ملخص
شهدت سوريا مؤخراً جريمتين صادمتين؛ اغتصاب فتاة في ريف حماة على يد مسلحين وسط انفلات أمني، وزفاف طفلين في ريف إدلب أثار جدلاً واسعاً حول الزواج المبكر. تعكس الحادثتان هشاشة المجتمع وخطورة غياب القوانين والتوعية على النساء والأطفال.
بين الدمعة والصدمة، عاش السوريون خلال الآونة الأخيرة حادثة اغتصاب مروعة بحق فتاة في العقد الثاني من عمرها وسط سوريا، ولكن سرعان ما انقلب الحزن والوجع الذي سكنهم إلى صدمة من هول مشاهد لحفل زفاف اثنين من الفتيان في الشمال، ومع القصتين المثيرتين للجدل يتكشف إلى أي حد يعيش المجتمع هشاشة اجتماعية.
وقعت حادثة اغتصاب مروعة لشابة على يد ثلاثة مسلحين في منطقة سلحب بريف حماة الغربي وسط سوريا، أثناء توجهها من قريتها حورات عمورين إلى معمل للحلويات في المنطقة، وبحسب الأهالي فقد اعترض المسلحون طريقها وأقدموا على تجريدها من ثيابها واغتصابها وتركها في الشارع، وصادف أن رأى عدد من رعاة الأغنام الضحية الغارقة بدمائها ودموعها فسارعوا إلى إلباسها والتواصل مع ذويها، وبحسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان" في لندن فإن شهادات الأهالي أكدت أن المغتصبين من أبناء قرية العشارنة.
ودان المرصد الحادثة ووصفها بالعمل الإجرامي مطالباً السلطات بفتح تحقيق شفاف وعاجل، ومحاسبة الفاعلين من دون أية مماطلة، "باعتبارها جريمة مروعة تهز الضمير الإنساني وتشكل تهديداً مباشراً لأمن المجتمع وسلامة النساء في المنطقة".
وإثر الحادثة تقدمت الفتاة ببلاغ للشرطة سردت فيه تفاصيل ما حصل معها أثناء توجهها للعمل، وقالت إن شابين تجاوزاها بنحو كيلومترين ثم عادا أدراجهما نحوها وأقدما على رش مادة يشتبه بأنها مخدرة، مما أدى إلى فقدانها الوعي، وقد عُرضت على لجنة طبية أكدت تعرضها لاعتداء.
وفي الأثناء تداول ناشطون تصريحات للقائد العسكري محمد الجاسم المعروف بـ "أبو عمشة" والذي يقود كتائب عسكرية تسمى بالـ "العمشات"، جرى دمجها مع الجيش الجديد بعد التحرير في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، وعد فيها بتقديم المجرمين إلى العدالة في حال العثور عليهم.
وأعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات تواصلها مع ذوي الطفلة روان للاطمئنان عليها، وحملت منهم رسالة تفيد بـ "ضرورة التوقف عن التحريض الطائفي وشيطنة الآخر، وتكاتف السوريين يداً بيد في وجه أي فعل إجرامي يهدد بناتنا وأهلنا"، مردفة عبر منشور على "فيسبوك" أن "المسألة ليست قضية شخصية بل قضية مجتمع بأكمله، وإذا استبيحت الأعراض بهذه الوحشية فلن تكون بناتنا بمأمن"، مؤكدة أنها تتابع القضية وباشرت على الفور التواصل مع وزارة الداخلية لمتابعة سير التحقيق، ومع وزارة الأوقاف لاتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه هذه الجريمة، وما تمثله من خطر على القيم والدين والمجتمع.
وفي المقابل دان المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا حادثة اغتصاب الفتاة مؤكداً أنها "ليست حادثة فردية بل حلقة من سلسلة انتهاكات ناتجة من انفلات أمني مقصود، أو تساهل وتواطؤ من السلطة أو ضغط على ذوي الضحايا"، محمّلاً في بيانه ما وصفه بـ "سلطة الأمر الواقع" كامل المسؤولية، وأكد أنه يعمل مع المنظمات الدولية والحقوقية لتوثيق الجرائم وإيصال صوت الضحايا، ولا سيما أن "تصاعد الانتهاكات يزيد الاحتقان المجتمعي".
ويرى المتخصص القانوني في محاكم الجنايات إسماعيل زكريا أن التعدد الجرمي في القانون يعرض جميع المعتدين للعقوبة، بحسب نص القانون، ولابد من الاطلاع على تفاصيل الحادثة، ولكن العقوبة بالمجمل في القانون السوري شددت عليها، ولكن تبقى تفاصيل الحادثة وإذا ما كان هناك إيلاج كفعل مناف للحشمة أو مقتصر على المداعبة، وكذلك فالعقوبة مرتبطة بالعمر إذا ما كانت الضحية تحت سن الـ15 سنة أو ما فوق، وبحسب المحامي زكريا فإنه "وفق المادة (493) فإن من أكره آخر بالعنف أو بالتهديد على تحمل أو إجراء فعل مناف للحشمة، عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن 12 عاماً".
زواج مع سبق الإصرار
وفي إجراء آخر فيه تعد على الطفولة، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصور لحفل زفاف طفلين سوريين بمباركة ذويهما، واحتفل أهل العريسين عمر (15 سنة) وناصر (16 سنة)، وهما أولاد عم، بالزواج من فتاتين في ريف إدلب شمال سوريا، وظهرا يُحملان على الأكتاف وهما يرقصان وسط تصفيق الحضور، مع صدمة المشاهدين حيال تزويجهما في هذا العمر الباكر.
