ملخص
أكد فندق ريتز-باريس في بيان "حزنه العميق إزاء الشهادات والاتهامات بالاعتداء"، مضيفاً أنه "على استعداد للتعاون الكامل مع السلطات القضائية". وأضاف أن "فرقنا لا تتسامح مع أية صورة من صور السلوك غير اللائق، والذي يعد انتهاكاً خطراً لمدونة قواعد السلوك الخاصة بنا". وعبر البيان "عن أعمق احترامنا للنساء اللاتي تحدثن علنا".
على رغم الصورة الباذخة التي أحاطت بمحمد الفايد من خلال متاجر هارودز في بريطانيا وفندق ريتز في باريس واليخوت الفاخرة، كان رجل الأعمال المصري في صلب شبكة انتهاكات مفترضة بحسب ما يقول محامو نساء يشبهنه بالأميركي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.
بدأت السلطات الفرنسية تحقيقاً يشمل رجل الأعمال المصري الراحل وشقيقه صلاح العام الماضي، وسط اتهامات بوجود شبكة واسعة للاتجار بالجنس والاعتداء الجنسي على الأراضي الفرنسية.
وقالت مساعدته الشخصية السابقة كريستينا سفينسون للشرطة الفرنسية عن فترة عملها التي دامت عامين داخل فندق ريتز، "في كل مرة كنت ألتقي فيها محمد الفايد كان يحاول الاعتداء علي"، وشهادتها ليست الوحيدة.
وظهرت الجرائم المفترضة لمحمد الفايد الذي توفي عام 2023 عن 94 سنة إلى العلن للمرة الأولى ضمن تحقيق أجرته شبكة "بي بي سي" خلال سبتمبر (أيلول) 2024. وفي هذا التحقيق، اتهمته عدة شابات كن يعملن في متجره الراقي هارودز بلندن بالاغتصاب والاعتداء الجنسي.
وأفادت الشرطة البريطانية وكالة الصحافة الفرنسية بأن 154 ضحية تقدمت حتى الآن ليقلن إن المالك السابق لنادي فولهام في الدوري الإنجليزي الممتاز اعتدى عليهن.
وشقيقه صلاح الذي توفي عام 2010 متهم أيضاً.
وبسبب استيائهن من التحقيق الذي تجريه شرطة العاصمة لندن في شأن جرائم يعتقد أنها استمرت أكثر من 35 عاماً، توجهت بعض الضحايا إلى فرنسا طلبا للعدالة.
متحدثةً للمرة الأولى عن محنتها، قالت ريتشل لو الموظفة السابقة لدى الفايد "في إنجلترا يتجاهلون الاتجار بالبشر، يريدون فقط أن يجعلوا الأمر يتعلق بالفايد وهارودز".
لكن التحقيق الفرنسي تجريه "وحدة متخصصة في مكافحة الاتجار بالبشر"، بحسب ما صرحت لوكالة الصحافة الفرنسية. وأضافت "نشعر بارتياح لأن قضايانا باتت تصنف فعلاً على أنها اتجار بالبشر".
"عوملن كقطع لحم"
كانت لو في الـ23 عندما أُرسلت إلى يخت صلاح فايد في الريفييرا الفرنسية. وبعد 31 عاماً، تمكنت من الإدلاء بشهادتها حول ما حدث هناك أمام محققين فرنسيين خلال الـ10 من فبراير (شباط) الجاري.
وقالت لو لوكالة الصحافة الفرنسية إنها لفتت انتباه محمد الفايد للمرة الأولى عام 1993 أثناء عملها في متجر هارودز، قبل أن تُدرج في برنامج تدريب إداري اشترط خضوعها لفحص طبي لدى طبيب في هارلي ستريت، قبل توظيفها في مكتب رئيس مجلس الإدارة صيف 1994.
تجاوز الفحص المعايير المعتادة، وتضمن فحصاً للحوض و"فحصاً دقيقاً للثدي"، إضافة إلى مسحة عنق الرحم واختبارات فيروس نقص المناعة البشرية.
وسلمت نتائج الفحص الذي اطلعت عليه الصحافة الفرنسية إلى هارودز ولم تبق سرية، وتضمنت تفاصيل عن حياتها الشخصية مثل انفصال والديها في صغرها وإقامة والدها داخل الولايات المتحدة ووفاة والدتها وجدتها.
وأشار الطبيب إلى أنها كانت تتناول حبوب منع الحمل، ولديها صديق وتتمتع بصحة "ممتازة".
وقالت المحامية الفرنسية إيفا جولي التي تمثل لو ومساعدة سابقة أخرى للفايد، إن الطبيب "زود المغتصب بمعلومات سرية لتسليحه بها".
