Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آديل يون تروي مأساة الجدة التي رميت في المصحة العقلية

"اسمي الحقيقي هو إليزابيث" رواية أولى من الأكثر مبيعاً لجرأتها في كشف الظلم الذي يحل بالعجائز

إمرأة عجوز بريشة سيريل شارولليه (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

وصفت رواية "اسمي الحقيقي هو إليزابيث" للكاتبة الفرنسية آديل يون بـ"الظاهرة"، فهي حققت مبيعات بلغت نحو 70 ألف نسخة منذ صدورها في فبراير 2025. ولعل أكثر ما أثار استغراب القراء وفضولهم كونها الرواية الأولى للكاتبة.

من المعروف في مجال النشر الأدبي، وفي ظل المنافسة الشرسة بين الكتاب المعروفين، أن من النادر أن يحقق العمل الأول مثل هذا القدر من اهتمام الإعلام والنقاد، وأن تثبت كاتبة شابة اسمها في الوسط الثقافي منذ التجربة الأولى، خصوصاً بعد فوز آديل بأربع جوائز مهمة، مما زاد من جاذبية النص والاهتمام باقتنائه لمعرفة ما إذا كان هذا النجاح ضربة حظ أم خطة تسويقية جيدة أم أن الكاتبة الفرنسية نجحت فعلاً في الرهان على موضوع متفرد، يستقطب القراء للاطلاع عليه. ويتمثل هذا الموضوع في سيرة ذاتية روائية تروي معاناة جدتها في مصحة الأمراض العقلية ومخاوف الكاتبة من فكرة وراثتها جينات الجنون.

آديل يون تمنح جدتها اسمها من جديد

تروي الكاتبة الفرنسية الشابة أنها طوال حياتها عرفت جدتها باسم "بيتسي"، وكان اسم إليزابيث كما لو أنه ممنوع من الذكر في العائلة. وكل الصور المتوافرة للجدة كانت في بداية شبابها، قبل أن تشخص بمرض الفصام وتجرى لها جراحة فصل الفص الدماغي. تقول يون إن إليزابيث كانت تلك الجدة المهملة والمنبوذة والموصومة بالجنون، والتي يخاف الجميع أن يرث عنها المرض ويفقد عقله مثلها، حتى أضحت أشبه بشبح أو وحش مرعب، أو سيرة نحس يتجنبون إثارتها. يجسد غلاف الرواية بدقة هذا الواقع العائلي، بحيث يعرض صورة سيدة شاردة في همها وإلى يمينها شبح أبيض، وخلفهما مجموعة من إطارات الصور العائلية الملونة باستثناء إطار واحد يملؤه الفراغ الأبيض، في إشارة إلى غياب الجدة أو تغييبها وتبييض حضورها على نحو غامض.

في بداية الرواية تحكي آديل يون عن نفسها وعن علاقة عاطفية سامة تورطت بها، سببت لها أزمة نفسية إلى حد تفكيرها بأنها على وشك أن تفقد عقلها، تماماً كجدتها، فأصابها الهوس بأن دورها هو التالي: "هذا دوري، سأفقد عقلي وأنا واثقة من أن هذا سيحدث يوماً ما". وأثناء قلقها ومراقبتها للأعراض، فكرت بأن عليها أن تفهم ما الذي حدث لتلك المرأة، كي تتمكن من فهم ما يحدث معها. تبدأ رحلة البحث الحقيقية بعد انتحار عمها "جان لويس" حين تفقدت أغراضه بعد موته، وعثرت على صورة لجدتها لم ترها من قبل، صورة فظيعة قلبت كيانها. فقد رأت نظرتها الغائمة، ووعيها الغائب وعلامتين داكنتين على صدغيها، لتكتشف أن جدتها بيتسي، التي ولدت عام 1916 وتوفيت عام 1990 قبل ميلادها بأربع سنوات، كانت محتجزة في مصحة للأمراض العقلية مدة 17 عاماً، بعد تشخيص مريب وغير دقيق بالفصام حرمها من حريتها وعائلتها واسمها الحقيقي وحياتها الطبيعية. كانت تلك الصورة بداية للبحث في المراسلات القديمة وأرشيف المصحة العقلية، وحقيقة المرض من عدمه، وبداية مشوقة لرواية: "اسمي الحقيقي هو إليزابيث"، إذ أعادت آديل يون من خلال هذا العمل إلى جدتها اسمها واعتبارها وحقيقتها المفقودة.

تحقيق طبي يكشف عن ظلم المجتمع الأبوي

تكشف الرواية عن تحقيقات معمقة قامت بها آديل يون، لا تتبع فيها الملف الطبي لجدتها الراحلة فحسب، بل تبحث في تاريخ طب الأمراض العقلية في تلك الحقبة الزمنية بين عامي 1945 و1955، وما نتج منه من إجراءات خطرة كانت تمارس على المرضى، معظمهم من النساء. قادتها الشهادات والمقالات إلى أن ذلك النوع من الجراحات أجري غالباً على 85 في المئة من المريضات الإناث مقابل الذكور المرضى. وكانت المعايير الدالة على الشفاء غير موضوعية وغير علمية، إذ توصف المرأة المعافاة بأنها صارت امرأة حكيمة أو زوجة مطيعة وصالحة وغيرها من الصفات المرضية لذكور البيت، تعوض صفات أخرى مزعجة نسبت إلى مرض النفسي كالتمرد على قرارات الرجال.