وقد نال المقطع انتقاداً واسعاً، فاعتبرت الباحثة الاجتماعية عفاف سماقية أن ما حدث "ناتج من انعدام التوعية وغياب تنظيم الأسرة على الأرض، إذ كنا نشاهد سابقاً نشاطاً مكثفاً لمنظمات أو جمعيات متخصصة كانت تقدم ورشاً ومحاضرات توعية، فضلاً عن توزيع حبوب منع حمل وغيرها لتنظيم الأسرة، ولكن الثقافة المجتمعية اليوم غابت أو بات حضورها خجولاً للغاية، علاوة على ظاهرة التسرب التعليمي الواسعة"، مطالبة بضرورة عقد ندوات في مدارس التعليم الأساس موجهة للشبان والشابات عن أخطار الزواج الباكر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردفت سماقية أن "غلاء المهور أسهم في تأخر الشباب عن الزواج حتى بات أمراً شائعاً ومنتشراً، ولكن المسألة معكوسة في الأرياف حيث نلاحظ تفاوتاً في المهور بين المدينة والريف، فانخفاضه في الريف زاد من نسبة انتشار الزيجات الباكرة، فضلاً عن العادات والتقاليد التي تسمح بهذا الأمر وتشجعه، لكن انعكاساته الاجتماعية خطرة، ويمكن ملاحظة ذلك مع تزايد حالات الطلاق بسبب فشل هذه الشراكة الزوجية التي أسست عن عمر صغير".
وبالحديث عن النظرة القانونية قال المحامي زكريا إن "الدولة تدخلت في هذا الموضوع واشترطت إتمامه عن عمر 18 سنة للذكور والإناث"، ولكن القاضي الشرعي يأذن لفتى أو فتاة في عمر 15 سنة بالزواج بعد التأكد من سلامة جسديهما، وهنا لا يجرم القاضي لأن المانع الشرعي غير موجود، فسن التكليف مرتبط بالبلوغ".
وفي المقابل اعتبر أهالي القرية أن الزواج الباكر أمر شائع ويقي الشبان من الانحراف بعد بلوغهم، والأمر لا يستحق بحسب وصفهم كل هذا الضجيج، فدور العائلة النصح والإرشاد للعرسان، وهي بالنتيجة حرية شخصية، كما يصف أحد أبناء القرية الذي قال "من يستطع الزواج ولديه المقدرة، فما المانع من ذلك؟".
انفلات أمني
وفي شأن متصل تحدثت الباحثة الاجتماعية في مجال قضايا المرأة والطفل مريانا علي عن اغتصاب الطفلة روان على يد مسلحين، معتبرة أنها "نتيجة مأسوية مباشرة لحال الانفلات الأمني"، معتبرة أن غياب القانون وضعف مؤسسات الحماية يفتحان الباب أمام تفشي الجريمة ويزرعان الخوف وانعدام الثقة داخل المجتمع، ولا يقتصر أثر الاغتصاب في الضحية فقط بل يمتد ليصيب البنية الاجتماعية والأسرية والتربوية، حيث يعيش الأطفال في بيئة غير آمنة، وتصبح المدرسة والأسرة عاجزتين عن أداء دوريهما التربوي في ظل مناخ يسوده الرعب والعنف، مضيفة "كم من الطالبات في مناطق عدة تركن المدرسة والجامعة خوفاً من أي أذى قد يحدث؟".
وأردفت الباحثة أن "تعافي الطفلة روان النفسي يحتاج إلى رعاية خاصة طويلة الأمد، تبدأ بتوفير بيئة آمنة خالية من التهديدات، مروراً بدعم نفسي متواصل من متخصصين في علاج الصدمات، إضافة إلى رعاية من الأسرة والمجتمع لحمايتها من الوصم أو العزلة"، وزادت أنه "يجب إشراك منظمات الحماية والطفولة لتأمين برامج إعادة دمج ومتابعة تعليمها بطريقة تحفظ كرامتها، وتساعدها في استعادة الشعور بالثقة والقدرة على الاستمرار في حياتها".
وفي ما يخص زواج الأطفال في سن الـ 15، أكدت الناشطة الحقوقية أن هناك مسؤولية مشتركة بين المجتمع والأهل معاً، فالأهل يؤهلون أبناءهم للارتباط الباكر بدوافع اجتماعية، مثل تقاليد قديمة أو خوف من العنوسة بالنسبة إلى الفتيات، أو لتثبيت روابط عائلية ومصالح اقتصادية، وفي بعض الحالات يكون السبب غياب الوعي بخطورة هذا الارتباط الباكر على نمو الطفلين وتطورهما النفسي والتربوي، ومن جانب آخر يلعب المجتمع دوراً سلبياً حين يتساهل مع هذه العادة التي يعتبرها أمراً عادياً، بدلاً من وضع ضوابط قانونية وثقافية تحمي القاصرات والقاصرين"، مضيفة أن "انعكاساته الاجتماعية على الزوجين الصغيرين فهي شديدة الخطورة، إذ يدخل الطفلان في أدوار ومسؤوليات لا تتناسب وقدراتهما الجسدية والعاطفية والفكرية، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تفكك العلاقة الزوجية في وقت باكر أو مشكلات أسرية مستمرة، كما يحرم الطرفين حقاً أساساً في استكمال التعليم والنمو السليم".
وترى الباحثة أنه غالباً ما تكون الفتاة هي الأكثر تضرراً صحياً ونفسياً واجتماعياً بسبب الحمل والولادة، وتحمل أعباء المنزل باكراً، لذا "فمن الضروري أن يتحمل المجتمع مسؤوليته في التوعية، وأن يعمل الأهل على حماية مستقبل أبنائهم، لا على الزج بهم في تجارب تفوق أعمارهم وتضيع مستقبلهم".