ملخص
يشكل إطلاق صندوق استثماري لتمويل المؤسسات الناشئة والشباب المبتكر في أفريقيا، تجسيداً ملموساً للاهتمام الذي توليه الجزائر لدعم الابتكار وريادة الأعمال في القارة، ومبادرة استراتيجية تكرس دورها الرائد في المشهد الاقتصادي الأفريقي.
يبدو أن الجزائر باتت تولي أولوية خاصة إلى أفريقيا، بل انتقلت إلى السرعة القصوى في التعاطي مع مختلف القضايا التي تهم الأفارقة، بعدما أطلقت صندوق تمويل المؤسسات الناشئة والشباب المبتكر في القارة السمراء، بغرض تطوير الشباب والعمل على ترقية الابتكار، وهي الخطوة التي ترى الجزائر أنها ضرورية لتنمية حقيقية للقارة.
قرار وتنفيذ ميداني
وأوضح وزير اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة نور الدين واضح أنه سيتم الشروع في العمل مع 30 مؤسسة مشاركة في الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الأفريقية من أجل مرافقتها وتمويلها الصندوق، مما يعكس الجدية في الانتقال مباشرة من التصريحات إلى التنفيذ الميداني، مبرزاً أنه يجري التحضير لتنظيم المؤتمر الأفريقي للمؤسسات الناشئة خلال ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
ويعود القرار إلى الرئيس عبدالمجيد تبون الذي أكد التزامه تمكين الشباب الأفريقي المبتكر، معتبراً أن التنمية الحقيقية للقارة تمر عبر دعم المبادرات المحلية وتوفير أدوات النمو، وشدد على أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية الجزائر التي تراهن على اقتصاد المعرفة كمدخل رئيس لتغيير موازين التنمية في أفريقيا.
مزج بين الاقتصاد والدبلوماسية والتنمية
ويشكل إطلاق صندوق استثماري لتمويل المؤسسات الناشئة والشباب المبتكر في أفريقيا، تجسيداً ملموساً للاهتمام الذي توليه الجزائر لدعم الابتكار وريادة الأعمال في القارة، ومبادرة استراتيجية تكرس دورها الرائد في المشهد الاقتصادي الأفريقي، كما تبرهن الخطوة أن الجزائر تسعى إلى تجاوز الخطاب التقليدي حول التعاون جنوب - جنوب نحو ممارسة فعلية للقيادة القارية، مما يجعل استراتيجية خلق شبكات أفريقية متكاملة للابتكار، تؤدي إلى ترسيخ صورة الجزائر كقوة صاعدة تمزج بين الاقتصاد والدبلوماسية والتنمية في مشروع أفريقي مشترك.
واحتلت الجزائر المرتبة الثانية في ترتيب أكبر الدول الحاضنة للشركات الناشئة في أفريقيا بـ815 شركة ناشئة، وفقاً لمؤشر "ستارتاب رانكينغ"، بعد نيجيريا بـ817 شركة ناشئة، وقبل مصر التي حلت في المركز الثالث بـ614 شركة ناشئة، ثم جنوب أفريقيا بـ505 شركات ناشئة.
بنك وليس جمعية خيرية
في السياق رأى المتخصص في الشأن الاقتصادي سليمان ناصر أن "صندوقاً استثمارياً لتمويل المؤسسات الناشئة والشباب المبتكر في أفريقيا يكون قوي المردودية إذا أخذ صفة بنك وليس جمعية خيرية، أي ينشط بطريقة علمية، ويمنح قروضاً بنسب فوائد مقبولة، والإصرار على استعادة القروض، والتمسك بتحقيق أرباح"، مضيفاً أن الانتقائية والحذر في التعامل مع الدول مهم، "على اعتبار أن الجزائر لها تجارب مع بلدان أحسنت لها على شاكلة مسح الديون ولكن مع الأسف انقلبت وأصبحت تتآمر علينا". وشدد ناصر على ضرورة الاهتمام بالداخل كأولوية، لأن هناك مشكلات بطالة لدى الشباب وخريجي الجامعات، مشيراً إلى أن الخطوة تأتي في إطار الصداقة الجزائرية - الأفريقية، وختم أن من إيجابيات بلاده "عدم ربط المساعدات الاقتصادية بالمواقف السياسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مساعدة
من جانبه رأى رئيس الجمعية الوطنية للمستشارين الجبائيين بوبكر سلامي أن القرار يأتي في سياق المساعدة على اعتبار أن المؤسسات الناشئة في حاجة إلى إمكانات ودعم وهو ما لا تتوفر عليه دول أفريقيا، موضحاً أن صندوق تمويل المؤسسات الناشئة والشباب المبتكر سيدفع إلى تجاوز الخطوات الأولى والانطلاق في المشاريع بأريحية. وتابع سلامي أن خطوة الجزائر جيدة لتحريك الشباب الأفريقي نحو النجاح، مشيراً إلى أنه، مع مرور الوقت، تنسحب السلطات العمومية من هذه العملية وتفسح المجال أمام المؤسسات الحاضنة، وأبرز أن ما قامت به الجزائر يضاف إلى عدد من الامتيازات والإجراءات التي اتخذتها في وقت سابق لمصلحة دول أفريقية عدة.
قاطرة جديدة للنمو
وتعتبر المؤسسات الناشئة وسيلة مهمة لبناء نسيج اقتصادي متكامل، وعاملاً محفزاً لتشجيع الاستثمار وخلق الثروة، كذلك فإنها تسهم في تنويع الاقتصاد والخروج تدريجاً من التبعية، إلى جانب خلق القيمة المضافة وامتصاص البطالة وتحقيق الرفاهية الاجتماعية. ومع تنامي المشاريع الريادية في مختلف بلدان أفريقيا، برزت المؤسسات الناشئة كقاطرة جديدة للنمو، لما توفره من ابتكارات في مختلف المجالات تمكن من تسريع وتيرة التنمية وتعزيز التكامل الاقتصادي القاري، وعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لدى الحكومات والمستثمرين في القارة بأهمية الابتكار كأداة لمعالجة التحديات البنيوية، من الفجوة الرقمية إلى الأمن الغذائي، مما جعل الشركات الناشئة قوة صاعدة قادرة على إحداث تحولات عميقة في الاقتصاد الأفريقي.
تنافس صناديق الاستثمار
وباتت الساحة الاستثمارية في القارة الأفريقية تشهد تحولاً لافتاً في بوصلة التمويل، مع توجه متزايد من قبل صناديق الاستثمار الإقليمية والدولية نحو أسواق غرب أفريقيا، على حساب وجهات أخرى مثل السوق المحلية التي كثيراً ما كانت من أكثر البيئات جذباً للشركات الناشئة في المنطقة، ولا يأتي هذا التغيير من فراغ، بل يرتبط بحزمة من الحوافز والتطورات الهيكلية التي أطلقتها بعض دول غرب أفريقيا خلال الأعوام الأخيرة، وعلى رأسها كينيا ونيجيريا وغانا والسنغال، والتي عمدت إلى سن قوانين داعمة لريادة الأعمال، وتقديم إعفاءات ضريبية سخية، إلى جانب استقرار نسبي في العملات المحلية.
وانخفض إجمال التمويل، بما في ذلك الأسهم والديون، بنسبة سبعة في المئة على أساس سنوي من 3.5 مليار دولار عام 2023 إلى 3.2 مليار دولار عام 2024، كما شهد عدد الصفقات انخفاضاً طفيفاً باثنين في المئة، من 547 صفقة في 2023 إلى 534 صفقة في 2024.
وواجهت بيئة المشاريع الاستثمارية في أفريقيا انخفاضاً بـ22 في المئة في حجم الصفقات، و28 في المئة في قيمتها العام الماضي، نتيجة الانخفاض في الأسواق العالمية، لكن على الجانب الآخر شهد التمويل الاستثماري العالمي انتعاشاً متواضعاً بزيادة قدرها ستة في المئة في قيمة الصفقات، وعلى رغم هذه الانكماشات، أظهرت الشركات الناشئة الأفريقية قدرة تنافسية ملحوظة في مراحل التمويل اللاحقة.