ملخص
يريد روبيو أن يعود لواشنطن حاملاً أجوبة واضحة من نتنياهو على أسئلة عدة بينها: ماذا يريد نتنياهو من حرب غزة؟ ماذا يخطط لليوم التالي؟ وكيف يمكن تحريك ملف الأسرى والتوصل إلى صفقة؟
خلال لقاءات نتنياهو - روبيو، سرب مطلعون على تفاصيلها أن نتنياهو وجد نفسه أمام قائمة من المطالب التي لا تنسجم مع المصلحة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بحرب غزة. ووفق هؤلاء، فإن تقدير واشنطن أنه حتى نهاية العام سينتهي مفعول ما سماه إسرائيليون "الائتمان السخي" الذي أعطاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحرب في غزة، وسيتعين على إسرائيل أن تكيف نفسها، لكن التخطيط الإسرائيلي لعملية "مركبات جدعون -2" لا يتوافق مع ما تريده واشنطن وطرحه روبيو أمام نتنياهو والمسؤولين الإسرائيليين.
ليس صدفة أن تكون الصورة الأولى التي روجت لها تل أبيب لوزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو خلال أولى ساعات زيارته إسرائيل، إلى جانب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، من حائط البراق في القدس. من هناك كان أول دعم أميركي كبير لإسرائيل سواء لمشاريعها الاستيطانية، أم لفرض السيادة على مناطق في الضفة الغربية.
نتنياهو أعرب عن ذلك عندما شدد في حديثه من أمام حائط البراق، أن زيارة روبيو بمثابة "شهادة على متانة وقوة التحالف الأميركي - الإسرائيلي، وهو ثابت وصلب مثل حجارة حائط ’المبكى‘ التي لمسناها الآن. تحت قيادة الرئيس ترمب والوزير روبيو وكل الطاقم، لم يكن هذا التحالف يوماً أقوى مما هو عليه".
الحرم القدسي الشريف، حيث حائط "البراق"، أو كما يسميه الإسرائيليون "حائط المبكى"، يشكل رمزاً قوياً للقضية الفلسطينية وأيضاً للدول العربية المجتمعة في قمة الدوحة ومن ثم في جمعية الأمم المتحدة المنطلقة أعمالها في الـ22 من الشهر الجاري، بكل ما يتعلق بمشروع إقامة الدولة الفلسطينية. وهو ما تخوض إسرائيل حملة واسعة لمواجهته، تروج من خلالها للمساندة الأميركية والتنسيق السياسي والاستراتيجي، الذي تجلى في الساعات الأولى لاجتماعات روبيو في إسرائيل. فبعد زيارته حائط "البراق" توجه روبيو إلى مدينة داوود في القدس، حيث شارك في أحد أهم المشاريع الاستيطانية، والموقع هو الآخر يحمل دلالات مهمة في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي بكل ما يتعلق بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وبحسب ناشطين فلسطينيين، فإن أي حديث عن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن يتجاهل القدس الشرقية عاصمة لها، لكن إسرائيل في اليوم الأول من زيارة روبيو عادت وأكدت أن "القدس ستبقى العاصمة الموحدة للدولة العبرية"، أي أنها لن تكون يوماً فلسطينية. كذلك اختلف الإسرائيليون في فهمهم لما كتبه روبيو في سجل الضيوف في حائط "البراق" (المبكى) في الأقصى: "ليشرق السلام على هذه الأرض المقدسة، وعلى العالم كله".
ماذا بعد؟
زيارة روبيو، وإن جاءت بتوقيتها الذي اتفق عليه منذ أكثر من شهرين، خصوصاً للمشاركة في مشروع استيطاني جديد، إلا أن محاولة اغتيال قيادة "حماس" في الدوحة والقمة العربية المنعقدة هناك، أعطتا هذه الزيارة طابعاً مختلفاً. الجانبان تطرقا إلى قضايا أخرى وفي مركزها، بحسب مسؤول إسرائيلي، غزة واليوم التالي للحرب. ووفق المسؤول نفسه، يريد روبيو أن يعود لواشنطن حاملاً أجوبة واضحة من نتنياهو على أسئلة عدة بينها: ماذا يريد نتنياهو من حرب غزة؟ ماذا يخطط لليوم التالي؟ وكيف يمكن تحريك ملف الأسرى والتوصل إلى صفقة؟
وبين هذه التساؤلات، يضيف هذا المسؤول، طرح ملف التسوية الأمنية مع لبنان وسوريا، بعد أن كشف عن أن نتنياهو أبلغ المبعوث الأميركي في الشرق الأوسط توم براك أن إسرائيل ترفض بالمطلق أي تراجع عن عملياتها في لبنان أو سحب تدريجي لقوات جيشها المنتشرة في المواقع الخمسة التي احتلتها. أما في سوريا، حيث تسعى واشنطن إلى عقد اجتماع على هامش اجتماع الأمم المتحدة بين نتنياهو ورئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، كخطوة نحو التقدم باتفاق أمني، أكثر من مسؤول إسرائيلي اعتبروا أن المفاوضات لم تنضج بعد للتوصل إلى اتفاق أمني قريب أو لقاء بين الشرع ونتنياهو، وأكد مطلع على سير المفاوضات الأخيرة أن إسرائيل ترفض التراجع والتسوية حول انتشار الجيش في جبل الشيخ والمنطقة العازلة في جنوب سوريا.
نتنياهو من جهته، وكما يتوقع مطلعون على اجتماعات عقدت في الأيام الأخيرة، سيبقي الصورة ضبابية، بل وسيركز على جانب يضمن فيه نقاطاً إضافية له، وهو حصوله على توضيح أميركي من روبيو "إلى أي مدى مستعدة الولايات المتحدة لمنح إسرائيل مساحة للتحرك في ردها على الاعترافات بدولة فلسطين، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة ضم الضفة الغربية".
خلال لقاءات نتنياهو - روبيو، سرب مطلعون على تفاصيلها أن نتنياهو وجد نفسه أمام قائمة من المطالب التي لا تنسجم مع المصلحة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بحرب غزة. ووفق هؤلاء، فإن تقدير واشنطن أنه حتى نهاية العام سينتهي مفعول ما سماه إسرائيليون "الائتمان السخي" الذي أعطاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحرب في غزة، وسيتعين على إسرائيل أن تكيف نفسها، لكن التخطيط الإسرائيلي لعملية "مركبات جدعون -2" لا يتوافق مع ما تريده واشنطن وطرحه روبيو أمام نتنياهو والمسؤولين الإسرائيليين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما بين الدوحة وغزة
نتنياهو، وعلى مدار سلسلة اجتماعات ومشاورات استبقت لقاءاته بروبيو، بحث سبل الرد الإسرائيلي على قرارات الدوحة ومن ثم في الأمم المتحدة، بما يتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. وقد أوضح أكثر من مسؤول أمني وسياسي أن استمرار نتنياهو في هذه السياسة وسلوك طرق متطرفة سينعكسان سلبياً وبصورة خطرة على وضع إسرائيل. ووصف مسؤول أمني في تصريح أمام وسائل إعلام إسرائيلية، وضع تل أبيب الإقليمي بعد عملية قطر بأنه "أسوأ مما كان عليه بعد اغتيال المبحوح"، (الموساد اغتال محمود المبحوح القيادي في عز الدين القسام في دبي عام 2010)، بل اعتبر هذا المسؤول أن إسرائيل تعرض أمنها القومي للخطر بعد هذه العملية، وباستمرار عملياتها في غزة.
وكشف عن أنه منذ بداية الحرب على غزة اتفق الإسرائيليون خلال اجتماعات مقلصة للكابينت، بمشاركة الأجهزة الأمنية، على خطتين لاغتيال قادة "حماس" في قطر، إحداهما برية بقيادة "الموساد"، وأطلق عليها اسم "قطار ليلي"، والثانية جوية. وعندما قرر نتنياهو ومعه وزير أمنه يسرائيل كاتس، تنفيذ العملية، عارض رئيس "الموساد" ديفيد برنياع الاغتيال، عندها ألغيت العملية البرية وبقيت الجوية فقط، وهي تلك التي جرى التداول حولها في اليوم الذي سبق الهجوم وحتى المصادقة عليها.
أما في غزة، وفيما كان نتنياهو وروبيو يبحثان ما تخطط له إسرائيل تجاه غزة، كانت أرتال المدرعات والوحدات العسكرية المعززة بجرافات D9 متوجهة نحو القطاع تنفيذاً لتعليمات المستوى السياسي، وتحديداً نتنياهو وكاتس، للاستعداد لمرحلة الذروة من هذه العملية، وهذا ما يعمق الخلاف داخل الغرف المغلقة بين المؤسستين السياسية والعسكرية حول العملية.
تحفظ على "عربات جدعون 2"
رئيس أركان الجيش إيال زامير، وبالتزامن مع وصول روبيو إلى إسرائيل، عرض أمام لجنة فرعية لشؤون الاستخبارات، وهي لجنة سرية منبثقة عن لجنة الخارجية والأمن، الخطط القتالية للمعركة المتوقع تنفيذها في غضون أيام في غزة.
وبحسب مصادر اطلعت على مضمون ما قاله رئيس الأركان، فإنه تحدث عن "انعدام يقين بالنسبة إلى اليوم التالي والمراحل التالية في القتال بعد مدينة غزة"، وانتقد نتنياهو قائلاً "رئيس الحكومة لا يقول لنا ما هي المرحلة التالية، نحن لا نعرف لما نستعد، إذا كانوا يريدون حكماً عسكرياً فليقولوا ذلك".
وحذر زامير من تداعيات العملية التي ستنفذ لاحتلال مدينة غزة، وذكر أخطاراً جوهرية في الخطة، التي بحسبه اختارها المستوى السياسي، بينها الخطر على الجنود والخطر على حياة الأسرى الإسرائيليين لدى "حماس" وأيضاً، بحسب مسؤول شارك في الاجتماع، أخطارها وتداعياتها على الشرعية الدولية.
زامير الذي أكد أن الجيش، على رغم الخلافات مع المستوى السياسي، سينفذ تعليماته. وأنهى حديثه بالقول "في نهاية الحملة في غزة، سيكون هناك تقدم نحو مخيمات الوسط، وهذا سيقود إلى حكم عسكري، لأن الجيش يكون عملياً قد سيطر على منطقة واسعة سيضطر إلى أخذ المسؤولية عنها، الأمر الذي يرفضه الجيش".
الشارع الإسرائيلي غير متفائل بزيارة روبيو، ولا يعتقد أنها قد تحمل أي جديد سواء بملف غزة أو تسوية الشمال تجاه لبنان وسوريا، ولكن التوقعات بأن يعود بضمانات لما سيحصل في المستقبل القريب، على رغم أن أكثر من مسؤول إسرائيلي أشار إلى أن تل أبيب حصلت على شبكة دعم أميركية لا يمكن الاستهانة بها، عشية بدء مرحلة تنفيذ احتلال مدينة غزة.