ملخص
أوضح محللون لـ "اندبندنت عربية" أن عمليات جني الأرباح المحدودة التي ظهرت في ختام تعاملات الأسبوع تعكس إعادة تقييم السوق للقفزة الأخيرة.
أنهت سوق الأسهم السعودية جلستها أمس على تراجع ملاحظ بعد موجة صعود استثنائية شهدها خلال الجلسة السابقة، والتي شهدت قفزة قوية مدفوعة بأنباء قوية عن اقتراب هيئة السوق المالية من إقرار تعديل جوهري، يهدف إلى رفع سقف ملكية الأجانب في الشركات المدرجة والذي يبلغ حالياً 49 في المئة.
وبحسب إحصاء أعدته "اندبندنت عربية" استناداً إلى بيانات السوق المالية السعودية، فإن المؤشر العام "تاسي" أنهى جلسة أمس الخميس متراجعاً واحداً في المئة ليغلق عند 11308 نقاط، فاقداً نحو 118 نقطة بتداول 15 مليار ريال (4 مليارات دولار).
ويأتي هذا بعد أن تخلى مؤشر السوق المالية "تاسي" عن مستوى 11660 نقطة بنهاية جلسة أمس الخميس، بعد أن سجل أعلى مستوى عند 11661 نقطة وأدنى مستوى عند 11185 نقطة، مقارنة بإغلاق أول من أمس الأربعاء.
وشهدت سوق الأسهم السعودية أول من أمس الأربعاء قفزة قوية، إذ ارتفع مؤشر السوق الرئيس "تاسي" عند الإغلاق بمقدار 550.03 نقطة بما يعادل أكثر من خمسة في المئة، وهي أعلى وتيرة صعود يومية خلال خمسة أعوام، ليصل إلى 11426 نقطة للمرة الأولى خلال أربعة أشهر، مدعوماً بمكاسب استثنائية لأسهم البنوك الكبرى.
وكانت الأنباء عن توجه الجهات التنظيمية للسماح للأجانب بزيادة ملكيتهم في الشركات المحلية دور أساس في دفع سوق الأسهم السعودية نحو تسجيل أفضل مكاسب أسبوعية منذ منتصف عام 2022، ويرتفع المؤشر العام بنسبة خمسة في المئة.
حصص غالبية
وكشف عضو مجلس هيئة السوق المالية عبدالعزيز حسن الثلاثاء الماضي أن الهيئة باتت قريبة من تخفيف القواعد التي تحد من ملكية الأجانب في الشركات المدرجة عند سقف 49 في المئة، بما يتيح لهم امتلاك حصص غالبية في هذه الشركات، موضحاً خلال مقابلة مع "بلومبيرغ" أن القرار قد يتخذ قبل نهاية العام، ولكن لم يحدد بعد النسبة التي سيسمح للمستثمر الأجنبي بتجاوزها فوق السقف الحالي البالغ 49 في المئة.
ومن المتوقع أن يسهم القرار في تعزيز وزن الأسهم السعودية على مؤشرات "أم أس سي آي" وجذب مزيد من الاستثمارات من قبل مديري الصناديق العالمية، إذ تقوم "أم أس سي أي" عادة بتقليص أوزان الشركات التي تخضع لقيود على الملكية.
