Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاوف ديموغرافية تهدد المناطق الكردية بسوريا

لم تشهد رأس العين وتل أبيض عودة النازحين بعد سقوط الأسد وهناك أخبار متداولة عن حملة تركية لشراء بيوتهم وأراضيهم

أثار خبر محاولات شراء المنازل والأراضي غضب النازحين من سري كانيه (اندبندنت عربية)

ملخص

وقت يسعى السوريون النازحون والمهجرون للعودة إلى مناطقهم الأصلية بعد سقوط النظام السابق ما زال نحو مئتي ألف شخص من مناطق رأس العين وتل أبيض التي سيطرت عليهما تركيا عام 2019  محرومين من هذا السعي، إذ تجددت الآمال لديهم بعد اتفاق الرئيس السوري وقائد قوات سوريا الديمقراطية بفتح الطرق أمام عودتهم الآمنة لكنها لم تر النور حتى الآن، في حين سرت أخبار أخيراً عن نية شراء بيوتهم وأراضيهم من حملة منظمة ترعاها جهات تركية مما تثير مخاوف من تثبيت التغيير الديموغرافي الحاصل منذ العملية العسكرية التركية "نبع السلام" على هذه المنطقة.

شهدت سوريا خلال الأشهر الثمانية الماضية عودة للنازحين داخلياً وكذلك اللاجئين ويقدر عددهم بنحو 2.3 مليون شخص، وفق إحصاءات أممية، ومن بين هؤلاء 750 ألفاً من اللاجئين من دول الجوار، بينما البقية غالبيتهم كانوا نازحين إلى مناطق الشمال السوري والمناطق التي كانت تسيطر عليها الفصائل المدعومة من تركيا بما فيها منطقة ما تعرف بـ "نبع السلام" التي تشمل منطقتي سري كانيه (رأس العين) وتل أبيض.

ينتاب النازحون من هذه المنطقة، خصوصاً من أولئك الذين تركوا منازلهم في رأس العين وقراها وسكنوا مخيمات ومدن شمال شرقي سوريا، خوف من تغييرات ديموغرافية تطاول مناطقهم، ويقدر عددهم بنحو 200 ألف شخص خرجوا من المدينة وقراها في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 جراء العملية العسكرية التركية "نبع السلام"، حيث يرزح هؤلاء منذ هذا التاريخ وحتى اليوم في ظروف صعبة تثقل كاهلهم حياة الخيم والمنازل المستأجرة في ظل ظروف اقتصادية مزرية تمر بها عموم البلاد.

ولعل ما يلفت النظر في ظروف هؤلاء النازحين جراء العملية العسكرية التركية أن أملهم في العودة إلى مناطقهم الأصلية يكاد يكون معدوماً حالياً، مقارنة مع بقية السوريين الذين عادوا أو تمكنوا من زيارة مناطقهم التي هجروا منها جراء الأعمال العسكرية والاتفاقات الأمنية بين النظام السابق.

لا عودة حتى الآن

خلال الأشهر الفائتة تمكنت عشرات العائلات السورية التي دخلت هذه المنطقة جراء العملية العسكرية التركية من العودة من خلال طرق غير رسمية من الدخول إلى مناطق الإدارة الذاتية والتوجه نحو مناطقهم الأصلية في الداخل السوري كدمشق ودرعا وحماة وحمص وغيرها، وغالبيتهم كانوا من عائلات مقاتلي الفصائل العاملة في المنطقة، وكذلك نازحون مدنيون. وبحسب معلومات "اندبندنت عربية" لم تسجل حالات عودة عكسية للنازحين والذين هم السكان الأصليين إلى مناطق سري كانيه خلال الأشهر التالية لسقوط نظام الأسد حيث لا يتجاوز عدد الأكراد في هذه المدينة حالياً بضع عشرات من الأشخاص من أصل نحو 40 ألف شخص كردي كانوا سكان هذه المدينة ومثلهم تقريباً من العرب، إضافة إلى آلاف من الشيشان والسريان وغيرهم، في حين أن السكان الحاليين للمدينة وريفها لا يتجاوز عشرين ألف شخص غالبيتهم الساحقة.

أسباب عدم العودة

وتتمثل أسباب عدم العودة في عدة مستويات منها السياسية والأمنية والعسكرية وكذلك الاقتصادية، فالمنطقة التي سيطرت عليها تركيا مع الفصائل السورية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 تمتد نحو 120 كيلومتراً من غرب مدينة تل أبيض حتى الريف الشرقي لسري كانيه وبعمق نحو 30 كيلومتراً من الحدود التركية شمالاً وصولاً حتى الطريق الدولي (M4) جنوباً، وهي تعتبر منطقة عسكرية مغلقة كون تركيا لا تسمح بمرور السكان إلا نادراً وفقط تسمح لبعض الموظفين، وكذلك أنشأت فيها معابر خاصة لمرور عساكرها وآلياتهم والذين بدورهم أنشأوا عدداً من القواعد والنقاط بما فيها داخل المدن والقرى السورية، إلى جانب أن هذه المنطقة محدودة بسواتر ترابية مقابل مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجنوب وبمحاذاة الطريق الدولي.

خلال الجولات السابقة من المفاوضات واللقاءات بين وفود الإدارة الذاتية والحكومة السورية الموقتة وبناء على بند عودة النازحين وحرية التنقل الواردة في اتفاقية الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، إذ جرى التطرق لملف عودة النازحين الموجود لدى الطرفين والسماح لهم بالعودة إلى مناطق سكناهم الأصلية.

 

 

وعملياً جرت بعض الخطوات في منطقة عفرين حيث أفرغت العديد من المخيمات التي بنيت في المنطقة بدعم إسلامي وتركي، إضافة إلى مغادرة المهجرين من مناطق سيطرة النظام السابق للقرى بريف عفرين وكذلك المدينة في حين بقيت السلطات المحلية هي ذات القوى التي جاءت جراء العملية العسكرية التركية "غصن الزيتون" وأصبحت جزءاً من وزارة الدفاع السورية الجديدة، وكذلك قوى الأمن العام الحكومي المشكل حديثاً وهو ما أتاح للنازحين الكرد للعودة إلى مناطقهم بعفرين بأعداد لافتة في حين يتخوف الكثيرون منهم من الإقدام على العودة خوفاً من انتهاكات قد تطاولهم جراء عملهم في مؤسسات الإدارة الذاتية، إذ وثقت العديد من التقارير الحقوقية طلب أموال من أصحابها الأصليين من قبل النازحين الذين كانوا يسكنونها من المناطق الداخلية السورية، كما جرى توثيق دفع إتاوات وأموال من أصحابها الأصلاء مقابل إخلاء تلك المنازل التابعة لعفرين.

إلا أن هذه الأوضاع والتطورات السياسية لم تسعف النازحين من مناطق تل أبيض وسري كانيه بل اصطدمت بواقع سيطرة تركيا على المنطقة، وبحسب مسؤولين في الإدارة الذاتية أن ملف عودة هؤلاء النازحين ضمن أولويات مفاوضاتها مع دمشق لكنها تخضع لموافقة تركيا التي لم تسمح حتى الآن لحل هذا الملف.

كذلك فإن عدم استقرار المنطقة من الناحية الأمنية مع وجود مجموعات سكانية غريبة عن المنطقة يشكل مخاوف لدى النازحين من صدامات اجتماعية على خلفية الصراع في المنطقة في ظل عدم وجود تمثيل سياسي لأهالي المنطقة لا سيما وأنها تخلو من أي وجود سياسي كردي أو تمثيل حقيقي لهم في السلطات المحلية، إضافة إلى حوادث واشتباكات كانت تجري بكثافة في السنوات السابقة بين الفصائل المسيطرة والمدعومة من تركيا، إلى جانب وجود تركي عسكري وأمني داخل المدن وخارجها.

اقتصاد بائس

وخلال السنوات الماضية تدهور الوضع الاقتصادي في هذه المنطقة وبخاصة سري كانيه وريفها والتي كانت تشتهر بالمحاصيل الزراعية الاستراتيجية القمح والقطن والثروة الحيوانية، إضافة إلى غياب القوى العاملة سواء الزراعية أو الصناعية عن المنطقة وذلك الخبرات البشرية سواء الطبية أو الفنية والتقنية الأمر الذي أدى لهشاشة كبيرة في الوضع المعاشي، ناهيك عن ضعف حاد في الحركة التجارية التي تعتمد حالياً على معابر مع تركيا تقتصر على المواد الغذائية وأحياناً السيارات والآلات المستعملة، وكذلك بعض طرق التهريب مع مناطق الإدارة الذاتية، وكانت في السنوات السابقة مساراً للهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوربية عبر تركيا، الأمر الذي انعكس على ضعف حاد في القوة الشرائية للسكان المتبقين هناك وتوقف معظم النشاط الاقتصادي في المنطقة.

اجتماع سري

وأخيراً نشر موقع "نورث برس" السوري تفاصيل عقد اجتماع سري في أحد المقرات الرسمية في مدينة سري كانيه (رأس العين) بحضور تركي ومشاركة رجال أعمال مع وجهاء العشائر والمكونات المتبقية، وكذلك ممثلين عن الفئات السورية التي دخلت المنطقة مع العملية العسكرية التركية بداعي دفعهم لشراء منازل وأراضٍ زراعية تعود ملكيتها للنازحين عن المنطقة وغالبيتهم من الأكراد والمسيحيين على أن تتكفل الجهات التركية بدعم وتمويل هذه العملية مقابل إسناد ملكيتها لاحقاً لجهات وأشخاص قد تكون موالية لتركيا، وبحسب مصادر مطلعة من المدينة فإن الاجتماع فشل وسط قبول البعض من الحاضرين ورفض آخرين على الخطوة المقترحة من الوفد الزائر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مصادر أهلية أكدت أن العديد من النازحين أصحاب الأراضي الزراعية والمنازل تلقوا اتصالات من أشخاص ومعارف مقيمين حالياً داخل المدينة وعرضوا عليهم شراء عقارات في حال رغبوا وبأسعار مرتفعة مقارنة بالوضع الاقتصادي في المنطقة وشمل ذلك مساحات الأراضي المخصصة للسكن وشقق سكنية ومزارع في ريف المدينة.

"اندبندنت عربية" راسلت المجلس المحلي في رأس العين عبر وسائله المعلنة للتواصل بغية التعليق على الخبر وحيثياته والتأكيد أو نفي صحة الخبر، إلا أننا لم نتلق الجواب أو الرد على طلب التصريح حول الخبر المنشور والذي أثار بدوره حفيظة النازحين من سري كانيه إذ عبرت لجنة مهجري سري كانيه عن قلقها مما سماها "محاولات منظمة لشراء عقارات وأراضي المواطنين الكُرد المهجرين قسراً من مدينتهم وريفها"، وأضافت أنها تعتبر هذه الممارسات سياسة ممنهجة للتغيير الديموغرافي، مخالفة بشكل صارخ للقانون الدولي الإنساني، وللقواعد الآمرة في اتفاقيات جنيف، ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تحظر الاستيلاء على الأراضي أو تغيير التركيبة السكانية بالقوة أو عبر وسائل الضغط غير المشروعة وفق بيان اللجنة.

وأشار أصحاب البيان إلى أن أي عملية بيع أو شراء تتم في ظل ظروف الاحتلال والتهجير القسري، تعد باطلة قانوناً وعديمة الأثر، ولا يترتب عليها أي حقوق أو التزامات، مشددين على أن "أي طرف يسهم في هذه الممارسات، إنما يشارك بشكل مباشر في جريمة التغيير الديموغرافي التي تصنف كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية".

وبناءً على ذلك حذرت اللجنة الأهلية المعنية بشؤون نازحي سري كانيه من خطورة ما سمتها السياسات التي تستهدف حضارة وتاريخ الشعوب الأصلية وحقهم في العودة إلى ديارهم، مهيبة بالسكان من المهجرين "التمسك بأراضيهم وعدم الانجرار وراء أي محاولات للضغط أو الإغراء المادي لبيع عقاراتهم واراضيهم". ودعت السلطات في دمشق إلى "الالتزام بتنفيذ بنود اتفاقية 10 مارس بما فيها بند عودة المهجرين والنازحين لمدنهم وقراهم "ووقف هذه الممارسات والسياسات العدائية في المناطق المحتلة".

ومنذ سنوات سيطرة الإدارة الذاتية انتقلت المحاكم التي تشرف قضائياً على عمليات البيع القانوني من المدينة إلى مركز محافظة الحسكة وكذلك يتواجد فيه السجل العقاري الذي يضم المخططات التنظيمية والزراعية وعائدية ملكيتها للسكان بالأسماء والأرقام وطبيعة ملكيتها، إلا أنه ومنذ سقوط النظام توقفت تلك المؤسسات عن العمل في محافظة الحسكة التي كانت تتخذ مما كان يعرف بالمربع الأمني مركزاً لها.

من جهته طالب المحامي والحقوقي في المكتب القانوني للجنة مهجري سري كانيه جوان عيسو  من الحكومة السورية بتحمل مسؤولياتها الدستورية والقانونية ورفض وإبطال أي عمليات بيع أو شراء "في ظل الاحتلال أو من خلال الضغط على المهجرين" وإعلانها بشكل رسمي معاملات غير مشروعة بحكم القانون، وأن هذه العقود أو  البيوع التي تحدث أو تجري في هذه المناطق ليست لها أي أثر قانوني وهي معدومة وباطلة قانونياً وذلك عن طريق سن تشريعات واضحة ومؤقتة تحمي حقوق الملكية للمهاجرين قسراً وتمنع أي تصرف قانوني بأملاكهم إلى حين تأمين الظروف الملائمة للعودة الطوعية والآمنة، على حد تعبيره.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير