Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المستشار" رواية تعيد تعريف الجريمة في النظام العالمي

الكوري إيم سونغ سون ينتهج سرداً عكسياً لفضح قبح العالم

الروائي الكوري الجنوبي إيم سونغ سون (صفحة الروائي - فيسبوك)

ملخص

على رغم انتمائها للأدب البوليسي، تجسد رواية "المستشار" للكاتب إيم سونغ سون، الصادرة أخيراً عن دار العربي – القاهرة بترجمة من الكورية أنجزتها بسمة شكرى، نوعاً من التمرد على القالب التقليدي لأدب الجريمة، إذ تجاوز كاتبها النزعة الحداثية التي تميز هذا النوع من الأدب.

يمنح الكاتب الكوري الجنوبي إيم سونغ سون قارئ روايته "المستشار"، ضمناً، وعوداً بالوصول إلى حل اللغز، واستعادة التوازن، وينسج عوالم بسمات ما بعد حداثية، تغيب عنها الحقيقة وتتوارى العدالة ويتبدد المعنى. وهو في هذا العمل الصادر بترجمة بسمة شكري عن الكورية (دار العربي – القاهرة 2025) ينطلق من حرمان المحقق من دوره التقليدي في تحريك الأحداث، بل إنه يقصيه تماماً عن العالم الروائي، ويمنح دور البطولة للجاني، الذي كان بمثابة العقل المدبر للجريمة. وهكذا تحولت الغاية الأسمى في النص من اكتشاف الجاني واستعادة النظام، إلى إتقان وبراعة التخطيط لجرائم قتل، تقرر لها أن تبدو دائماً كوفاة طبيعية، لينقل الكاتب صورة أكثر واقعية لعالم قبيح، لا ينتصر فيه الخير بالضرورة.

استهل الكاتب رحلته السردية باستعادة اغتيال تروتسكي على يد ستالين، وكذلك الموت الغامض لكيرت كوبين المغنى الرئيس لفرقة "نيرفانا" في تسعينيات القرن الماضي. ومهد عبر ملابسات كلتا القصتين للعبة سردية مقلوبة، لا يصطحب فيها القارئ للبحث عن القاتل، وإنما يدفعه للعيش في عقل الجاني، ومتابعة طريقة تخطيطه للجرائم، وبذا وضعه منذ اللحظات الأولى للسرد في ورطة أخلاقية، ومعضلة نفسية تجعله لا يدري إذا ما كان عليه أن يدين ذلك الجاني أم ينبهر ببراعته، أن يتعاطف معه أم يلعنه.

إعادة الهيكلة

عدا مساحات من الحوار، ورسالة منحت إحدى الشخصيات الثانوية "هيونغ كيونغ"، فرصة للبوح، والكشف عما يعتمل في طبقاتها النفسية الأعمق، هيمن ضمير المتكلم على السرد. واستأثر البطل/ الراوي بصوت الحكي، وانطلق الكاتب عبره في مخاطبة القارئ، لدفعه إلى التخلي عن التلقي السلبي، وإقحامه كشريك إيجابي في لعبة السرد: "إذا حدث وأحببت وظيفتي فستكون مديرتي هي أكبر الأسباب في ذلك، لكن المشكلة هي أنني لا أحب وظيفتي كثيراً بالمناسبة، أريد أن أسألك إن كنت تحب وظيفتك أم لا؟ أريد أن أذكرك أيضاً بأنني لا أختلف عن الآخرين كثيراً، لذلك أرجو ألا تنسى هذه الحقيقة حتى نهاية هذه الرواية"، ص 16.

وإضافة إلى ما لعبه البطل من دور محوري في التخطيط للجريمة وصناعتها، كانت الشركة التي يعمل لصالحها بمثابة شخصية محورية أخرى داخل النسيج، لا تقل أهمية عنه، إذ لم تكن مجرد خلفية أو مكان للعمل، فقد أنسنها الكاتب ومنحها سمات الغموض والقوة والحضور الشبحي الذي يتحكم في مصائر الشخوص كافة، فباتت عبر تعاطيها مع الموت بوصفه مشروعاً، واعتباره مجرد صورة من صور إعادة الهيكلة، معادلاً للشر الجمعي، ووجهاً رمزياً للرأسمالية المتوحشة.