مع التقدم في قراءة هذه القصة المأسوية لسيدة كانت ضحية لعائلتها ومجتمعها ومصحتها وزمن بأكمله عايشته، تتضح التفاصيل المرعبة التي مرت بها إليزابيث والمراحل المؤسفة التي قطعتها، بدءاً من العلاج بالصدمات الكهربائية والحجز القسري في المصحة إلى إخضاعها لعملية فصل الفص الجبهي، حتى فقدت عقلها بالكامل وما عادت تعرف من أو ماذا تكون. تنتمي إليزابيث إلى عائلة كاثوليكية برجوازية، وبعد زواجها من آندري وإنجابها لطفلها الأول، عانت اكتئاب حاد بعد الولادة فسر على أنه شيزوفرينيا كما لو كانت ملبوسة، وبدلاً من أن تتلقى الفهم والدعم اللذين تحتاج إليهما، دفعت إلى إنجاب طفل ثانٍ ظناً من زوجها أن ذلك سيحسن نفسيتها، وهكذا أنجبت إليزابيث ست ولادات متتابعة خلال سبع سنوات على رغم اعتلالها النفسي. وعندما أودعت المصحة للعلاج أجريت لها جراحة معقدة اسمها عملية فصل الفص الدماغي بإصرار من والدها وزوجها على رغم اعتراض أطباء عدة، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت إليزابيث في ذلك الوقت في حاجة فعلاً إلى تلك العملية للتعافي؟ خصوصاً بعد تأمل النتائج وتردي حالتها العقلية إلى الأسوأ.

تشرح الكاتبة آديل يون عملية فصل الفص الدماغي بالتفصيل، وهي جراحة يقوم فيها الجراح بفصل وصلات الفص الجبهي من الدماغ عن بقية أجزائه، بإدخال أدوات عبر ثقوب في الجمجمة لقطع الارتباطات العصبية. إجراء يمارس على مرضى الفصام والاكتئاب يوقف فعلاً السلوك العدواني والعنيف، لكنه قد يتسبب في فقدان الذاكرة وتغيير جذري في شخصية المريض كأن يفقد دوافعه الطبيعية للحياة، ويتحول باختصار إلى جثة تسير على قدمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من المفارقات التي قد يستغربها القارئ وهو يتعرف على هذه الجراحة عبر رواية "اسمي الحقيقي إليزابيث" أن هذه الجراحة التي تبدو له اليوم شنيعة وغير مجدية، كانت رائجة وشائعة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأن المصحات كانت تعج بالمرضى نتيجة مآسي الحرب، لذا بدت الجراحة ثورة جديدة في العلم وحلاً سحرياً لإسكات عشرات العقول المضطربة. حتى إن الطبيب البرتغالي أنطونيو إيجاس مونيز الذي اكتشفها ومارسها كعلاج، حاز جائزة نوبل، ولم تظهر الآثار السلوكية الجانبية إلا لاحقاً لتؤكد أن الهدوء لا يمكن تفسيره دائماً على أنه حال شفاء، فهو كثيراً ما يمثل حال موت افتراضي لمريض لا يزال حياً ويتنفس.

إشكالية تصنيف النص بين السرد والتحقيق

قد يصعب تصنيف كتاب "اسمي الحقيقي إليزابيث"، فبينما وصفه عديد من النقاد بالسيرة الروائية، عده آخرون بحثاً أكاديمياً أو حكاية ذاتية. فالنص نفسه يجمع بين البحث والتحقيق والسيرة الروائية، ويتسم بنفس سردي قوي وانحياز عاطفي لبعض الشخصيات في مواضع عديدة. ويقوم بناؤه السردي على حبكة وزمن ومكان محددين. في الوقت نفسه أدرجت آديل يون في العمل صوراً فوتوغرافية لغرفة في المصحة تعرض السرير الذي كانت تجرى عليه عمليات الفص الجبهي وشهادات الأطباء ومراسلات بين جديها، مما منح العمل طابع البحث والتحقيق بوضوح. أما أكثر ما قد يربك القارئ فهو تعدد الشخصيات من دون الإشارة إليها حتى بأسماء مستعارة، مما قد يدفع إلى التساؤل: من يخاطب من؟ ولعل العامل الأبرز في نجاح العمل هو قصة إليزابيث الغريبة نفسها أكثر من بنية النص التي اعتمدتها الكاتبة آديل يون.

بالعودة إلى المراسلات بين إليزابيث وزوجها، تكتشف الكاتبة جدتها من زاوية مغايرة، فترى صورة مختلفة عن التي وصفت لها. في تلك الرسائل، وهي تغوص في أفكار جدتها، لم تجد الحفيدة نفسها أمام امرأة مختلة ومضطربة ولكن أمام امرأة حساسة، شجاعة وذكية، تجيد التعبير عن أحاسيسها ومخاوفها وحاجاتها العاطفية. في النهاية جاء هذا العمل مثل تكريم لروحها وتخليد لذكراها واستعادة لصوتها وحقها المهضوم. وهذا أسمى ما في الأدب، أن يكتشف القراء حكايات شخصيات مجهولة ما كنا لنعرفها أو نسمع عنها لولا الأدب وجرأة الكاتب ومغامرته في نقل الحكاية حتى وهي تخترق خصوصية عائلته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة