Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين يختبر نوايا ترمب ويطرح مد "ستارت 3" بشرط

أكد استعداد بلاده للامتثال لمعاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية على أن تتصرف الولايات المتحدة بطريقة مماثلة

ثمة من يقول إن بوتين ربما يشعر بتفوق الولايات المتحدة ودول "الناتو" الأخرى في حال هاجمت روسيا مجتمعة (أ ف ب)

ملخص

ما إن تحولت أجهزة الإعلام إلى سرد ما جرى خلال هذا الاجتماع، حتى تحول المراقبون إلى إطلاق تساؤلاتهم حول أسباب طرح مثل هذه الأفكار "النووية" التي سبق وطرحها الرئيس الروسي، وكانت وراء إعلان موسكو تغيير "عقيدتها النووية".

في أجواء مفعمة بكثير من الإثارة، وعلى غير العادة في مثل هذه الأمور، استبق دميتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي بإعلان هذا الاجتماع من دون الإشارة إلى موضوعه، أو أي من بنود جدول أعماله. وقال بيسكوف إن حضوره سيكون مقصوراً على الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن القومي، وهو ما أضفي على ما أعلنه كثيراً من الغموض الذي كثيراً ما ارتبط بمثله منذ تفاقمت الأزمة الأوكرانية وما أعقبها من تطورات دامية.

وفي الوقت الذي راحت التكهنات تجنح نحو الأزمة الأوكرانية، وما سيتخذه الرئيس بوتين في شأنها، حتى وقعت الواقعة وأعلن الرئيس الروسي الموضوع الذي دعا من أجله إلى انعقاد مجلس الأمن الروسي بحضور أعضائه الدائمين. وما إن تحولت أجهزة الإعلام إلى سرد ما جرى خلال هذا الاجتماع، حتى تحول المراقبون إلى إطلاق تساؤلاتهم حول أسباب طرح مثل هذه الأفكار "النووية" التي سبق وطرحها الرئيس الروسي، وكانت وراء إعلان موسكو تغيير "عقيدتها النووية".

ثمة من قال إن بوتين "ربما يشعر بتفوق الولايات المتحدة ودول ’الناتو‘ الأخرى في حال هاجمت روسيا مجتمعة، حتى بالأسلحة التقليدية، وستكون موسكو مضطرة حتماً إلى إشهار سيفها النووي". وكان بوتين سبق أن أشار إلى احتمال لجوء روسيا لاستخدام الأسلحة النووية في حال تعرضها للخطر، وعاد ليؤكد ذلك مرة أخرى بقوله "إذا حدث ذلك، فإن روسيا ستحتفظ لنفسها في حق استخدام الأسلحة النووية. وأؤكد ولا ينبغي لأحد أن يشكك في ذلك، أن روسيا قادرة على الرد على أي تهديدات قائمة أو ناشئة، بما في ذلك بالطبع التهديدات النووية".

لماذا الآن؟

لعل السؤال الذي تتقافز مفرداته على ألسنة المراقبين داخل روسيا وخارجها يظل في إطار: ماذا يعني فلاديمير بوتين باقتراحه على الولايات المتحدة تمديد معاهدة "ستارت- 3" لعام آخر، وأسباب عودته لطرحه مقروناً باقتراح آخر حول ضرورة الحفاظ على الوضع الراهن، على خلفية التدهور المستمر "للاستقرار الاستراتيجي". وفي هذا الصدد قال بوتين باستعداد روسيا التمسك بنصوص المعاهدة التي سبق ووقعها سلفه دميتري ميدفيديف عام 2010 مع نظيره الأميركي باراك أوباما في براغ، شريطة ارتباط ذلك بانضمام الولايات المتحدة إلى ما يطرحه من اقتراحات بالموافقة على مد فترة المعاهدة لعام آخر.

وقال بوتين إن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "ستارت- 3"، تنتهي في الخامس من فبراير (شباط) 2026، وإن الرفض التام لإرث هذا الاتفاق يعد، من نواح عديدة، خطوة خاطئة وقصيرة النظر. ولتجنب إثارة سباق تسلح استراتيجي جديد، ولضمان مستوى مقبول من القدرة على التنبؤ وضبط النفس، نعتقد أن من المبرر محاولة الحفاظ على الوضع الراهن الذي أرسته معاهدة "ستارت- 3" خلال هذه الفترة المضطربة، لذا فإن روسيا مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية لمعاهدة "ستارت- 3" لمدة عام واحد بعد الخامس من فبراير 2026."

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذلك ما طرحته صحيفة "كوميرسانت" على عدد من الخبراء والمسؤولين في موسكو في توقيت مواكب لما يساور المسؤولين في العاصمة الروسية من قلق تجاه تراكم مكونات الدفاع الصاروخي الأميركي، بما في ذلك الاستعدادات لنشر الصواريخ الاعتراضية في الفضاء، وهو ما دفع الرئيس بوتين إلى إصدار أوامر بمراقبته، وما علق عليه إلكسي أرباتوف مدير مركز الأمن الدولي في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، بقوله "هذه خطوة بالغة الأهمية وغير متوقعة وتستحق الإشادة، لأن انتهاء صلاحية معاهدة "ستارت- 3" من دون أي استمرار سيضع نهاية لنظام ضبط الأسلحة النووية بأكمله، القائم منذ أكثر من 60 عاماً، فضلاً عن أن معاهدة عدم الانتشار، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وعدد من الاتفاقات الحيوية الأخرى ستكون معرضة للخطر، أو وبمعنى آخر، فإن الاستقرار الاستراتيجي سينهار تماماً في غضون عام أو عامين".

ومضت الصحيفة الروسية تقول "أما بالنسبة إلى مستقبل معاهدة (ستارت- 3)، فإنه سيعتمد بالطبع على رد الولايات المتحدة، كما أن مجرد تبادل الملاحظات والآراء لن يكون كافياً. ومن الواجب استئناف المشاورات حول الاستقرار الاستراتيجي، التي بدأت لفترة قصيرة عام 2021 ثم علقت. كما أن من الضروري مناقشة جميع القضايا التي تراكمت بحلول ذلك الوقت، إضافة إلى المواضيع الجديدة التي نشأت، على سبيل المثال، في ما يتعلق بمبادرة القيادة الأميركية لإنشاء نظام دفاع صاروخي عالمي متعدد الطبقات، أو ما يعرف باسم "القبة الذهبية"، ويعد الحفاظ على معاهدة (ستارت- 3) بحد ذاتها نقطة انطلاق بالغة الأهمية لمثل هذا الحوار".

بوتين يطرح مبرراته

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا مستعدة، بعد انتهاء سريان مفعول "ستارت- 3" في فبراير 2026، للالتزام خلال عام كامل ببنود هذا الاتفاق، وقال إن روسيا ستقوم بتقدير الموقف واتخاذ التدابير المناسبة وفقاً لما سيقوم به الجانب الأميركي. وأشار إلى اعتقاده بأن الاستجابة للمبادرة الروسية قد تصبح منصة مناسبة لإطلاق الحوار الثنائي الاستراتيجي للحفاظ على الأمن الاستراتيجي الذي يتدهور يوماً بعد يوم، في الوقت الذي "يشهد تدمير نظام العلاقات الروسية - الأميركية في مجال الرقابة على التسلح".  

ومضى بوتين إلى تأكيد أن "روسيا تربط مشكلات الاستقرار الاستراتيجي بالأعمال التدميرية من الغرب"، مشيراً إلى أنها تملك القدرة على الرد على أي تهديدات مستقبلية، استناداً إلى ما تملكه من قوات وقدرات عسكرية"، غير أن الرئيس الروسي عاد ليشير مرة أخرى لأن بلاده تميل أكثر إلى الحلول السياسية والدبلوماسية لمعالجة ما يواجهها من قضايا. 

 

ولم يغفل الرئيس الروسي الإشارة إلى ما تملكه روسيا من خطط لتعزيز قدراتها الدفاعية، وقال إنها في طور التطوير، مع الأخذ في الاعتبار الوضع الدولي. كما حذر من مغبة التخلي الكامل عن معاهدة "ستارت- 3"، لأن ذلك سيكون خطأ وله أيضاً تأثير سلبي في عدم انتشار الأسلحة النووية.

ووجه بوتين الأجهزة الروسية المعنية بإيلاء اهتمام خاص لرصد خطط توسيع المكونات الاستراتيجية لنظام الدفاع الصاروخي الأميركي، كما أمر بمراقبة الأنشطة الأميركية المتعلقة بترسانة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وحذر من أن التنفيذ العملي لنشر مكونات نظام الدفع الصاروخي الأميركي في الفضاء قد يلغي جهود روسيا للحفاظ على الوضع الراهن. 

وكانت معاهدة "ستارت- 3" دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، غير أن واشنطن انتهكتها علانية، وبخاصة في السنوات الأخيرة، كما أنها "عرقلت عمليات التفتيش من الجانب الروسي"، بحسب ما قالت المصادر الروسية الرسمية.

وفي الـ21 من فبراير 2023، أعلن بوتين أن بلاده في سبيلها إلى تعليق مشاركتها في معاهدة "ستارت – 3" لكنها لن تنسحب منها، لذا فإن الجانب الروسي يريد، قبل العودة للحوار في شأن المعاهدة، أن يفهم كيف ستأخذ "ستارت- 3" في الاعتبار، ليس فقط ترسانات الولايات المتحدة، بل وأيضاً القوى النووية الأخرى في حلف شمال الأطلسي وهي بريطانيا وفرنسا.

في هذا الصدد، ناقشت الولايات المتحدة وروسيا قبل ثلاث سنوات مضت، إمكان إبرام اتفاقات جديدة بدلاً من الاتفاقات الحالية، لكن الحوار بين البلدين كان قد توقف بسبب اندلاع الصراع الأوكراني - الروسي، من دون إحراز أي تقدم في هذا الصدد. كما أن الرئيس بوتين سبق وأكد أن روسيا والولايات المتحدة سيتعين عليهما اتخاذ قرارهما في شأن مد فترة معاهدة "ستارت- 3"، معتبراً أن استئناف المفاوضات في شأن الاستقرار الاستراتيجي يتطلب توفر "حسن النوايا" من جانب الولايات المتحدة على أقل تقدير.

التأثير في الحرب

ثمة من يقول إن ما يطرحه بوتين من اقتراحات حول مد فترة معاهدة "ستارت- 3" قضية شمولية تربط ما بين "الدبلوماسية النووية والصراع في أوكرانيا، في وقت يرى آخرون أن ذلك "محاولة لتحقيق مكاسب دبلوماسية واستراتيجية في سياق الحرب، وليس بالضرورة خطوة مرتبطة مباشرة بتطورات القتال في الميدان العسكري".

غير أن الواقع الموضوعي يشير إلى أن ما يطرحه بوتين مسألة تتعلق في حقيقة الأمر بالأسلحة الاستراتيجية النووية "البعيدة المدى"، وتحديداً بالحد من عدد الرؤوس النووية والقاذفات الاستراتيجية أو بمعنى آخر الصواريخ العابرة للقارات والقاذفات الثقيلة، وهي الأسلحة التي لا علاقة لها بالقتال الميداني في أوكرانيا، في الوقت الذي تعتمد المعارك القتالية على الأسلحة التقليدية، فضلاً عما قيل في وقت سابق باحتمالات استخدام الأسلحة النووية التكتيكية "القصيرة المدى"، وهي أسلحة لا تخضع لرقابة معاهدة "ستارت- 3".

 

على أن ذلك كله يمكن إغفاله لبعض الوقت، مع ضرورة مراعاة ما سبق وقاله بوتين حول احتمالات استخدام الأسلحة النووية في حال تعرض بلاده للأخطار المباشرة التي قد تهدد وجود الدولة الروسية، "فلا حاجة إلينا بعالم لا يضع في الاعتبار وجودنا"، وفق ما قال الرئيس الروسي.

مع ذلك يمكن القول إن بوتين يطرح مقترحاته حول مد فترة معاهدة "ستارت- 3" كمحاولة لدرء الاتهامات التي تتعالى حول ما تزعمه الدوائر الغربية في شأن رغبته بالتوسع و"التهام" أوكرانيا ومن بعدها جمهوريات البلطيق، مما يشكل خطراً مميتاً على القارة الأوروبية. كما أن هناك ما يشير إلى أن مثل هذه الاقتراحات تلقى قبولاً لدى بعض البلدان من داخل حلف شمال الأطلسي بوصفها "فرصة يجب اغتنامها لمنع سباق التسلح النووي". ويمكن أيضاً أن تكون سبيلاً إلى حوار قد تركز فيه روسيا على ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة في أوكرانيا تراعي في معظمها ما سبق وطرحه بوتين من شروط، أهمها عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، واعترافها بالأمر الواقع في ما يخص شبه جزيرة القرم والمقاطعات الأربع التي أعلن بوتين ضمها في سبتمبر (أيلول) 2022، إلى جانب ما طلبه بوتين من ضمانات أمنية بما يسمح لاحقاً برفع العقوبات المفروضة ضد روسيا وعودتها لسابق موقعها في صدارة الساحة الدولية.

شرط موسكو الوحيد

وإذ أعلن الرئيس الروسي أنه بانتهاء هذه المعاهدة لن يكون لدى موسكو وواشنطن أية وثائق ثنائية يمكن أن تحد من ترساناتهما النووية قانونياً، فقد كشف عن استعداد بلاده للامتثال لمعاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "ستارت- 3" بعد انتهاء صلاحيتها النهائية في الخامس من فبراير 2026، شريطة أن تتصرف الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الآخر في المعاهدة، "بطريقة مماثلة"، وألا تتخذ "خطوات تقوض أو تنتهك توازن إمكانات الردع القائمة". وأضاف أن الرفض الكامل لهذه الوثيقة سيكون "خطوة خاطئة وقصيرة النظر"، لذا "ولتجنب إثارة سباق تسلح استراتيجي جديد، ولضمان مستوى مقبول من القدرة على التنبؤ وضبط النفس، ترى موسكو أهمية الحفاظ على الوضع الراهن الذي أرسته معاهدة (ستارت- 3)".

وخلص الرئيس الروسي إلى أن موسكو وبعد الخامس من فبراير 2027، ستقرر ما إذا كانت ستحافظ على هذه "القيود الذاتية الطوعية"، فضلاً عما أعلنه حول أنه وجه الوزارات المعنية بمواصلة مراقبة امتثال الولايات المتحدة لمعاهدة "ستارت- 3"، وينبغي إيلاء اهتمام خاص لخططها في تطوير أنظمة مضادة للصواريخ الباليستية، بما في ذلك الصاروخ الذي تخطط واشنطن لنشره في الفضاء. وأشار بوتين إلى أن مثل هذه الإجراءات قد "تلغي جهود روسيا" للحفاظ على الوضع الراهن، وفي حال حدوث ذلك سترد موسكو "بما يتناسب" مع مثل هذا الموقف.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير