ملخص
هاجم الجيش السوداني مواقع قوات "الدعم السريع" بالفاشر بالمدفعية، وكثف غاراته الجوية في كردفان، وسط مخاوف من تعمق المأساة الإنسانية عبر تفش واسع للكوليرا.
دخل الصراع المحتدم بين الجيش و"القوات المشتركة" المساندة له من جانب، وقوات "الدعم السريع" من جانب آخر، للسيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مراحل متقدمة من التنازع على الهيمنة الميدانية هناك، وسط تأكيدات من الجانبين ببسط السيطرة على المدينة الحيوية، آخر عواصم ولايات دافور الخمس التي لا تزال بيد الجيش، عقب استيلاء "الدعم السريع" في العام الأول من الحرب (اندلعت في 15 أبريل/ نيسان 2023) على عواصم ولايات جنوب وشرق وغرب ووسط دارفور.
وقُتل 15 شخصاً على الأقل وجرح 12 آخرون "بعضهم في حالة حرجة" في قصف استهدف سوقاً في الفاشر أمس الثلاثاء، على ما أفاد مصدر طبي في مستشفى الفاشر وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأربعاء.
وقالت تنسيقية "لجان مقاومة الفاشر" في بيان "شنت ميليشيا (الدعم السريع) هجوماً بطائرة مسيرة استهدف سوقاً محلياً مكتظاً بالمدنيين في مدينة الفاشر ما أسفر عن سقوط أكثر من 27 بين قتيل وجريح".
"الدعم السريع" تعلن تقدم قواتها
وقالت "الدعم السريع" إنها تحرز تقدماً مطرداً في توغلها داخل المدينة. وبثت مقاطع مصورة على منصاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تظهر مجموعات من عناصرها وهم داخل منزل والي ولاية شمال دارفور بعد زعمها السيطرة عليه إلى جانب مقار السلاح الطبي وسلاح الإشارة وجهاز الاستخبارات والاستخبارات العسكرية، وحي القبة ومستشفى نور العيون. وأكدت تلك القوات أن المواجهات باتت الآن على مشارف مقر الفرقة السادسة مشاة للجيش بالمدينة، وأنها بدأت، أمس الثلاثاء، توجيه ضربات صاروخية عنيفة عبر طائراتها المسيرة على محيط المقر العسكري.
موقف "المشتركة" والجيش
في المقابل نفت "القوات المشتركة" أن تكون الميليشيات أحرزت أي تقدم حقيقي نحو مواقع الجيش، ووصفت ما تروج له "الدعم السريع" بأنه مجرد ادعاءات كاذبة، مؤكدة أن الجيش والفصائل المساندة له لا يزالون يحافظون على الجاهزية الكاملة لمواجهة أي تهديدات. وأضافت أن "كل محاولات الميليشيات للظهور بمظهر القوي مصيرها الفشل الذريع".
كما حذرت الفرقة السادسة للجيش، في موجزها الحربي اليومي، مواطني الفاشر من التعاطي مع مقاطع الفيديو التي تنشرها "الميليشيات الإرهابية"، وتدعو فيها السكان للخروج من المدينة بزعم فتح ممرات آمنة لهم، منبهة إلى أن "تلك الدعوات هدفها تعويض خسائر الميليشيات البشرية بعد الهزائم الميدانية المتتالية التي أفقدتها عدداً كبيراً من قادتها والعشرات من عناصرها.
وأوضحت مصادر عسكرية أن الجيش وحلفاءه شنوا، عصر أمس الثلاثاء، هجوماً بالمدفعية الثقيلة على دفاعات الميليشيات في محيط المدينة ومداخلها وكبدوها خسائر بشرية ومادية كبيرة، واستولوا على كمية من عتادها، فضلاً عن طردها من مواقع تقدمت نحوها في عمليات التسلل والتخفي، أبرزها مقر الاستخبارات العسكرية.
من جانبها لفتت "تنسيقية لجان المقاومة بالفاشر" إلى أن "الحرب أنهكت المدينة وأثقلت كاهلها بالمجازر والدمار والنزوح والتجويع"، وأن "الرهان على صمودها وحدها أمام هذا الوضع الإنساني الكارثي في وجه هذا الجبروت هو رهان خاسر ومجحف". وأكدت التنسيقية أن "التحرك العاجل لفك حصار الفاشر بالقوة أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، وأن منطق الواقع يفرض ذلك".
مخاوف جديدة
وفي ظل ما يواجهه سكان الفاشر من أوضاع غذائية وصحية مأسوية، وتوقف مصادر المياه العامة والخاصة، عبرت مصادر طبية عن مخاوفها من تفش واسع النطاق للكوليرا بالمدينة بعد ظهور إصابات مؤكدة هذا الأسبوع، خصوصاً في ظل انهيار النظام الصحي وانقطاع الخدمات الأساسية، واستمرار الحصار والاشتباكات والقصف المدفعي والمسير.
من جانبها أعلنت "المنسقية العامة للنازحين بدارفور" عن ارتفاع جديد في أعداد الإصابات التراكمية بالكوليرا إلى 13149 حالة، بينما قفزت الوفيات إلى 554 وفاة، مع تواصل تفشي الوباء بتسجيل 93 إصابة وثلاث وفيات جديدة أمس الثلاثاء.
أما في كردفان فيتابع سلاح الطيران التابع للجيش غاراته الجوية على مواقع ومناطق سيطرة "الدعم السريع" بالإقليم، حيث استهدف الثلاثاء متحركاً لـ"الدعم السريع" بمنطقة المزروب كان يستعد لمهاجمة مدينة بارا، محدثاً فيه خسائر بشرية ومادية كبيرة. كما قصفت مسيرة للجيش مواقع "الدعم السريع" بمناطق الخوي، حيدت ارتكازات متقدمة عدة في تلك المناطق. كما استهدفت مقاتلات الجيش تجمعاً لـ"الدعم السريع" في مدينة النهود بغرب كردفان يرجح أنه كان يضم قيادات ميدانية بارزة.
وكشفت مصادر ميدانية عن تحولات كبيرة مرتقبة في مسرح العمليات العسكرية في هذا المحور تزامناً مع وصول تعزيزات للجيش وحلفائه، تضم فرقاً من القوات الخاصة، استعداداً لتوجيه بعضها نحو محور دارفور، مما دفع بعض متحركات الميليشيات أيضاً لمحاولة تغيير مسارها نحو المحور نفسه.
مكافحة الضنك
صحياً، كشفت وزارة الصحة بولاية الخرطوم عن تسجيل 14012 إصابة بحمى الضنك وأربع وفيات منذ يناير (كانون الثاني) 2024 وحتى أمس الثلاثاء.
وأكدت الوزارة خلال استعراضها للتقرير الوبائي بمحليات الولاية السبع أن 90 في المئة من جهود مكافحة الناقل تعتمد على دور المجتمع داخل المنازل والأحياء السكنية.
وأوضح المدير العام المكلف للصحة بالولاية، أحمد البشير فضل الله، أن "الحرب وما خلفته من منازل مغلقة وإطارات مهملة أسهمت في زيادة توالد البعوض"، مشيراً إلى تنفيذ 980 عملية رش رذاذي و10 طلعات رش جوية بالطائرات، إضافة إلى الرش الضبابي بالمنازل ضمن الحملة المستمرة لمكافحة نواقل الأمراض. وأعلنت الوزارة، عن توفير العلاج مجاناً في عدد من المستشفيات المرجعية بمدن العاصمة الثلاث (أم درمان، الخرطوم والخرطوم بحري).
على نحو متصل كشف تقرير الترصد والمعلومات، بمركز عمليات الطوارئ الاتحادي، عن تسجيل 1194 إصابة جديدة بالكوليرا، في 13 من ولايات البلاد، من بينها خمس هي الأكثر تأثراً، وهي شمال دارفور وجنوب كردفان ووسط دارفور وشمال كردفان والنيل الأزرق، في حين سُجلت 2065 إصابة بحمى الضنك في خمس ولايات أخرى تتصدرها الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وكسلا والنيل الأزرق على التوالي.
وأشار التقرير إلى تدشين مبادرة "بالتجفيف الحمى بتقيف" بولاية الخرطوم وتخصيص يومي الثلاثاء والسبت من كل أسبوع، للإصحاح البيئي وتجفيف البرك وتجمعات المياه.
ولفت التقرير إلى التفاوت في وفرة أدوية ومستهلكات الوبائيات بمخازن صندوق الإمدادات بالولايات، وبخاصة محاليل الكوليرا وحمى الضنك.
بدوره ناشد والي الخرطوم المكلف أحمد عثمان حمزة، المواطنين الإسراع في العودة إلى منازلهم والمساهمة في حملات التنظيف وإعادة تأهيل الأحياء، مؤكداً استمرار حملة تجفيف البرك ومكافحة نواقل الأمراض حتى القضاء عليها، مناشداً المواطنين التفاعل مع الأجهزة المحلية وإتباع الإرشادات الصحية والوقائية للمكافحة.
تقاطعات عاصفة
سياسياً، تهدد التقاطعات الحادة بين القوى والتكتلات المدعوة إلى المشاركة في الاجتماعات التشاورية للقوى السياسية السودانية مصير تلك اللقاءات التي يرتب لها الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا في الفترة من 6 إلى 10 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وأوضحت مصادر في "التحالف المدني لقوى الثورة" (صمود)، أن التحالف تحفظ على مشاركة أطراف مصطفة مع طرفي الحرب في السودان وتراجع عن المشاركة في الاجتماع.
من جانبها وعقب لقائها بالاتحاد الأفريقي بأديس أبابا لبحث طبيعة وتفاصيل الدعوة إلى الاجتماعات، أعلنت مجموعة "أحزاب الكتلة الديمقراطية"، وقوى "الحراك الوطني"، وتحالف "سودان العدالة"، و"تنسيقية العودة لمنصة التأسيس"، و"المؤتمر الشعبي"، وتحالف منظمات المجتمع المدني، رفضها مشاركة ما يسمى حكومة "تأسيس" (تدعمها قوات الدعم السريع) في عملية الحوار.
وعدت المجموعة أن أجندة الاجتماع غير واضحة، ناهيك بالأطراف المشاركة ومصادر التمويل ودور الوسطاء، مشددة على ضرورة أن تكون "عملية الحوار السوداني - السوداني مملوكة وطنياً وبإرادة سودانية، ومن ثم تكون هي المسؤولة دون غيرها عن وضع الأجندة، وتحديد قضايا الحوار، ومنهجيته ومعايير اختيار المشاركين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"تأسيس" تستغرب
في المقابل، أبدت حكومة "تأسيس" (الموازية)، استغرابها اقتصار الدعوة على أطراف محددة، لا سيما ما سمته "قوى تحالف بورتسودان" المساند للجيش، المسؤول برأيها عن إشعال الحرب، معتبرة أن استبعادها من المشاورات يتعارض مع مبادئ الحياد والموضوعية ويقوض فرص إنجاح أي عملية سياسية.
وهاجمت حكومة "تأسيس" ما وصفته بالنهج المنحاز الذي يتبعه الاتحاد الأفريقي في التعامل مع الأزمة السودانية، مؤكدة أنها لا تعول على مشروع الاتحاد الأفريقي المزمع إطلاقه في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ولا تعتقد أن النهج الحالي الذي يتبعه الاتحاد سيفضي إلى سلام شامل ومستدام، أو يحقق الاستقرار السياسي بالسودان.
ودعت "تأسيس"، الاتحاد الأفريقي، إلى "مراجعة ترتيباته وضمان إشراك القوى الوطنية الديمقراطية المؤمنة بإنهاء الحرب، لتحقيق سلام شامل ومستدام يحقق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والتنمية"، منادية بضرورة "انطلاق أي عملية سياسية جادة من معالجة أسباب فشل اتفاقات السلام السابقة بما يضمن وقفاً نهائياً للحروب في البلاد".
تحذيرات أممية
أممياً حذرت منظمة الصحة العالمية، أمس الثلاثاء، من تزايد مستمر في حالات الكوليرا المبلغ عنها في إقليم دارفور بمعدل وفيات ينذر بالخطر، مبينة وفاة أكثر من 3 آلاف شخص في جميع أنحاء السودان بسبب الكوليرا خلال الأشهر الـ14 الماضية من الحرب. وأضافت المنظمة أن الإصابات البكتيرية التي تسببها الأغذية أو المياه الملوثة قد انتشر إلى جميع ولايات البلاد.
وأضحت نائبة ممثل المنظمة في السودان هالة خضري، أن المنظمة أطلقت حملة تطعيم تستهدف 406 آلاف شخص في ولاية شمال دارفور. وأضافت في مؤتمر صحافي في جنيف عبر الفيديو من مدينة بورتسودان، أن الحالات المبلغ عنها في دارفور في زيادة وسط قيود شديدة على الوصول تعوق للاستجابة. وتابعت إنه حتى الأحد الماضي، تم الإبلاغ عن نحو 12739 إصابة و358 وفاة في أكثر من نصف محليات دارفور، بينما تم الإبلاغ عن أكثر من 113600 حالة، وأكثر من 3 آلاف وفاة في جميع أنحاء البلاد، بنسبة وفيات وصلت إلى 2.7 في المئة، وهي أعلى بكثير من عتبة الهدف البالغة واحد في المئة.
"يونيسيف" تتعهد
وتعليقاً على مقتل 11 طفلاً جراء هجوم بالمسيرات على أحد مساجد مدينة الفاشر قبل أسبوع، استنكرت المديرة التنفيذية لمنظمة اليونيسيف، كاثرين راسل، أن يظل الأطفال يقتلون ويشوهون ويعانون الضغط العاطفي الشديد في نزاع لم يبدأوه وليس لهم فيه يد ولا سيطرة لهم عليه.
وأكدت راسل وقوف المنظمة مع أطفال الفاشر والسودان، مؤكدة أنها "لن تكل في المطالبة بحمايتهم وإعلاء أصواتهم حتى ينتهي هذا العنف". وطالبت جميع أطراف النزاع إنهاء هجماتهم والوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني، وضمان حماية الأطفال في جميع الأوقات.
وتابعت، "يعاني أطفال الفاشر منذ أكثر من 500 يوم من حصار لا يلين، تفرضه قوات 'الدعم السريع'، وبات الأطفال عالقين وسط العنف من دون أن يتمكنوا من الحصول إلا على نزر يسير من الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، ويضطرون إلى مشاهدة فظائع لا ينبغي أن يراها أي طفل".