ملخص
خلفت احتجاجات غير مسبوقة في كثير مدن المملكة طوال أربعة أيام متتالية إصابات عديدة في صفوف قوات الأمن كما في صفوف المحتجين، وخسائر مادية وتخريب عربات وسيارات للقوات العمومية، ونهب محال أيضاً في بعض المناطق، علاوة على اعتقال ومحاكمة عشرات من شباب "جيل زد".
كشفت الاحتجاجات الشبابية لحركة ما بات يعرف بـ"جيل زد 212" في المغرب عن قصور واضح في أداء وتأطير الأحزاب السياسية لشريحة الشباب، وأيضاً عن ارتباك في تعاطي الغالبية الحكومية مع هذه الأحداث، بينما حاولت المعارضة ركوب الموجة بتبني خطاب "شباب زد".
وخلفت احتجاجات غير مسبوقة في كثير من مدن المملكة طوال أربعة أيام متتالية إصابات عديدة في صفوف قوات الأمن كما في صفوف المحتجين، وخسائر مادية وتخريب عربات وسيارات للقوات العمومية، ونهب محال أيضاً في بعض المناطق، علاوة على اعتقال ومحاكمة عشرات من شباب "جيل زد".
وخرج مئات الشباب، الذي يلتقي في منصة "ديسكورد" بالعالم الافتراضي، إلى شوارع مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وأغادير، ومدن صغيرة مثل إنزكان وتمارة وغيرها، للمطالبة بتوجيه الإنفاق الحكومي نحو قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، عوض بذل موازنات ضخمة في الإعداد لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى مثل كأس العالم لعام 2030.
متابعات ومخلفات
في اليوم الخامس، الأربعاء الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، الذي لم يشهد منعاً أمنياً لتظاهرات شباب "جيل زد"، وإن لم يمنع ذلك وجود حالات شغب خصوصاً بمدينة سلا، حيث تم إحراق بنايات ومنشآت، بدأ الكشف شيئاً فشيئاً عن مخلفات وخسائر هذه الاحتجاجات التي عرفت انزلاقات أمنية خطرة.
في هذا الصدد كشف رئيس وحدة تتبع تنفيذ التدابير الزجرية والمقررات القضائية برئاسة النيابة العامة زكرياء العروسي، عن أنه على إثر مظاهر العنف والتخريب والتحريض، التي عرفتها بعض مدن المملكة جرت متابعة نحو 193 مشتبهاً فيه.
ووفق المسؤول القضائي نفسه، تمت متابعة 19 مشتبهاً فيه من طرف النيابات العامة المختصة في حال اعتقال، بالنظر إلى خطورة الأفعال المرتكبة من طرفهم، والمتعلقة أساساً بارتكاب جرائم الحق العام، علماً بأن بعض هؤلاء كانوا في حال تخدير.
واستطرد العروسي أنه تمت متابعة 158 مشتبهاً فيه في حال سراح، في ما تقرر الحفظ في حق 24 مشتبهاً، علماً أنه تم إخلاء سبيل مجموعة من الأشخاص بعد الاستماع إليهم في محاضر قانونية.
وتبعاً لتصريحات المسؤول القضائي عينه، عرفت هذه الأحداث مظاهر عدة للعنف والتخريب تمثلت في رشق القوات العمومية بالحجارة، إضافة إلى تخريب مجموعة من ممتلكات المواطنين، وإلحاق خسائر مادية بالسيارات وواجهات المحال التجارية واقتراف السرقات وإضرام النار في السيارات المملوكة للدولة، وتعييب أشياء مخصصة للمنفعة العامة والعنف وعرقلة المرور بالطريق العمومي.
من جهته أفاد رشيد الخلفي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، في تصريحات صحافية، بأن عدداً من الاحتجاجات غير المرخصة تحولت في بعض المدن المغربية إلى أعمال عنف أسفرت عن إصابة 263 عنصراً من القوات العمومية بجروح متفاوتة الخطورة، و23 شخصاً آخرين، إضافة إلى إضرام النار وإلحاق أضرار جسيمة بـ142 عربة تابعة للقوات العمومية و20 سيارة تابعة للخواص.
غالبية ومعارضة
بعيداً من الجانب الأمني والقضائي، سجل مراقبون نوعاً من الارتباك الحكومي في التعاطي مع الأحداث الجارية، من خلال إصدار بلاغ لأحزاب الغالبية، وصفه كثيرون بأنه "بارد" لا يكفي للتجاوب مع مطالب وانتظارات شباب حركة "جيل زد" المطالبة بتحسين خدمات الصحة والتعليم وتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية.
حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الغالبية الحكومية، عبر عن تفهم احتجاجات "جيل زد" ضمن بلاغ عقب اجتماع المكتب السياسي الأربعاء، وأفاد بأن "الطموح الجماعي للتعبيرات الشبابية يتقاطع مع الأولويات التي تقوم الحكومة بتنزيلها وتشتغل عليها مختلف القطاعات والمؤسسات العمومية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخرجت وزيرة الإسكان والقيادية البارزة في حزب الأصالة والمعاصرة المشارك في الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بتصريحات وصفت فيها احتجاجات الشباب بأنها "مشروعة وديمقراطية"، قائلة "خرج عدد من الشباب إلى الاحتجاج في الشوارع، وهذا مشروع، لكن لا نريد أن يكون التظاهر خارج القانون، إذ يجب أن يكون الاحتجاج داخل إطار منظم حتى يسهل الحوار مع الشباب الغاضب".
في المقابل وجدت بعض أحزاب المعارضة الفرصة للتعبير عن مساندتها لمطالب الشباب المحتجين، من دون الإقرار بأعمال الشغب والتخريب، كما انتقدت الحكومة لعدم التعاطي الإيجابي مع تلك المطالب الاجتماعية المشروعة.
حزب التقدم والاشتراكية (المعارض) بعد أن رفض كل أشكال تخريب الممتلكات والاعتداء على قوى الأمن، شدد على أن "الحكومة لم تتجاوب مع هذه النداءات وأصرت على إنكار الفرق الكبير بين التزاماتها وفشلها في الواقع، كما تعاملت مع الأوضاع الصعبة بإنكار واستخفاف وتعال استفز الرأي العام".
ارتباك واستغلال
تعلق الباحثة في الشأن السياسي شريفة لومير على الموضوع بقولها إن مطالب الحراك الشبابي يتبناها الشعب المغربي أجمع، بخاصة أنها مطالب اجتماعية محركها الأزمات التي يعرفها الواقع المغربي، لا سيما على مستوى التعليم والصحة.
وأفادت لومير بأن موقف الغالبية الحكومية التي التزمت الصمت في بداية الحراك، إضافة إلى المقاربة الأمنية التي لم تكن ضرورية في ظل احتجاج سلمي، أسهما في تأجيج هذه المظاهرات الشبابية في عدد من مدن البلاد"، مردفة أن المفروض هو التعاطي الإيجابي بالمبادرة إلى فتح حوار مؤسساتي مع مطالب الحراك الاجتماعية.
وزادت أن مواقف المعارضة انحصرت في الخروج ببيانات تنديد بالمقاربة الأمنية التي تدخلت لمنع الحراك الشبابي بعد فشلها في الصعود على مطالب الحراك"، مبرزة أن الاحتجاجات الشبابية اليوم كشفت عن فشل الأحزاب السياسية المغربية التي عجزت عن القيام بأدوارها داخل المجتمع، التي يكفلها لها الدستور من تكوين وتأطير للشباب، وهو ما يعزز فقدان ثقة الشباب المغربي في الفاعلين السياسيين.
على صعيد ذي صلة، رفض مراقبون وناشطون مغاربة انزلاق الاحتجاجات السلمية إلى أعمال شغب وتخريب في بعض مدن المملكة، إذ قال الحقوقي أحمد عصيد إنه "لا شيء يدعو إلى عنف القوات العمومية أو يسوغه، لأنه لا يجعل الناس يكفون عن مطالبهم كما لا يغير من الواقع شيئاً، ولا شيء يدعو إلى عنف الشباب، لأنه لا يمكن المطالبة بإصلاح قطاعات في الدولة مع تخريب ما تم إنشاؤه سابقاً".
وشدد عصيد على أن "انجرار أحداث الشارع المغربي نحو العنف هو أمر غير محمود، وليس في صالح أحد، ولا يؤدي إلى الأهداف المطلوبة، لا من طرف الشباب ولا السلطات المغربية".