"قحت"... وتحديات إدارة المرحلة الانتقالية

من أهم سلبيات المرحلة الانتقاليَّة السابقة في أعقاب انتفاضة 1985 أنها استمرت مدة قصيرة

من الأهميَّة بمكان تركيز "قوى إعلان الحريَّة والتغيير" في السودان على إنجاح المرحلة الانتقاليَّة (أ. ف. ب)

التصنيف السياسي لـ"قوى إعلان الحريَّة والتغيير" في السودان المعروفة اختصاراً بـ"قحت"، حتى الآن، هو تصنيف يدرجها كتحالف سياسي حاكم في السودان.

لكن، إذا عرفنا، من جهة أخرى، أن "قوى الحريَّة والتغيير" هي تكتل يضم قوى سياسيَّة وأحزاباً، سنرى في هذا المشهد تنازعين يكتنفان هويَّة هذا التحالف.

التنازع الأول، من حيث كونها قوى وطنيَّة حملت على عاتقها عبء تنظيم الثورة السودانيَّة وقيادتها حتى إطاحة البشير في 9 أبريل (نيسان) الماضي، ثم إدارة المفاوضات مع المجلس العسكري وصولاً إلى الإعلانين السياسي والدستوري اللذين تم بموجبهما تكوين مجلسي سيادة ووزراء لقيادة المرحلة الانتقاليَّة.

والتنازع الثاني، من حيث كونها قوى حزبيَّة لكل حزب منها برنامجه وتصوره لحكم السودان، وما يمكن التحضير له، والاستعداد لما بعد المرحلة الانتقاليَّة. كحزب الأمة الذي استقال زعيمه الصادق المهدي مؤخراً من قيادة تحالف "نداء السودان"، وظل يصرح حيناً بعد حين عن انتخابات مبكرة، ثم انعكست تلك الاستقالة مباشرة على الجسم التحالفي لقيادة نداء السودان، فرأينا اجتماعات لقوى الجبهة الثوريَّة في القاهرة (وهو أمر كان مستبعداً إذا ظل المهدي على رأس قيادة تحالف "نداء السودان") بطبيعة الحال. الصادق المهدي تركيزه على ما بعد المرحلة الانتقاليَّة من ناحيَّة، كما أنه يلمح في أكثر من مناسبة إلى أن هناك قادة في قوى الحريَّة والتغيير ليس لهم أجسام وازنة بين أوساط الشعب السوداني (يقصد الشيوعيين والبعثيين والناصريين)، وفي تقديرنا إن هذا السلوك من السيد الصادق المهدي لا ينم عن حكمة، فاستقالته عن قيادة تحالف "نداء السودان" سيكون لها ردود فعل سلبيَّة، ربما تعيد خلط أوراق الساحة السياسيَّة السودانيَّة في هذه المرحلة الحرجة. ولقد لاحظنا لجوء قادة الجبهة الثوريَّة الذين هم ضمن تحالف "نداء السودان"، إلى القاهرة لترتيب أوراقهم، وكان الأولى أن يكون ذلك في الخرطوم، وضمن إطار "نداء السودان"، أو حتى "قوى الحريَّة والتغيير"، وخطورة مثل هذه التحركات المبكرة من نظر بعض الأحزاب لما وراء المرحلة الانتقاليَّة الراهنة لا تعكس نضجاً سياسياً، وتردنا إلى عطب حقيقي لازم الأحزاب السياسيَّة السودانيَّة طوال تاريخها.

لقد كان من أهم سلبيات المرحلة الانتقاليَّة السابقة في أعقاب انتفاضة أبريل (نيسان) 1985، أنها استمرت مدة قصيرة (عام)، ولم يكن هناك جسم كـ"قوى الحريَّة والتغيير" يتولى إدارتها، وعلى الرغم من تلافي تلك الإشكاليَّة بتحالف "قوى إعلان الحريَّة والتغيير" الحاكم اليوم في السودان، فإن خطورة زعزعة هذا التحالف ستكون كارثيَّة على مصير المرحلة الانتقاليَّة. ذلك أن هذه المرحلة الانتقاليَّة التي ستستمر على مدى ثلاث سنوات في تقديرنا هي الشرط الشارط لتخلق صورة الدولة السودانيَّة الجديدة من عدمها، وبطبيعة الأداء الحصري المنتظر من "قوى الحريَّة والتغيير" لتحديات هذه المرحلة فحسب.

