ملخص
ستحتاج القنابل والذخائر غير المنفجرة في غزة إلى إزالة، وستشكل المنازل والمباني العامة المتضررة أخطار انهيار جسيمة على السلامة العامة، في حين سيحتاج القطاع إلى عمليات هدم وإزالة واسعة النطاق لملايين الأطنان من الأنقاض.
ربما لا يبدو للوهلة الأولى أي تشابه مباشر بين ناغازاكي اليابانية التي دمرتها قنبلة نووية أميركية عام 1945 وغزة اليوم، باستثناء الدمار الهائل، لكن بالنظر إلى الآمال الكبيرة حول تعافي القطاع من الحرب حال صمد وقف إطلاق النار، يمكن استخلاص كثير من تجربة ناغازاكي وكيف تمكنت من إدارة عملية إعادة البناء الطويلة من الصفر، وكذلك إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للسكان.
على رغم أن الأميركيين استخدموا القنابل الذرية للمرة الأولى في التاريخ لتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي وإجبار اليابان على الاستسلام، فإن الدمار الذي خلفته القنبلتان يبدو أقل بكثير من حجم الدمار الذي خلفته المعارك والقصف الإسرائيلي على غزة، حيث يقدر موقع الأرشيف الذري أن نحو 61 في المئة من مباني المدينة في ناغازاكي تضررت جراء القصف، مقارنة بنحو 67 في المئة في هيروشيما، بينما يقدر مركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية أن 83 في المئة في الأقل من المباني تضررت جراء القصف الإسرائيلي.
ويعني ذلك أن نحو 175 ألف مبنى دمرت أو تضررت بالكامل في غزة، مُخلفةً وراءها أكثر من 53 مليون طن من الأنقاض، أي أكثر من إجمالي حطام الحرب الناتج من جميع النزاعات حول العالم منذ عام 2008، وفي المتوسط، يحوي كل متر مربع من غزة على 383 كيلوغراماً من حطام البناء.
وحتى على مستوى الخسائر البشرية، تظل خسائر غزة أكبر من ناغازاكي التي سقطت عليها قنبلة بلوتونيوم على بعد بضعة كيلومترات شمال المدينة في ضاحية تدعى أوراكامي، إذ تراوح تقديرات عدد القتلى جراء القصف الذري لناغازاكي بين 40 ألفاً و70 ألفاً من سكانها البالغ عددهم آنذاك 263 ألف نسمة، بينما لقي أكثر من 67.8 ألف حتفهم في غزة، وربما دفن عدد أكبر منهم تحت الأنقاض من بين نحو 2.3 مليون نسمة، كما أصيب ما يقارب 170 ألف فلسطيني، وقتل نحو 1200 إسرائيلي وجرح 5400 منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
مآسي انتشال الجثث
أظهرت آثار القصف النووي على ناغازاكي مدى ضخامة الأثر الجسدي والنفسي على الناجين وفقاً للمؤرخ الأميركي وأستاذ الدراسات اليابانية في جامعة نيو إنغلاند بولايو ماين، غوين ماكليلاند، والذي أجرى استبياناً مع الناجين من القصف بين عامي 2008 و2016، سرد 12 منهم تجاربهم قبل القصف وبعده، وصفوا من خلاله أن عدم دفن الموتى كان أمراً مقلقاً وخطراً من الناحية الجسدية والنفسية، بخاصة أن الجثث كانت قد كدست في عربات تستخدم لجمع القمامة، وألقيت في منطقة خارجية، بينما كان جيش الاحتلال الأميركي يطهر المدينة بالجرافات ووضع براميل عند التقاطعات لجمع الرماد والعظام.
