحهم، بغطاء إيراني مباشر من سفارة طهران لدى الجزائر.
وأدى هذا الاتهام إلى قطع الرباط علاقاتها مع إيران، وفتح مواجهة سياسية غير مباشرة مع "حزب الله"، الذي يعد طرفاً نافذاً داخل الحكومة اللبنانية، مما عقد الموقف اللبناني الرسمي، ودفع بالعلاقة مع المغرب نحو البرود الدبلوماسي وانعدام المبادرات الثنائية، مضيفاً أن أزمة 2018 لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة، إذ لم تسجل منذ ذلك الحين أية خطوات باتجاه المصالحة أو استعادة الثقة. كما أن غياب الزيارات الرسمية، وندرة التعاون الثقافي أو الاقتصادي، يعكس استمرار الفتور بين البلدين.
أزمة سياسية في ثوب رياضي؟
وعن الجدل الذي أثير في شأن رفض منح تأشيرات للاعبين لبنانيين للمشاركة في بطولة عربية للشطرنج في المغرب، يوضح لزرق أن "ما حدث قد لا يكون ناتجاً من تعليمات سياسية مباشرة، لكنه وقع في سياق دبلوماسي متوتر، مما يجعله قابلاً للتأويل السياسي".
وفي حال ثبت انسحاب لاعب مغربي من مواجهة لاعب لبناني مستقبلاً في أية بطولة مستقبلية، فإن ذلك سيكون بمثابة "ترجمة رمزية للأزمة السياسية"، لا سيما في ظل غياب توضيحات رسمية من الطرفين.
وعد لزرق أن "هذه الحادثة ليست معزولة عن المناخ الإقليمي، وإن استمرار الغموض في العلاقات المغربية– اللبنانية يجعل من أي تفصيل صغير، ولو رياضي، حاملاً لدلالات سياسية أكبر، في منطقة لا تنفصل فيها الرياضة عن الجغرافيا والمصالح والتحالفات".