إن ما يجب أن ينتبه إليه الصادق المهدي والقوى السياسيَّة الوازنة في "الحريَّة والتغيير"، هو التركيز على إنجاح هذه المرحلة الانتقاليَّة بكفاءة عاليَّة، وأن تلك الكفاءة المنعكسة على الأداء الجيد للدولة هي وحدها التي يمكن أن تمهد للاستقرار الحقيقي في السودان. وإذا ما بدا للبعض أن هذه المرحلة الانتقاليَّة هي بمثابة تسخين سياسي لما بعدها فإنه سيكون واهماً، وبالتالي ينبغي أن يكون النظر إلى أهميَّة إدارة الجودة في هذه المرحلة الانتقاليَّة فحسب، بمعايير الكفاءة الوطنيَّة لقوى الأحزاب وليس بمعايير القوى الحزبيَّة وأوزانها. ما يعني أن حديث الصادق المهدي عمن لا أوزان شعبيَّة لأحزابهم في "قوى الحريَّة والتغيير" حسب حديثه، ليس بالضرورة أن تكون هُويتهم الفاعلة في المرحلة الانتقاليَّة بمقاييس تلك الأوزان بقدر ما هي بمقاييس الكفاءة الوطنيَّة والبوصلة المهنيَّة الأخلاقيَّة النزيهة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصادق المهدي، في ردّه عن سؤال سبب استقالته من رئاسة تحالف "نداء السودان" ذكر أنه تشرف بقيادته في مرحلة كان فيها الوقوف ضد النظام السابق يساوي الحكم بالإعدام ولأجل توحيد كلمة المعارضة في وجه النظام السابق، لكن الأمر خلال هذه المرحلة الانتقاليَّة يحتاج إلى تمحيص!

أليس من المهم أن يكون الحرص على إنقاذ الوطن في هذه المرحلة الانتقاليَّة الحساسة مقدماً على المصلحة الحزبيَّة الخاصة؟ إن تحديات "قوى الحريَّة والتغيير" كتحالف حاكم في المرحلة الانتقاليَّة اليوم هي على المحك، وهي، في وجه من وجوهها، أقله خلال المرحلة الانتقاليَّة، أشبه بتحديات بدايات المرحلة التي قاد فيها الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي تحالف الجبهة الثوريَّة الديموقراطيَّة للشعوب الإثيوبيَّة التي أطاحت ثورتها العسكريَّة النظام الديكتاتوري للجنرال منغستو هيلا مريام في العام 199، واستطاعت تقديم نماذج مهمة في الديموقراطيَّة والتنميَّة والحكم الفيدرالي وإدارة التنوع، جنّبت إثيوبيا كثيراً من الهزات والحروب إلى أن أصبحت إثيوبيا على ما هي عليه من استقرار وتنميَّة وازدهار.

لذا، من الأهميَّة بمكان التركيز على إنجاح المرحلة الانتقاليَّة من طرف تحالف "قوى إعلان الحريَّة والتغيير"، فهناك كثير من الاستحقاقات التي لا تناسب الخفة التي تتعامل بها بعض الأحزاب مع مقتضيات هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان، وما يحف بها من تحديات خطيرة.

وفي مناسبة فوز الرئيس الإثيوبي، آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام، قبل أيام، هذا العام 2019 لجهوده في إنهاء الصراع الدموي بين إرتيريا وإثيوبيا، وكذلك لدوره الرائد في الوساطة بين القوى السياسيَّة السودانيَّة للوصول إلى الإعلانين السياسي والدستوري في السودان، سيكون من المهم الاستفادة من تجربة حكم تحالف الجبهة الثوريَّة الديموقراطيَّة للشعوب الإثيوبيَّة، في تجربته الرائدة، لا سيما في بداياتها إبان تولي الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، وصولاً إلى مرحلة الرئيس الحالي آبي أحمد.

المزيد من آراء