تأثير عميق
وأوضح محللون لـ "اندبندنت عربية" أن عمليات جني الأرباح المحدودة التي ظهرت في ختام تعاملات الأسبوع تعكس إعادة تقييم السوق للقفزة الأخيرة، مشيرين إلى أن قرار رفع سقف ملكية الأجانب يعد محفزاً هيكلياً ذا تأثير عميق، وأثار تساؤلات حول قدرته على دفع المؤشر العام "تاسي" لتجاوز المستوى النفسي عند 12000 نقطة، مضيفين أن هذا التحول يخلق تحدياً مزدوجاً، فمن ناحية يوفر القرار دفعة نفسية قوية ويفتح الباب أمام تدفقات مالية كبيرة من الصناديق العالمية التي ستضطر لتعديل أوزانها لزيادة استثماراتها في السوق السعودية، ومؤكدين أن استدامة هذا الصعود تظل مرهونة بعوامل الاقتصاد الكلي، مثل أسعار النفط العالمية واتجاهات معدلات الفائدة، مثيرين تساؤلاً جوهرياً حول هل يكفي الزخم الناتج من تدفقات الأجانب لتثبيت المؤشر فوق 12000 نقطة أمام تحديات الاقتصاد الكلي؟
محرك رئيس
بدوره أكد المتخصص في أسواق الأسهم السعودية بسام العبيد أن أنباء رفع سقف ملكية الأجانب في سوق الأسهم السعودية تشكل محركاً رئيساً لتعزيز السيولة وتحفيز السوق في المرحلة الحالية، موضحاً أن السوق كانت في حاجة ماسة إلى مثل هذا القرار لإعادة تنشيطها، مشيراً إلى أن التأثير النفسي لهذا القرار تجلى سريعاً وانعكس إيجاباً بتجاوز السيولة مستوى 14 مليار ريال (3.73 مليار دولار) في يوم واحد، ومؤكداً أن هذا النبأ يعزز الثقة لدى المستثمرين المحليين والدوليين مما قد يدعم عودة المؤشر العام لتجاوز مستوى 12000 نقطة، مشدداً مع ذلك على أن استدامة هذا الصعود تعتمد على استمرار تدفق السيولة كعامل حاسم.
وأضاف العبيد أنه على رغم إيجابية الأساسات الاقتصادية المحلية على المدى الطويل والمدعومة بمعدلات نمو الناتج المحلي ومكررات ربحية جيدة، فإن عودة المؤشر لمستويات أعلى تتطلب تحسن أداء الشركات القيادية خلال الربعين الثالث والرابع من العام الحالي، ومؤكداً أن انتعاش أسعار النفط، خصوصاً عودة "خام برنت" فوق مستوى 75 دولاراً، يبقى العامل الأكثر تأثيراً في السوق المحلية، متفوقاً على أية مؤثرات أخرى.
وفي هذا السياق أشار العبيد إلى أن قرار رفع الملكية الأجنبية وعلى رغم تأثيره الإيجابي الفوري يثير بعض التحفظات، موضحاً أن ضعف السوق الحالي يعود لعوامل طبيعية أبرزها تراجع أسعار النفط، مشدداً على أن العودة الطبيعية للسوق لمسار صاعد من دون الاعتماد المفرط على رفع حصص الأجانب ستكون أكثر استدامة، ومضيفاً أن الاعتماد على مثل هذه القرارات قد يكون بمثابة حقن موقتة تحمل أخطاراً سلبية محتملة على المدى البعيد.
مستهدفات واعدة
بدوره أوضح عضو الاتحاد السعودي والدولي للمحللين الفنيين عبدالله الجبلي أن قرار السماح للمستثمر الأجنبي بالاستثمار في سوق الأسهم السعودية يسهم بصورة مباشرة في زيادة التدفق النقدي على السوق، مشيراً إلى أن كثيراً من المستثمرين، خصوصاً في بعض القطاعات الخدماتية، يرغبون في توسيع أعمالهم في السعودية، وأن امتلاك سلطة القرار والحصول على حصة غالبية في الشركات المدرجة يصب في هذا الجانب، ولافتاً إلى أن الأثر النفسي لهذا القرار ظهر أولاً خلال جلسة الأمس، إذ إن السوق لم ترتفع بهذه الطريقة منذ نحو خمسة أعوام، إضافة إلى أن أحجام السيولة تضاعفت بصورة كبيرة جداً.
وأضاف الجبلي أنه من الناحية الفنية يعد ثبات المؤشر أو اختراقه لمستوى 11 ألف نقطة إشارة أولية إيجابية، وذكر أنهم ينتظرون ما ستسفر عنه الجلسات المقبلة بدءاً من جلسة أمس الخميس، لمعرفة ما إذا كان المؤشر سيستقر فوق هذا المستوى أم سيجري كسره والعودة لما دونه من جديد، ومفيداً بأنه من الممكن أن تشهد أحجام السيولة ارتفاعاً تدرجياً، لكن ستجري المقارنة بين الفرصة والفرصة البديلة، والمقارنة بين سوق الأسهم السعودية وغيرها من الأسواق لمعرفة ما إذا كانت جاذبة ومستهدفاتها واعدة أم لا، متابعاً أنه بعد ذلك سيرون أثر السيولة في السوق خلال الأشهر المقبلة.
التقاط أنفاس
من جهته أوضح المحلل المالي والمحاضر في التمويل والاستثمار يوسف يوسف أن العوامل الاقتصادية الكلية هي المحرك الرئيس لأداء السوق، وبيّن أن سوق الأسهم السعودية كانت قد تجاوزت مستوى 12000 نقطة بدعم من هذه العوامل، لكن انخفاضات غير مبررة حدثت نتيجة ضغوط جيوسياسية أثرت في السيولة، ومضيفاً أن الأساسات الاقتصادية كانت تدعم الارتفاع، مما يعني أن الانخفاض كان نتيجة ظروف محيطة وليس ضعفاً في الأداء الاقتصادي.
وأشار يوسف إلى أن رفع سقف ملكية الأجانب سيعزز السيولة ويوسع قاعدة المستثمرين ويزيد عمق السوق، مما سيرفع نسبتها الصعودية في مؤشرات الأسواق الناشئة مثلMSCI، وبالتالي سيجذب مزيداً من التدفقات المالية، مؤكداً أن الصعود الحالي قد يكون مستداماً إذا جرى تنفيذ قرارات اقتصادية مهمة قبل تعديل أوزان السوق السعودية في المؤشرات العالمية، مما سيجلب سيولة أجنبية إضافية خلال الربع الأخير من العام الحالي، ومضيفاً أن تصحيحاً محدوداً للسوق قد يكون صحياً بعد ارتفاعها بمقدار 1000 نقطة خلال ست جلسات، متوقعاً أن يتراوح التصحيح ما بين 150 و200 نقطة كحد أقصى في جلسات الأحد المقبل، ليمنح السوق فرصة التقاط الأنفاس، وموضحاً أن السيولة المدعومة من المستثمرين المؤسسيين الأجانب، سواء أولئك الذين يحاكون المؤشرات أو المستثمرين النشطين الذين يبحثون عن فرص استثمارية في قطاعات محددة، ستدعم استقرار السوق وربما تطيل فترة الصعود، مؤكداً أن إدارة الشركات بصورة أفضل ستعزز فرص تحقيق أرباح، أكبر مما يدعم التفاؤل بمستقبل السوق.
ثلاثة احتمالات
وقالت المحللة في أكاديمية "كي ويلث" بالرياض مها سعيد إن أنباء رفع سقف ملكية الأجانب في سوق الأسهم السعودية أعطت دفعة قوية للسوق المالية السعودية، إذ زادت السيولة بصورة ملاحظة وقفز المؤشر بأكبر نسبة يومية منذ أعوام، موضحة أن هذا الزخم النفسي قد يدفع المؤشر لتجاوز مستوى 12000 نقطة على المدى القصير، لكن استمرار هذا الصعود يعتمد على تنفيذ القرار فعلياً من الشركات وعلى استقرار الاقتصاد الكلي، مثل نمو أرباح الشركات الكبرى وأسعار النفط.