وقالت كارولين جولي العضو في الفريق القانوني "هؤلاء الشابات عوملن كقطع لحم، وكانوا يريدون معرفة ما إذا كن صالحات للاستهلاك".
رُتبت عدة لقاءات بين لو وصلاح فايد داخل منزله في بارك لين بلندن، وقالت لو إنها تعرضت للتخدير بـ"مزيج من الكوكايين".
ثم عرضت على لو وظيفة مساعدة لصلاح في فرنسا وأُرسلت بطائرة خاصة. وقالت إنها رفضت مزيداً من المخدرات، "ولأنه لم يلح علي أكثر، ظننت أن الأمر على ما يرام". وأضافت "لم يكن لدى أي سبب لعدم الثقة بهذا الرجل، كانت هذه أول وظيفة لي بعد التخرج في الجامعة".
"لم أشعر بالأمان"
صادر الموظفون جواز سفرها أثناء رحلتها من مطار لوتون بلندن إلى يخته. وما إن وصلت، حتى وجدت أن "لا شيء" يشبه الوظيفة التي وافقت عليها. وقالت "ظننت أنني سأقوم بترتيب أوراق وتنظيم العمل المكتبي".
لكن "لم يكن هناك مكتب، ولا ساعات عمل منتظمة، ولا إجازات. كان يتوقع مني فقط أن أكون معه".
وتذكر لو ظهورها رفقة صلاح فايد ضمن حفلات عشاء حضرها مسنون أثرياء بصحبة "فتيات صغيرات وكثير من اللمس".
وعندما تمكنت من الاتصال بصديقها الذي كان يعمل في هارودز، فُصل من العمل.
وفي إحدى الليالي استيقظت لو لتجد صلاح في سريرها، قائلاً إنه يشعر بالوحدة، وفق قولها.
وشرحت "تمددت بلا حراك تقريباً، وبقيت طوال الليل مستيقظة ومرعوبة"، خشية أن تعد أية حركة منها دعوة له للمسها. وتابعت "لم أكن أعرف ماذا سيفعل بي، لم أشعر بالأمان".
ورأت شابات أخريات في محيط عائلة الفايد. وضمن رحلة إلى سان تروبيه التقت فتاة شعرها أحمر، ربما أصغر منها سناً، تستمتع بحمام شمس على يخت محمد الفايد الراسي قبالة دارته الفاخرة.
وأوضحت لو "بدأ محمد يدهن الفتاة بكريم، وكانت ترتدي ملابس سباحة، ثم راح يقبلها". وقالت "لا أتذكر أي شيء آخر" من ذلك اليوم، مضيفة "لذا لا أعرف إن كان هناك مخدرات، لا أستطيع الجزم إن كنت قد خُدرت خلال ذلك اليوم".
وما دفعها للفرار كان فكرة أن تبقى عالقة بمفردها مع صلاح بعدما اشترى زورقاً سريعاً بغرفة نوم واحدة. وقال لها "إنه سيأخذني في رحلة بحرية حول الساحل الإيطالي"، مضيفةً "كنت واثقة بأنني لو ذهبت على ذلك الزورق فلن تكون النتيجة جيدة".
وفي حالة من الذعر حجزت أول رحلة على متن الخطوط الجوية الفرنسية، واستجمعت شجاعتها لطلب جواز سفرها الذي تسلمته على رغم أن صلاح كان "غاضباً جداً". وبعد عودتها إلى المنزل، لم ترغب في تذكُّر ما حصل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وظلت لعقود تخشى أن تكون مقيدة بوثيقة تمنعها من الإفصاح عن معلومات معينة وقعتها أثناء مقابلة العمل، لكن سماعها ضحايا أخريات يتحدثن علناً ضد الفايد عام 2024، دفعها لإعادة التفكير في الأمر.
وتابعت "كيف لي أن أصمت؟ لا بد أن يكون هناك ثمن لما فعله الجناة، لأنه إذا أفلتوا من العقاب فإن ذلك سيشجع غيرهم". وقالت "إذا لم نتحدث نحن النساء، نصبح متواطئات في الاضطهاد الذي نتعرض له، لن يغير الرجال الأقوياء نظاماً يخدم مصالحهم".
"نمط منتظم"
على رغم وفاة محمد وصلاح فايد، تأمل النساء أن يتمكن المحققون من معرفة الجهة التي سهلت شبكة الاتجار بالبشر.
وقالت سفينسون مساعدة الفايد "لا توجد معلومة صغيرة، كل عنصر مفيد للتحقيق"، داعية الضحايا والشهود للتحدث مع الشرطة.
وصلت السويدية إلى فرنسا عام 1993، وعُينت عام 1998 مساعدة للفايد في فندق ريتز الذي كان يملكه آنذاك محمد الفايد، من طريق وكالة توظيف موقتة.