وفي كتاب نشرته الصحافية السويدية مونيكا براو، يتذكر رجل يدعى أوشيدا تسوكاسا تلك الجرافات وهي تدوس على عظام الموتى بنفس طريقة تسوية الرمال أو التربة، وعندما حاول أحدهم التقاط صورة، صوب جندي أميركي مسدسه وهدد بمصادرة الصور، وهو مشهد يجسد ما تقوله الصحافية السويدية بأن الرقابة العسكرية الأميركية أعاقت بصورة كبيرة الشفافية في عملية إعادة الإعمار في هيروشيما وناغازاكي، واستندت في ذلك إلى وثائق ومقابلات رفعت عنها السرية في اليابان والولايات المتحدة كشفت كيف أنشأت سلطات الاحتلال الأميركي أنظمة رقابة وتضليل محكمة بين الصحافة اليابانية والعلماء، وحتى الروائيين والشعراء، حول قصف هيروشيما وناغازاكي.
وفي ظل هذا الجهد البطيء، استغرق تنظيف وانتشال الرفات البشرية وقتاً، فبعد نحو ستة أشهر من القصف، ظلت جمعية السيدات البوذيات تسحب العظام من النهر المتدفق عبر المدينة.
وفي غزة، بدأ السكان في البحث عن موتاهم بين الأنقاض بمجرد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الجمعة الماضي، وفي أول 24 ساعة فحسب، انتشل الدفاع المدني 151 جثة كان بعضها متحللاً وملقى في الشوارع، وقد تحول إلى بقايا هياكل عظمية.
لا أحد يعلم بالضبط عدد هؤلاء القتلى غير المرئيين، فهم غير مدرجين في القائمة الرسمية لأكثر من 67 ألف قتيل، التي جمعتها السلطات الصحية في غزة، ومع ذلك يفترض أنهم بالآلاف، إذ قدرت الأمم المتحدة في أبريل (نيسان) الماضي أن رفات 11 ألف شخص لا تزال مدفونة تحت أنقاض غزة، ويعتقد الدفاع المدني أن العدد يتجاوز 14500، كما أوضح المتحدث باسم الهيئة المسؤولة عن إنقاذ الناجين والمحتاجين.
غير أن كثيراً من هذه الجثث لن ينتشل أبداً، حيث وصف الدفاع المدني مراراً كيف أن قنابل الجيش الإسرائيلي التي يصل وزنها إلى طن، والتي ألقيت على مناطق حضرية مكتظة بالسكان في غزة، سحقت المباني والناس، فيما دفن فلسطينيون آخرون تحت مواقع قصفت مراراً، ثم سويت لاحقاً بالجرافات العسكرية.
تحديات إعادة الإعمار
في عملية إعادة إعمار غزة، سيحتاج المشرفون على العملية إلى ضمان عدم انتهاك الحريات المدنية للفقراء من سكان القطاع، بخاصة الأطفال والنساء، ففي ناغازاكي، جرى إجبار بعض الناجين من القنبلة النووية على العيش في كهوف كانت في السابق ملاجئ من القنابل، وبعضهم فقد عائلته بأكملها، ثم وجدوا بعد ذلك أن مشروع إعادة إعمار المناطق الحضرية وتوسيع الطرق شمل جزءاً من أرض عائلاتهم، وشرح الكاتب دومون مينورو كيف استولى مجلس مدينة ناغازاكي على الأراضي قسراً وبكلفة زهيدة، مما أجبر عديداً من السكان على النزوح.
وكما هي الحال على الأرجح في غزة اضطر سكان ناغازاكي أيضاً إلى إعادة الإعمار في ظل الاحتلال، إذ سلط كتاب المؤرخ الأميركي تشاد دييل عن إعادة الإعمار الضوء على الانفصال بين المحتلين الأميركيين وسكان ناغازاكي، مشيراً إلى كلمتين تستخدمان بكثرة في المدينة للدلالة على التعافي، وهما "سايكن"، والتي تشير عادة إلى إعادة البناء المادي، و"فوكو"، والتي تشير إلى إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والجسدي.
وبالنظر إلى فداحة المأساة في غزة على مدى عامين، يكاد يكون من المؤكد أن التعافي النفسي والاجتماعي سيستغرق وقتاً أطول من إعادة بناء البنية التحتية المادية في غزة، إذ تتفاقم الصدمة التي يعانيها عشرات الآلاف ممن لم يتمكنوا من وداع أحبائهم بسبب كون عديد من القتلى أطفالاً، هذا الحزن يزداد حدة بسبب عمليات النزوح القسري المتتالية كما توضح الطبيبة النفسية الفلسطينية فداء الأعرج من دير البلح في وسط غزة، إذ تشير إلى أن الهجمات والقصف الإسرائيلي، إلى جانب أوامر الإخلاء المستمرة، أجبرت أشخاصاً على ترك جثث أطفالهم وراءهم، مما يولد شعوراً بالتخلي عنهم.
