ملخص
مع تصاعد حدة الاستقطاب السياسي داخل إسرائيل منذ عملية "طوفان الأقصى"، وبينما تحولت غزة إلى عنوان للمأساة اليومية في نشرات الأخبار، يطل علينا فيلم "نعم" للمخرج الإسرائيلي ناداف لابيد كموقف جمالي وأخلاقي صادم.
بعد عرض فيلم "نعم" في الدورة الأخيرة من مهرجان "كان" السينمائي، حيث احتفى به عدد من النقاد، ها هو يشق طريقه إلى الصالات الفرنسية، ومن المتوقع أن يثير سجالاً واسعاً. ذاك أن الفيلم ينتقد إسرائيل على نحو لم يسبق لفيلم إسرائيلي أن فعله، لابيد المخرج الإسرائيلي المعارض الذي غادر بلاده ليستقر في باريس، وبات يُعد "عدواً" لها، كان سبق أن فاز بـ"الدب الذهبي" في برلين، قبل ستة أعوام، عن "مرادفات"، فيلم استلهم تفاصيل من سيرته في صيغة درامية.
اليوم، يعود بفيلم لا يستعير أدوات الخطابة التقليدية بقدر ما يهدمها من الداخل، من خلال صيغة قصصية جريئة تنقض السردية الوطنية الإسرائيلية، بجرأة لا مثيل لها، وهذا كله من دون أن ينجز فيلماً موتوراً، فالمناكفة تحضر هنا بشروط فنية عالية.
كان من الممكن للفيلم أن ينافس على "السعفة" في الدورة الماضية من "كان"، وربما يخرج بجائزة كبرى، لولا تدخّلات سياسية حالت دون مشاركته في المسابقة، لينتهي به المطاف في قسم "أسبوعا صناع السينما"، وهو قسم غير تنافسي، مصادر عدة تحدّثت عن ضغط إسرائيلي لاستبعاد الفيلم من المسابقة، النقيضان حاربا الفيلم: إسرائيل وأعداء إسرائيل، إسرائيل يزعجها الفيلم لأسباب معروفة، ومنها اللهجة الشديدة التي ينتقد فيها لابيد الوطنية والانتماء، أما الجهة الثانية التي تجمع عرباً ويساريين ومتعاطفين مع القضية، فكان لهم موقف مبدئي من العمل حتى من دون مشاهدته، ففي نظرهم، مجرد فكرة وجود فيلم إسرائيلي مرفوضة من الأساس، فما بالك بعرضه في مهرجان.
أحداث تجاوزت المخيلة
كان لابيد في باريس عندما حدث ما حدث في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويستعد لتصوير فيلمه هذا، لكن المستجدات اضطرته إلى تحديث المشروع وتعديله، فكم من سينمائي يشعر أمام لحظة كهذه أن الأحداث تجاوزت مخيلته فبات خطابه من الماضي، والتحديث هنا ليس المقصود منه إقحام "طوفان الأقصى" في النص، إنما جعل العمل برمته مشبعاً به، على نحو لا يمكن أن يُشاهَد إلا في ظله.
من خلال عازف بيانو (أرييل برونز) وزوجته الراقصة (أفرات دور)، يقدّم الفيلم نموذجاً لطبقة إسرائيلية تنأى بنفسها عن الواقع، متمسكة بمظاهر حياة الرفاهية، بينما تتجاهل تماماً ما يدور من عنف ودمار على بُعد كيلومترات، غير أن الثنائي يجد نفسه فجأة في قلب أزمة أخلاقية، حين يُطلب منهما تأليف نشيد وطني جديد يشعل الحماسة القومية، على وقع مذابح تُرتكب في غزة.
هذه الفرضية السينمائية مستلهمة من واقعة حقيقية، حين أُطلقت أغنية تعبر عن الانتقام غداة السابع من أكتوبر، أدتها مجموعة أطفال، مما أثار جدلاً حتى داخل الأوساط الإسرائيلية، يلتقط لابيد هذه اللحظة، ويعيد تشكيلها كعرض بصري متكامل، يمزج فيه الموسيقى بالحركة والواقعية بالهذيان، من خلال هذه التركيبة يذهب أبعد من النقد السياسي، مفككاً الدور الذي يلعبه الفن في تكريس الأيديولوجيا الرسمية، ففي عالم الفيلم، كما في واقع إسرائيل اليوم، لا يعود الفن مساحة تساؤل، بقدر ما يتحوّل إلى أداة في آلة دعائية كبرى.
ليس جديداً على هذا المخرج مجابهة من هذا النوع، أعماله السابقة، منها "ركبة عهد"، كانت أيضاً محاولات جريئة لفضح الهاجس الهوياتي داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنه في "نعم" يخطو خطوة أبعد، عبر مساءلة فكرة الانتماء نفسها، ومن هنا يدخل في عمق وجود إسرائيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولعل ما يميّز "نعم" عن سائر الأفلام ذات البُعد السياسي هو أن الخطاب غير منطوق بل محسوس، نلتقطه من الأجواء المحيطة بالكادر السينمائي ومن المجال غير المرئي. الأفكار تنسج من خلال الجسد والإيماء والمفارقة، اللغة السينمائية هنا لا تقوم على الحوار بقدر ما تعتمد على الكوريغرافيا: أجساد تتحرّك بلا توقف لكنها في جوهرها مفرغة من الحياة، مشغولة بتفاصيل عبثية، فيما رسائل الموت القادم من غزة تتوالى على الهواتف. الواقع هنا أبعد ما يكون عن الدراما التقليدية، إنه استعراض مكثف لانهيار أخلاقي، ينجح لابيد في استخدام الجسد كأداة خطاب سياسي، الجسد هنا ليس بطلاً ولا ضحية، بل انعكاس لحالة إنسانية معطّلة.
من هنا تأتي الثنائية التي يبني عليها الفيلم: "نعم" و"لا"، ما عادتا مجرد إجابتين محتملتين بعدما أصبحتا خيارين وجوديين، أن تقول "نعم" يعني أن توافق على السردية السائدة، أن تنخرط في المشروع القومي بصيغته الحالية، أما "لا" فهي موقف سياسي وأخلاقي، حتى لو بدا خاسراً.
الفيلم جوبه بالرفض من داخل إسرائيل نفسها، كثير من الفنيين الإسرائيليين رفضوا العمل فيه، وبعض الممثلين انسحبوا بعدما وافقوا، شعر فريق الإنتاج بأنه يعمل تحت طائلة التهديد، في أوضاع تتغيّر بسرعة، أحد مشاهد الفيلم صُوِّرت قرب غزة، بينما كانت القذائف تتساقط في الخلفية، في موقع أصبح فجأة خط تماس، يقول لابيد إنه شعر بأن الواقع يتجاوز كل محاولة للتعبير، وإنه ينجز فيلماً من داخل عاصفة.
في النهاية، تأتي استثنائية "نعم" من هنا، وأيضاً من استعداده لطرح الأسئلة التي ترفض المؤسسة حتى مجرد التفكير فيها، هذا ليس فيلماً عن فلسطين، بقدر ما هو عن إسرائيل في مرآة فلسطين، عن هشاشة مجتمع يعيش إنكاراً فظيعاً، وعن العطب البنيوي في هوية تُبنى على هذا الإنكار.