وأضافت المحللة أن السوق قد تشهد ثلاثة احتمالات، أولها صعود مستمر إذا رفعت الشركات القيادية حدود الملكية تدريجاً مما يزيد أوزان السوق في مؤشرات عالمية مثل" MSCI" و"FTSE" ويجذب تدفقات أجنبية، مشيرة إلى أن الاحتمال الثاني هو قفزة موقتة تليها تصحيحات إذا تباطأ التنفيذ أو تأثر السوق بأسعار النفط أو عوامل اقتصادية أخرى، موضحة أن الاحتمال الثالث هو اختراق غير مستدام إذا ظهرت قيود تنظيمية تقلل من تأثير القرار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفتت مها سعيد إلى أن استدامة الصعود تعتمد على استمرار التداول بأحجام كبيرة وإعلانات الشركات عن رفع الحدود، مؤكدة أن السيولة ترتفع فوراً بسبب الحماسة والمضاربات على الشركات المستفيدة مثل البنوك، لكن تدفقات أكبر ستأتي تدريجياً مع تحديث أوزان السوق في المؤشرات العالمية، مستعرضة تجارب مشابهة مثل قطر عام 2021، إذ أدى رفع سقف الملكية إلى قفزة سريعة ثم تدفقات كبيرة، وفيتنام عام 2015 حين زاد الإصلاح من جاذبية السوق تدريجياً، موضحة أن تجاوز المؤشر 12 ألف نقطة والثبات فوقها يتطلبان إفصاحات واضحة من الشركات، وتحديثات من المؤشرات العالمية مع استمرار التداول القوي.
ونصحت مها المستثمرين بمراقبة الشركات الكبرى والبنوك وإدارة المراكز بحذر عبر وقف الخسارة أو البيع الجزئي عند الارتفاعات الكبيرة، محذرة من أخطار مثل بطء التنفيذ أو تقلبات أسعار النفط التي قد تؤثر في زخم السوق.
سيولة أكبر
وقال كبير محللي الأسواق في "XTB MENA" هاني أبو عاقلة، إن قرار رفع ملكية الأجانب في الشركات المدرجة جاء متوقعاً له أن يكون جاذباً للسيولة، مستشهداً بالتجربة المماثلة في الإمارات، ومشيراً إلى أن وجود شركات سعودية كبيرة وكثيرة في مؤشر"MSCI" سيجعل وزنها أكبر ويجذب إليها سيولة أكبر.
وأوضح أبو عاقلة أن السوق السعودية داخلياً عانت مشكلة في ثقة المستثمر المحلي الذي كان يفضل الأسواق الخارجية لوجود سيولة وحركة أكبر، ولا سيما أن كثيراً من الأسهم المحلية كانت تتحرك في نطاق عرضي وتستمر لفترة طويلة، مع تحركات بسيطة جداً لبعض الشركات الأخرى، مشيراً إلى أن الأسهم الكبيرة جداً تتطلب سيولة ضخمة للتحرك، مما يستدعي صناديق كبيرة وإستراتيجية تبحث عن عوائد، مثل الصناديق التي أصبحت تشكل أكثر من 40 في المئة من بورصة أو صناديق الإدارة في أميركا، ومضيفاً أنه في حال فتح هذا المجال في السعودية فيتوقع أن تزيد السيولة اليومية للتداول، وتضخ سيولة جديدة على هذه الشركات، مما يؤدي إلى تحرك جيد في الأسهم.
واعتبر أبو عاقلة أن هذا القرار سيكون إنعاشاً للسوق السعودية، ليس فقط لجهة الارتفاعات ولكن لتغيير ديناميكية السوق نفسها لتصبح أكثر نضوجاً، إذ كانت تعاني قلة السيولة وغياب للمستثمرين الناضجين أو الاستثماريين بصورة حقيقية، متوقعاً
أن يتبع القرار مزيد من القرارات من "هيئة السوق المالية" لتنشيط السوق السعودية التي أصبحت قيمتها تقارب 3 تريليونات دولار، وهي بذلك أحد أكبر الأسواق عالمياً وأكبر سوق في المنطقة، مؤكداً أنه كي تتجاوز هذه القيمة السوقية وتصل إلى 4 أو 5 تريليونات فإنه يجب أن تكون ناضجة، وهذا القرار هو أحد أساليب تحقيق هذا النضوج.