روايات داخل رواية

كان إيهام الشركة للبطل باستخدامه في تأليف سلسلة من الروايات البوليسية وسيلة لبروز تقنية الرواية داخل رواية، فقد كتب البطل قصصاً، ظن في البداية أنها في طريقها للنشر، بينما كان أبطالها مثل المدير لي والمزارع وكاهن الكنيسة مستهدفين بالقتل، ولم يكتف الكاتب بالإشارة إلى تلك القصص، بل أفرد مساحة لسرد أجزاء منها داخل بنائه الروائي، وانتقل في سردها من أسلوب السرد الذاتي إلى استخدام الراوي العليم: "فك أزرار قميصه وأمسك ببطنه السمين ثم حقن نفسه.

شعر بألم مبرح، واقشعر جسده لا إرادياً بسبب ذلك الشعور البارد الذي سيطر عليه نتيجة اختراق الأنسولين بطنه. كان أمراً غريباً، فهو يحقن نفسه بهذه الطريقة دائماً، لكن هذه كانت أول مرة يشعر فيها بذلك"، ص 50. وكما كان الاشتباك مع الموت غاية رئيسة من حضور تقنية الرواية داخل رواية، كان هذا الاشتباك الغاية نفسها من حضور الميثولوجيا القديمة، عبر استدعاء أسطورة "كالي"، إلهة الموت في التراث الهندي، التي استخدمها أتباعها كذريعة للقتل، سعياً إلى المال، والأسطورة اليابانية حول امرأة الثلج القاتلة "يوكي أونا"، وأسطورة "سوكوبوس" في الفلكلور الأوروبي، وهي الشيطانة التي تغوي الرجال في أحلامهم، وتسحب طاقتهم حتى الموت.

وأسهم حضور الميثولوجيا في تحفيز مشاعر الرهبة العميقة لدى القارئ، ومنح القتل بعداً كونياً، يتسق مع فلسفة الكاتب التي مررها عبر السرد، وتعاطيه مع فكرة القتل باعتباره أكبر من فعل فردي، وإنما سلوك يرتبط في العادة بمنظومات كبرى، لها أيديولوجياتها الدينية والسياسية والاقتصادية، وهو ما عززه من خلال ما استدعاه من معارف وما طرحه من قضايا.

صناعة القتل   

وظف الكاتب خطابه المعرفي في تعزيز الصورة المؤسسية للموت، وإبراز دوافعه المختلفة، فمرر حمولات معرفية حول جماعة الحشاشين التي أسسها "حسن الصباح"، وولدت بها أول فرقة اغتيال سرية في العالم، وكان لجوؤها للقتل بدوافع وذرائع دينية، كذلك مرر معارف أخرى حول الكونغو، وثرواتها الطبيعية، ومعادنها، ولا سيما معدن الكولتان الذي تقبل الدول الكبرى على استيراده، لدخوله في صناعاتها التكنولوجية، مما أسهم في استمرار الحرب الأهلية، كما الحال في كثير من الدول الأفريقية الأخرى.

وخدمت هذه المعارف الفلسفة الجوهرية للنص، وأسهمت في إعادة تعريف الموت كصناعة كبرى وبنية ضمن نظام عالمي، تؤطرها أيديولوجيات دينية وسياسية واقتصادية. وإضافة إلى المعارف التاريخية والجغرافية التي ارتبطت جميعها بالموت، برزت بعض المعارف الطبية والعلمية التي اتسمت بالارتباط ذاته. وجاءت هذه المعارف كجزء أصيل من السرد استوجبتها الأحداث، وبررها الفضاء المكاني الذي امتد من كوريا إلى الكونغو، كما في المعارف حول حمى الضنك والحمى النزفية: "أنت مصاب بحمى الضنك وهي مرض استوائي ينقله البعوض، ويسببه فيروس الضنك، لكن هذا التغير المفاجئ علامة على إصابتك بالصدمة أو الحمى النزفية، عادة ما تسمى الحمى التي يتعافى منها الناس بسرعة باسم حمى فراش الموت"، ص 235.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