أمل بين الأنقاض
ومن الجوانب المهمة الأخرى في التعافي من الحرب بحسب ما تشير تجارب ناغازاكي، أن يكون للناس دور في إدارة هذه العملية، حيث لا ينبغي اعتبارهم مجرد ناجين من مأساة، بل هم جزء لا يتجزأ من عملية إحياء مجتمعاتهم، وكما ذكرت ريكو مياكي، وهي معلمة كانت في الـ20 من عمرها وقت قصف ناغازاكي، فإنها عادت إلى التدريس في مدرستها الابتدائية بعد بضعة أشهر على رغم أنه لم ينج من أصل 1500 طالب في المدرسة سوى 100 طالب، ولم يحضر سوى 19 طالباً في اليوم الأول.
ومثل مياكي، اضطلع كثير من الأشخاص بأدوار جديدة في خدمة مجتمعاتهم، إذ كانوا يبحثون عن الأمل في مواجهة الخسارة الفادحة والرثاء المستمر، وبالمثل يمكن لسكان غزة وقصص الماضي الأليمة والعزيمة في مستقبل أفضل أن تشجع على مهمة التعافي الصعبة في غزة المنكوبة اليوم.
سوابق تاريخية
توضح السوابق التاريخية مدى حجم مهمة إعادة الإعمار بعد الحروب الطويلة الأكثر تدميراً، فقد استغرق إعادة بناء مدينة ستالينغراد الروسية (فولغوغراد الآن) أكثر من 20 عاماً بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تكمل وارسو البولندية عملية إعادة إعمارها بعد الحرب إلا في ثمانينيات القرن الـ20.
أما ناغازاكي، فقد استغرقت عملية إزالة الأنقاض والبدء في إعادة بناء المدينة ما يقارب عقداً من الزمان، بينما استغرق التعافي الكامل لها نحو 20 عاماً كي تصبح مركزاً حضرياً قابلاً للاستمرار بعد إعادة تأهيله بالكامل، إذ كانت عملية إعادة الإعمار الأولية بطيئة بسبب الصعوبات المالية، إذ لم يجر توفير مساكن الطوارئ حتى عام 1946، ولم تصل المدينة إلى حجمها قبل الحرب إلا بحلول منتصف الخمسينيات.
السيطرة السياسية والإعمار
كانت عواقب القصف الإسرائيلي لقطاع غزة كارثية والخسائر المادية والبشرية هائلة، لكن وقف إطلاق النار الأخير قد يفضي إلى سلام طويل الأمد، على رغم الانتهاكات التي بدأت تظهر ويمكن أن تتكرر لاحقاً.
وعلى رغم أن إعادة إعمار ناغازاكي بعد الحرب العالمية الثانية والتحديات الحالية لإعادة إعمار غزة تختلف اختلافاً كبيراً من حيث السياق والمشاركة الدولية وإمكان تحقيق سلام دائم، هناك أيضاً بعض أوجه الشبه التي يمكن أن تقدم دروساً مفيدة لنموذج القطاع، فقد جرت إعادة إعمار ناغازاكي في ظل احتلال أميركي كان يهدف إلى نزع سلاح اليابان وإضفاء الطابع الديمقراطي عليها، فيما تقوم عملية إعادة إعمار غزة في ظل احتلال إسرائيلي جزئي وخطة لنشر قوات دولة وأخرى فلسطينية تستهدف نزع سلاح حركة "حماس"، ووضع الأسس الكفيلة بحكم مدني من التكنوقراط الفلسطينيين كهيكل إداري مستقر تحت مجلس سلام يترأسه الرئيس الأميركي يمكن في ظله المضي قدماً في عملية إعادة الإعمار.
وفيما اعتمدت الحكومة اليابانية سياسة واضحة لإعادة إعمار المدن التي دمرتها الحرب مثل ناغازاكي عبر تشريعات محددة، مثل قانون إعادة إعمار مدينة ناغازاكي لعام 1949، الذي وفر إطاراً قانونياً ومالياً لإعادة التطوير، مع توفير الولايات المتحدة مساعدات مالية كبيرة لليابان خلال فترة الاحتلال لمساعدتها على التعافي، بلغ مجموعها أكثر من 2.2 مليار دولار بين عامي 1946 و1952، يتطلب الأمر من مجلس السلام الحاكم في غزة، فرض إرادته على الأطراف لتحقيق الاستقرار اللازم لنجاح عملية إعادة الإعمار التي تشير تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى أنها ستكلف عشرات المليارات من الدولارات وستستغرق عقوداً، بينما تهدد التقلبات السياسية المستمرة واحتمال تجدد الصراع، بجعل الدول المانحة مترددة في تمويل إعادة الإعمار من دون حل سياسي دائم وضمانات أمنية.
أولويات إعادة إعمار غزة
إذا أريد للسلام أن يدوم طويلاً في غزة، فهناك حاجة إلى النظر في إعادة تهيئة السبل التي تمكن القطاع من إعالة سكانه بحسب أستاذ إدارة الإنشاءات في جامعة أوكلاند للتكنولوجيا جون توكي، وكما هو الحال في أي كارثة، فإن الغذاء والدواء والمياه هي الأولويات العاجلة للحفاظ على الحياة على المدى القصير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد القصف المتواصل ستكون الأولويات في إعادة بناء البنى التحتية المدفونة، مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي ومحطات الضخ، ومع ذلك هناك مصاعب كثيرة، فبينما يمكن التعرف على خطوط الأنابيب الأصلية المدفونة من خلال خرائط المدن، فإن جزءاً كبيراً من البنية التحتية سيكون متشققاً أو مكسوراً أو مدمراً، وسيؤدي عدم إصلاحها أو استبدالها إلى تفشي بعض الأمراض. كما ستحتاج القنابل والذخائر غير المنفجرة إلى إزالة، وستشكل المنازل والمباني العامة المتضررة أخطار انهيار جسيمة على السلامة العامة، في حين سيحتاج القطاع إلى عمليات هدم وإزالة واسعة النطاق لملايين الأطنان من الأنقاض.
وبعد هذه الأولويات العاجلة سيأتي بناء أو إصلاح المستشفيات والمنازل والمدارس وشبكات الطرق والبنية التحتية للحوكمة، والتي من المرجح أن تكون جميعها قد تضررت بشدة.
تحدٍّ هائل
في الواقع، سيستغرق تصميم وتمويل وإعادة بناء البنية التحتية في قطاع غزة عقوداً، لكن يمكن إجراء إصلاحات طارئة على المدى القصير تراوح ما بين ثلاثة وستة أشهر، على رغم أن الشتاء قد يسبب خسائر فادحة إذا حدث تأخير.
وإذا كانت بيروت تواجه مشكلة التعامل مع 32 مليون طن من مخلفات الهدم الناتجة من الصراع الإسرائيلي اللبناني الأخير، بعد فترة وجيزة من إعادة إعمارها من الحرب الأهلية، فإن قطاع غزة سيواجه معضلة مماثلة بالنظر إلى كمية مخلفات الهدم الموجودة على الأرض، غير أنه من المرجح أن تمثل المساكن مسبقة التجهيز حلاً سريعاً ومناسباً، لكن ذلك سيتطلب جهداً لوجيستياً هائلاً على أقل تقدير.
وفي كل الأحوال، سيتوقف الأمر في النهاية على مدى التزام الأطراف بخطة السلام ومدى صرامة الموقف الأميركي في وقف الخروق المحتملة بين حين وآخر لوقف إطلاق النار، كما أن الموقف العربي والدولي الداعم للخطة، وتوفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار، سيلعب دوراً حاسماً في بلوغ الخطة لأهدافها ووضع نهاية لمأساة لا تقل فداحة عن مأساة مدينة ناغازاكي اليابانية قبل 80 عاماً.