ملخص
في تجربة مغايرة، اختارت الكاتبة الأميركية من أصول هندية، جومبا لاهيري، أن تكتب روايتها "حيث أجد نفسي" (دار مكسيلياني)، باللغة الإيطالية، ثم قامت باتخاذ قرار جريء بأن تترجمها إلى الإنجليزية بنفسها، وقرارها هذا الكتابة بلغة جديدة ثم نقل نصها إلى لغة سبق أن برعت فيها، ولم يكن مجرد مسألة تقنية بل عملية تفكير إبداعي تواجه الكاتبة عبرها الكتابة والترجمة في آن واحد.
في أعمالها السابقة، ركزت جومبا لاهيري على قضايا الهجرة والهوية المزدوجة، وعلى الصراع بين الجذور الهندية والاندماج في المجتمع الأميركي، فهناك دائماً عائلة، أجيال متعاقبة، وصراع بين ثقافتين، لكن في "حيث أجد نفسي" تنتقل لاهيري إلى منطقة جديدة، فهي ليست عن الهجرة ولا عن العائلة الممتدة بل عن الوحدة الفردية، والبحث عن الذات في مدينة غريبة.
الهوية هنا لم تعد جماعية أو إثنية بل شخصية داخلية وجودية، وهذا الانتقال يكشف عن رغبة واعية في التحرر من التصنيف الذي لحق بها ككاتبة أميركية من أصل هندي، والبحث عن صوت أكثر استقلالاً، ينسجم مع طبيعة النص المفتت والمتأمل.
ولا تتبع لاهيري في هذه الرواية حبكة درامية ضخمة أو تحولات فارقة، بل تبني عملها من تراكم مشاهد يومية، وملاحظات صغيرة لبواطن امرأة تظل على مدار السرد من دون اسم، تعيش في مدينة إيطالية هادئة تجوب الشوارع والمقاهي والساحات، تراقب الناس من حولها وتستعيد ذكرياتها العائلية مع والدتها وما كان بينهما من شد وجذب، وهو ما زال يؤثر في رؤيتها للحياة.
تعمل لاهيري في سردها على تحويل العادي إلى نص ثري بالعاطفة والمعنى، فالقارئ هنا يتسلل إلى الرواية كما لو أنه يقرأ في دفتر يوميات، مع الفصول القصيرة واختيار عناوين تؤرخ للأماكن وتربط بينها وبين الزمن وحركة الساردة، كل هذا عبر جمل قصيرة وصور متفرقة وتأملات عن الوحدة والحركة والرغبة والذكرى، وهذا يمكن ملاحظته في العناوين مثل "على رصيف المشاة، في المحطة، عند الاستيقاظ، في الفيلا، عند العشاء، في المسبح، عند أمي، في مركز التجميل، في الشارع، عند مرقده، لا مكان"، وهذا التلاعب في اختيار العناوين يعكس أن الرواية فعلاً عن التجول والمراوحة المكانية والنفسية، وليس عن بيان هوية ثابت، ليأتي الفصل الأخير الذي حمل عنوان "عن ترجمة الذات" كي تكشف فيه لاهيري عن ملابسات قرارها الكتابة بالإيطالية ثم القيام بالترجمة الذاتية.
في سبيل العزلة واللغة
تغيب الأحداث التشويقية المباشرة عن السرد لتحضر ثيمة العزلة على مدار النص، كما لو أنها دراسة متوازنة للعلاقة بين الفرد والمدينة والأماكن التي نختارها، وكيف تؤثر فينا وتعيد تشكيل ذواتنا، فالمدينة في الرواية ليست فضاء جغرافياً محدداً بل مرآة وأرصفة ومقاهي وملاعب وحدائق تتحول إلى ركن قصصي يعكس حالات انفعالية داخلية، وبالتالي يصبح العنوان متآخياً مع فكرة الكاتبة عن الأماكن وجغرافيتها، إذ تحول لاهيري الحياة العادية إلى مادة شعرية نثرية غرضها منها القيام بتمرين على المراقبة والتأمل، أكثر من تقديم دراما متصاعدة، مما يجعل نصها جذاباً للقراء الباحثين عن البطء والهدوء الرزين في مراقبة الحياة، أما عشاق الحبكات المتوترة والمحكمة فلن يجدوا مكانهم في "حيث أجد نفسي"، بل ربما يعتبرونه نصاً مترفاً ومملاً لامرأة تكتفي بمراقبة العالم، من دون التورط في صعوبات قاسية.