طرح سون كثيراً من القضايا التي تؤرق الواقع العالمي، على نحو يجسد في النهاية تكرار فعل القتل وفداحته، مثل توحش الرأسمالية حد إزهاق أرواح الفقراء، والاستعمار وجرائم الدول الكبرى في مستعمراتها، والبيروقراطية واستثمارها في الجريمة، وخطورة توفر المعلومات وتوظيفها في القتل، والمجاعات وتفاقم أعداد ضحاياها، وحوادث السير. وتطرق إلى قضايا اقتصادية واجتماعية أخرى، مثل البطالة والأزمات الاقتصادية وشيوع القيم الاستهلاكية وعبودية الفرد في النظام الرأسمالي وتسليع النساء: "كان هذا مكاناً تختار فيه الفتيات كأنهن سلعة معروضة في المتجر. غمرني شعور غريب عندما واجهت هذا الجانب المجهول من العالم للمرة الأولى، لم أستطع تخيل المبلغ الذي تتقاضاه تلك الفتاة ذات الجسد الممشوق"، ص 36.

انزياحات سردية

على رغم اهتمام الكاتب بطرح قضايا كبرى، ورؤى فلسفية ووجودية، فإن ذلك لم يعق نغمة التشويق، باعتبارها ملمحاً أصيلاً للسرد البوليسي، بل حرص على تعزيزها، عبر ما كسى به الأحداث من غموض واستباقات، وكذلك عبر الانزياحات السردية، فبينما مضت الأحداث في أحد مواضع السرد، في مسار يحيل إلى خيانة الشركة للراوي، ومنحها بياناته لأحد عملائها الذي أراد بدوره استخدامها لصالحه، يتبين بعد ذلك في سردية جديدة، أن الشركة لم تقم بتلك الخيانة، وأن حصول العميل على بيانات البطل، لم يكن سوى جزء من خطة للإيقاع بذلك العميل، للتخلص منه، وقد أسهمت مثل هذه الانزياحات في كسر التوقع ومفاجأة القارئ وزيادة جرعة التشويق في النص.     

وفرض استخدام أسلوب السرد الذاتي نوعاً من الجرأة والمكاشفة، التي انتهجها الراوي في اعترافاته، بكونه الضلع الرئيس في صناعة الجريمة، لكن الكاتب لم يغفل ما يقتضيه صوت الأنا من بعض التصالح مع الجريمة، ومن بروز بعض الحيل النفسية لدى البطل، التي تنوعت بين إنكار وتبرير وجلد للذات وشعور بالذنب. وأثمر هذا الوعي أشكالاً كثيرة من التناقض والمفارقات، سواء لدى الشخصية المحورية، أو لدى غيرها من الشخوص، فالمديرة التي تدفع بالبطل إلى التخطيط للجرائم، تداوم على ارتياد الكنيسة، ومندوب شركة التكنولوجيا الذي يستقيل رفضاً لإشعال الحرب الأهلية في الكونغو يدخل في عصابات تقتل الأبرياء، ومدير البنك الذي تسبب في مقتل كثر يتبرع مثلما فعل هتلر بالأموال للجمعيات الخيرية التي تحارب المجاعات.

وكان التناقض الذي اتسم به البطل مقدمة للصراع الذي اشتعل في عوالمه الداخلية، وانقسامه بين رغبة في التوقف عن التخطيط للقتل، ورغبة أخرى في مزيد من المال، بين محاولة إخفاء طبيعة عمله عن الفتاة التي أحبها "بي رين"، ورغبة في إخبارها، بين رغبة في عرض الزواج عليها وشعوره بضرورة الانسحاب، بين استجابته لأوامر الشركة بتدبير قتل "هيونغ كيونغ" وأسفه وتردده في قتلها نظراً إلى تاريخه معها. وجعل الكاتب من المونولوغ الداخلي نافذة شرعها على تلك الصراعات، كذلك وظف الحلم لتفسير جحيم يعتمل في دواخل البطل، وللتمهيد أيضاً لحادثة قاسية يتعرض لها في الكونغو. أما الصراع الخارجي فظهر في خلفية السرد، إذ كان دافعاً إلى كل ما خططت له الشركة من جرائم، وتنوعت صوره بين صراع على السلطة والنفوذ أو على المال، وأحالت صيرورته إلى قبح العالم واستمرار انتهاج القتل، رغبة في الهيمنة والسيطرة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة