ملخص
تفتقد بعض أرياف تونس اليوم إلى المرافق الأساسية من ماء وكهرباء وشبكات اتصالات، وهي ثلاثية الحد الأدنى للاستقرار التي يبحث عنها جيل اليوم، وبينما لم تعد القرية تسع أحلام هذا الجيل، غادر غالب سكان الأرياف من دون رجعة، من أجل رفاه أبنائهم.
عرفت المدارس بصخب تلاميذها ومرحهم في ساحاتها، لكن اليوم لم تعد بعض المدارس في تونس كما عهدناها في السابق، إذ خلت عشرات المدارس من التلاميذ في أرياف البلاد، وبات المشهد بداخلها صامتاً كئيباً، وجدران بعض المدارس باردة تعلوها طبقة من الرطوبة بلون رمادي، وأخرى بلا ماء وبلا دورات مياه، فهجرها التلاميذ، وبقيت مدارس أخرى تصارع من أجل البقاء بعدد قليل من التلاميذ لا يتجاوز أحياناً عدد أصابع اليد الواحدة.
في الواقع، ليست المدرسة وحدها التي باتت خالية من سكانها، فالقرية أيضاً، وهي امتداد للمدرسة، غادرها سكانها، وأكل الفراغ بيوتها القديمة، تلك هي حال عديد القرى في أعماق الخريطة التونسية، وبخاصة على الشريط الحدودي الغربي مع الجزائر.
تغيرات جذرية تطاول الخريطة المدرسية في أرياف تونس، عشرات المدارس أوصدت أبوابها، وعشش فيها الخراب، فتهالكت جدرانها، وفقدت نبض الحياة بداخلها، وأخرى تكابد من أجل البقاء، ويتقلص عدد تلاميذها كل سنة، فما القصة؟ وهل قدر تلك المدارس أن يأكلها النسيان ويعشش فيها الخراب؟
قدر المدرسة في الريف
تفتقد بعض أرياف تونس اليوم إلى المرافق الأساسية، من ماء وكهرباء وشبكات اتصالات، وهي ثلاثية الحد الأدنى للاستقرار التي يبحث عنها جيل اليوم، وبينما لم تعد القرية تسع أحلام هذا الجيل، غادر غالب سكان الأرياف من دون رجعة، من أجل رفاه أبنائهم.
مدارس الأمس المكتظة والصاخبة، بعضها اليوم ساحات خاوية خالية بلا حياة، فيها من أغلقت أبوابها تماماً، وبعضها الآخر يؤمه أقل من 10 تلاميذ، وفي المقابل، تتكاثر مدارس التعليم الخاص كل سنة، إذ أقرت وزارة التربية أن عدد المؤسسات التربوية الخاصة ارتفع هذا العام إلى 811 مؤسسة مقابل 774 العام الماضي.
وبينما وجدت الوزارة الحل في تجميع التلاميذ في مدرسة واحدة، وغلق مدارس أخرى، مع توفير النقل والإقامة للتلاميذ، إلا أنها حافظت على عدد من المدارس على قلة التلاميذ، من أجل سكان تلك القرية المتشبثين بأرضهم، والمتمسكين بدراسة أبنائهم في المدرسة القريبة، على غرار مدرسة "التعمير"، في جوف صحراء معتمدية حزوة، من محافظة توزر الحدودية مع الجزائر.
ويقول المدير الجهوي للتربية والتعليم بولاية توزر عادل العبيدي في تصريح لـ"اندبندنت عربية" إن "ولاية توزر تعد 50 مدرسة ابتدائية، يتوفر فيها الماء الصالح للشراب والكهرباء، ومدرسة التعمير لها رمزية خاصة، وعلى رغم قلة عدد تلاميذها البالغ ثمانية تلاميذ، فإنها مستمرة في البقاء، لتشبث السكان بمنطقتهم، ومن أجل المحافظة على حق التلاميذ في هذه المنطقة في التمدرس، وارتأينا أن نبقي التلاميذ في مدرستهم التي تعودوا عليها في صحراء توزر"، لافتاً إلى أن "المدرسة بها ثمانية تلاميذ وخمسة مدرسين، وسيتم تدعيمها قريباً بثلاثة معلمين، وحارس".
غلق عديد المدارس في سليانة والكاف
وشهدت ولاية سليانة ذروة ظاهرة غلق المدارس، حيث قررت الإدارة الجهوية للتربية في سبتمبر (أيلول) 2023 غلق ثلاث مدارس ابتدائية، وفي سنة 2024، اتخذت الوزارة قراراً بغلق مدرسة "سيدي منصور"، وهي الرابعة في سنتين، بسبب عدم تسجيل أي تلميذ.
وغير بعيد من محافظة سليانة، وفي محافظة الكاف (شمال غرب) وتحديداً في معتمدية السرس، أغلقت عديد المدارس في السنوات الأخيرة، ويؤكد محمد الهادي بن عز الدين مدير مدرسة متقاعد حديثاً، في تصريح خاص أنه "كان يشرف على مدرسة بئر حدي بين 2019 و2021، التي أغلقت أبوابها، وهجرها التلاميذ، وباتت خراباً، على رغم أنها تأسست في ستينيات القرن الماضي، وكانت تدرس أكثر من 240 تلميذاً".
ونظراً إلى العدد القليل من التلاميذ يتم التدريس وفق نظام الفرق، أي تجميع مستوى سنة أولى وسنة ثانية في القسم نفسه، وسنة ثالثة ورابعة، ثم سنوات الخامسة والسادسة، وهي طريقة يقول عنها المربي محمد الهادي "إنها منهكة للتلميذ والمدرس في الآن نفسه، حيث يعمل المربي على تقسيم الوقت بين الفريقين، ويسعى لإنصاف كل فريق لاختلاف المستويات".
ويضيف محدثنا أن مدرسة بئر حدي، وقبل أن تغلق أبوابها، كان بها خمسة تلاميذ في السنة الدراسية (2020 – 2021) موزعين بين ثلاثة تلاميذ سنة سادسة، وتلميذ سنة ثالثة، وتلميذ سنة أولى، علاوة على ثلاثة مدرسين ومدير وحارسين اثنين"، لافتاً إلى أن "هؤلاء التلاميذ الذين تم نقلهم إلى مدرسة أخرى بعيدة نسبياً من مقر سكناهم، يكابدون مشقة التنقل لعدم توفر وسائل النقل، وهو ما يحول دون تفوقهم واستكمال مشوارهم الدراسي".
وقبل أن تغلق مدرسة بئر حدي أبوابها، أغلقت مدرسة البخائرية منذ سنوات، وباتت إسطبلاً، وفضاء لتجميع أعلاف الحيوانات من قبل بعض سكان المنطقة.
ويستطرد محمد الهادي قائلاً بنبرة حزينة، "من المؤلم أن تتحول المدرسة من مكان يعج بالحياة إلى فضاء مهجور يسكنه الصمت والنسيان، بعدما فقدت المدرسة صخب التلاميذ داخل أسوارها"، مشيراً إلى المفارقة، حيث تكتظ المدارس بأكثر من 35 تلميذاً في مدرسة حي النور في وسط المدينة القريبة، بينما تضم بعض المدارس في الأرياف بين خمسة و10 تلاميذ فيما يتهدد الغلق قريباً مدرسة الملاحة التي بها اليوم 15 تلميذاً، ومدرسة التريشة التي بها 18 تلميذاً.
أكثر من 500 مدرسة بلا ماء
يذكر أن المدارس العمومية تمثل الغالبية الكبرى من عدد المدارس الابتدائية، وقد بلغ إجماليها نحو 4596 مدرسة فيما بلغ عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية هذه السنة، مليون و161 ألف تلميذ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعود ظاهرة نقص التلاميذ في أرياف تونس إلى نقص مواطن الشغل وانعدام التنمية علاوة على التغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع التعويل على الفلاحة، مما دفع سكان عدد من المناطق الريفية إلى التنقل إلى المدن الساحلية، أو مدن تونس الكبرى، علاوة على تهري البنية التحتية للمدرسة العمومية مقارنة بالمدارس الخاصة.
وكشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن وجود 524 مدرسة ابتدائية في تونس غير مرتبطة بشبكة الماء الصالح للشرب أي نحو 12 في المئة من العدد الإجمالي للمدارس في البلاد.
مدرسة مكلفة ولا تضمن تكافؤ الفرص
بُنيت المدرسة العمومية التونسية على سردية التعليم المجاني وتكافؤ الفرص وديمقراطية التعليم، إلا أن الواقع اليوم يلغي كل هذه المبادئ، لأن التعليم لم يعد مجانياً بكل ما في الكلمة من معنى، ولا يضمن تكافؤ الفرص.
ويؤكد المتخصص في الشأن التربوي ورئيس جمعية أولياء التلاميذ رضا الزهروني في تصريح خاص أن "المدرسة العمومية يجب أن تكون ضامنة لتكافؤ الفرص، ومجانية، أي إن التلميذ مهما كان مقر سكناه في منطقة بلدية أو منطقة ريفية، له الحظوظ نفسها في النجاح والتطلع إلى التفوق كغيره من تلاميذ المناطق الحضرية والساحلية".
ويشير المتخصص في الشأن التربوي إلى الكلفة العالية للتعليم من خلال تنامي ظاهرة الدروس الخصوصية التي يصل رقم معاملاتها إلى 3 مليارات دينار (نحو مليار دولار)، وهو ما يمثل تقريباً 40 في المئة من موازنة وزارة التربية.
ويلفت الزهروني إلى أن "نتائج الاختبارات الوطنية تعكس واقع خريطة الفقر في تونس، إذ تتذيل الولايات الداخلية والمناطق الحدودية المفقرة قائمة نسب النجاح في نتائج الباكالوريا، كما تعكس تلك النتائج أداء المدرسة التونسية، من خلال الهوة بين مؤشر النجاح ومؤشر الانقطاع المرتفع خاصة في الجهات الداخلية المحرومة مقارنة بالجهات الحضرية والساحلية، المحظوظة تنموياً".
ويدعو الزهروني إلى توفير "مدرسة منصفة، من خلال تركيز الجهود على دعم الجهات المفقرة، والعائلات المعوزة حتى تكون المدرسة رافعة اجتماعية للمنطقة، وليست منفرة لتدني جودة التعليم وتهري البنية التحتية، وهو ما يدفع السكان إلى الهجرة الداخلية والبحث عن ظروف أفضل لدراسة أبنائهم".
ويدعو المتحدث إلى التركيز على المرحلة الابتدائية، والتعاطي مع ظاهرة المدارس الخالية من التلاميذ بطريقة علمية ومن خلال قراءة ديموغرافية لواقع الجهات، وصياغة حلول جذرية لمعالجة الظاهرة، ولتثبيت السكان في مناطقهم، والقطع مع الحلول الترقيعية الظرفية، بخاصة أن نسبة التمدرس تراجعت بست نقاط، بعدما كانت في حدود 98 في المئة أصبحت 92 في المئة، إثر تنامي ظاهرة الانقطاع المدرسي، وارتفاع كلفة التعليم وتدهور القدرة الشرائية لعدد من العائلات التونسية".
في المقابل لم نتمكن من تحصيل رد أو معطيات بخصوص هذه الظاهرة من وزارة التربية، بينما تتجدد معاناة بعض التونسيين كل بداية سنة دراسية، مع تغير خريطة المدارس الابتدائية، التي لم تعد تتماشى والمتغيرات الديموغرافية التي يعرفها المجتمع التونسي.