يمكن قراءة الرواية أيضاً على أنها محاولة للتخلص من ثقل السرد التقليدي والالتزام بالقوالب من خلال اختبار الكاتبة لممكنات اللغة، خصوصاً بعد انتقالها إلى الإيطالية، فتفسح المجال لجمل تبدو غير مكتملة وفواصل زمنية صغيرة، ولحدة ملاحظة تغني النص أكثر من تطور الأحداث، وهذا التمدد في مجال الشكل يقترح قراءة للكتاب كنص عن الوجود في اللحظة نفسها، وعن الأماكن التي نمتلكها أو نخسرها بهدوء.
لنقرأ هذه الفقرات المعبرة من فصل عنوانه "في رأسي" تقول "العزلة، لقد أصبحت مهنتي، ولما كانت تتطلب التزاماً وثيقاً، صارت حالاً أسعى إلى تقمصها بالشكل المثالي، ومع ذلك فهي تعذبني، تثقل كاهلي، رغم معرفتي الجيدة بها، وقد يكون ذلك بتأثير من أمي، لقد كانت على الدوام خائفة من أن تكون وحيدة، والآن حياتها كامرأة مسنة تذيقها مر العذاب".
يبدو أحد أهداف لاهيري من هذا النص الوقوف أمام الزمن ومراجعته، عبر تقديم وجوه من حياة امرأة تتأمل في مسارات الوحدة، ليس وحدتها هي فقط، بل وحدة من تعرفهم أيضاً، ومن خلال هذا المسار تحاول أن تعرف أين هي، وكيف يمكنها في الكتابة فقط، العثور على إجابات عن أسئلة بسيطة ومعقدة في آن واحد، تبدأ من العلاقة مع الأم وتمتد لتحكي عن الصداقة والحب والأبناء، والاختلافات العصرية في تربية المراهقين.
لا تخجل لاهيري من عقد المقارنات في مواقف شتى، بين سلوكها في شبابها وبين تصرف فتاة مراهقة ابنة صديقتها، أو تلجأ للسخرية وهي تحكي عن حبيب خائن، تستيقظ الساردة ذات نهار كي تجد امرأة أخرى على بابها تكشف لها أنه ظل يواعدها سراً، لنقرأ "ذات يوم من أيام أبريل قرع أحدهم جرس منزلي، حسبت أنه هو، لكن الطارق كان امرأة أخرى تعرف حبيبي تماماً كما أعرفه، اعتادت أن تلتقي به في الأيام التي لم أكن فيها معه، ولقد تشاركت الرجل نفسه مع هذه المرأة ما يقارب خمس أعوام. كانت تقطن في حي آخر، وقد عرفت بوجودي من خلال كتاب أعرته له، جلسنا وتبادلنا الحديث متجاهلتين جدولي أعمالنا. راجعنا نقطة نقطة تفاصيل علاقتينا المتوازيتين، أدركت كلتانا أننا ناجيتان، وشعرنا في النهاية كما يشعر الشركاء في الجريمة، كل انكشاف ينطوي على دمار".
فضاء جديد
منذ ظهورها الأول بمجموعتها القصصية "ترجمان الأوجاع"، ارتبط اسم جومبا لاهيري بالكتابة عن مجتمع المهاجرين الهنود في أميركا، حيث يتقاطع الاغتراب بالحنين والهوية الممزقة بين ثقافتين، فشخصياتها تنوء بثقل العائلة والتقاليد، وتواجه تحديات الاندماج في فضاء جديد، وتتكون المجموعة من تسع قصص قصيرة، تبحر في حياة شخصيات هندية ومهاجرة بين الولايات المتحدة والهند، كاشفة عن عوالم الغربة والفقد والحنين، وتمتاز القصص بقدرتها على التقاط التفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية: زوجان يعيشان في صمت ثقيل، طبيب يعمل مترجماً للآلام الجسدية في العيادة ليكتشف أوجاع الروح، أسرة تواجه مأزق الانتماء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأسلوب لاهيري في هذه المجموعة يتميز بالبساطة الشفافة واللغة الخالية من الزخرفة، مما يجعل القارئ يلمس عمق المأساة اليومية من دون صخب، كما تكشف المجموعة عن ثيمات سترافق الكاتبة في أعمالها اللاحقة: الاغتراب الثقافي، هشاشة الروابط العائلية، والبحث عن هوية في فضاء يتأرجح بين الوطن الأصلي وبلد الإقامة، ولقد منحت "ترجمان الأوجاع" للأدب الأميركي صوتاً جديداً يمزج الحساسية الهندية وبرودة الاغتراب الغربي، واضعاً لاهيري في مصاف أبرز الكاتبات اللواتي كتبن عن مجتمعات المهاجرين.
محطة محورية
لكن الانطلاقة الحقيقية لجومبا لاهيري بدأت مع رواية "الأرض المنخفضة" التي تمثل محطة محورية في مسيرتها الأدبية، ابتعدت فيها عن القصة القصيرة نحو فضاء الرواية الطويلة، تمزج فيها بين الشخصي والتاريخي، في نص تتقاطع فيه أسئلة السياسة مع جراح العائلة، الأرض المنخفضة التي تغمرها مياه الأمطار كل موسم تتحول إلى رمز للفقد والذاكرة، تماماً كما تتحول حياة الشخصيات إلى مساحات مغمورة بالغياب والندم، تتعمق الرواية في ثيمات الاغتراب والانتماء، الواجب العائلي والحب غير المكتمل، والصمت الذي يتوارثه الأجيال بوصفه ميراثاً أثقل من الدم، فالسياسة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث بل قوة خفية تعيد تشكيل المصائر، وتفرض على الأفراد خيارات لا فكاك منها.
وفي قلب السرد تظل الأسئلة معلقة: إلى أي حد يمكن للواجب أن يرمم الفقد؟ وكيف يواصل الماضي حضوره في حيوات جديدة عبر القارات؟ تنسج لاهيري نصاً مشبعاً بالأسى الإنساني، يجعل من الغياب حضوراً دائماً، ويؤكد أن الهوية تظل جرحاً مفتوحاً مهما تغير المكان أو اللغة.
قدمت لاهيري في مجموعة "ترجمان الأوجاع" ورواية "الأرض المنخفضة" بناء سردياً تقليدياً، يهتم برصد تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين الهنود في أميركا أو العائدين للهند، كاشفة عن صراعات الغربة وصعوبة الانتماء، من خلال حبكات تسير نحو لحظة انكشاف أو ذروة عاطفية، وشخوص واضحة، لها أبعاد اجتماعية ونفسية محددة.
أما في "حيث أجد نفسي" فنحن أمام رواية أقرب إلى اليوميات التأملية، بلا حبكة مركزية أو شخصيات تقليدية، بل صوت سردي واحد يراقب ذاته والعالم من حوله.
تنتقل لاهيري إلى اللغة الإيطالية لتكتب بلغة ليست لغتها الأم، مغامرة أدبية تنقلها من حكايات الآخرين إلى مواجهة الذات في فضاء داخلي أكثر عزلة، والنص هنا ليس بحثاً عن الانتماء الاجتماعي كما في قصصها الأولى بل عن موطئ وجود شخصي وسط غربة اللغة والمدينة، لذا يمكن القول إن مسيرة لاهيري الأدبية بدأت من الهوية الجماعية الممزقة نحو الذات الفردية المتأملة، ومن واقعية الهجرة إلى جمالية الاغتراب الداخلي.