وكان من المقرر أن تساعد سفينسون، البالغة آنذاك 30 سنة، الفايد في إدارة شؤونه بعد وفاة نجله دودي مع الأميرة ديانا في حادثة سيارة في باريس.
وقالت إن الأسئلة التي وجهت إليها خلال المقابلة مع إدارة فندق ريتز "تركزت" على مظهرها وخلفيتها الشخصية، حتى إنها أشارت إلى أنها "نسخة طبق الأصل" من زوجة الفايد.
ثم أرسلها فندق ريتز إلى هارودز في لندن لإجراء مقابلة مع الفايد شخصياً، ورتب لها الإقامة داخل منزل فاخر يملكه رجل الأعمال الثري.
وشرحت "أحضرت سيرتي الذاتية لكنه لم يبدِ أي اهتمام بها، بل سألني أسئلة شخصية فقط".
تبع ذلك نمط منتظم من اللقاءات مع الفايد. وقالت سفينسون إنها تُركت في غرفة بمفردها لساعات من دون أية توجيهات، إلى أن وصل أخيراً، فيما تعرضت لاعتداء جنسي ومحاولة اغتصاب، وكان "يضحك" في تلك الأثناء.
وقالت سفينسون للشرطة "كنت آمل أن يدرك مع الوقت أنني لست مهتمة به، وأن يأخذني على محمل الجد". وأضافت "كنت أجنبية، لا عائلة لي ولا معارف في فرنسا، ولا أعرف شيئاً عن قانون العمل الفرنسي، ولا أحد أعتمد عليه مالياً إذا قدمت استقالتي".
وفي استرجاعها للأحداث قالت سفينسون إنها شعرت كأنها "سلعة فاخرة"، كان الفايد يريد امتلاكها "مثل دمية على رف".
ولد الفايد باسم محمد فايد داخل الإسكندرية، لكنه غير لاحقاً اسم عائلته إلى الفايد، بينما احتفظ شقيقه باسم العائلة الأصلي.
التحقيق في لندن "مستمر"
داخل فندق ريتز، تذكر سفينسون أن الموظفين حذروها من وجود "ميكروفونات وكاميرات في كل زاوية". وداخل فيلا في سان تروبيه، قالت إن مدبرة منزل اقترحت عليها أن تسد باب غرفة نومها ليلاً.
وأكد فندق ريتز-باريس لوكالة الصحافة الفرنسية ضمن بيان "حزنه العميق إزاء الشهادات والاتهامات بالاعتداء"، مضيفاً أنه "على استعداد للتعاون الكامل مع السلطات القضائية".
وأضاف أن "فرقنا لا تتسامح مع أية صورة من صور السلوك غير اللائق، والذي يعد انتهاكاً خطراً لمدونة قواعد السلوك الخاصة بنا". وعبر البيان "عن أعمق احترامنا للنساء اللاتي تحدثن علناً".
وقالت هارودز إنها "تدعم شجاعة جميع النساء في التحدث علناً. وتشير اتهاماتهن إلى مدى الإساءة التي ارتكبها محمد الفايد، وتثير مرة أخرى مزاعم خطرة ضد شقيقه صلاح فايد. وتشير الصورة التي ظهرت إلى أن هذا النمط من السلوك المسيء كان يحدث أينما وُجدا".
وأضافت أن أكثر من 180 ناجية حصلن على دعم واستشارات نفسية عبر مستشار مستقل، وحثَّ المتجر الناجيات على المطالبة بتعويض من خلال برنامج هارودز للتعويضات.
وقالت شرطة العاصمة لندن إن "تحقيقها في من يحتمل أن يكونوا سهلوا أو مكنوا محمد الفايد من ارتكاب جرائمه لا يزال مستمراً"، وحثت الضحايا على التقدم بشهاداتهن.
وأضافت "لقد تطورت طريقة عمل شرطة العاصمة بصورة كبيرة، وقامت فرقنا بتغيير طريقة تحقيقنا في جرائم الاغتصاب والجرائم الجنسية".
ويقول محامو المرأتين إن شهادتهما تساعد في رسم ملامح "نظام قوي" للاتجار بالبشر، يُشبه النظام الذي أنشأه إبستين خلال الفترة نفسها.
وقالت المحامية إيفا جولي القاضية السابقة وعضو البرلمان الأوروبي "كما كانت الحال مع إبستين، هناك استغلال محموم للشابات ونهج منظم لاستدراجهن مع آل الفايد". وأضافت "النمط هو نفسه، تُختار الشابات المستضعفات وتوفير وسائل النقل والإقامة والعزل والمال الذي يستخدم للترهيب أو الإفساد".
وكما هي الحال في قضية إبستين، فعلى رغم انقضاء مدة التقادم لا يزال بإمكان التحقيق في شأن آل الفايد أن يكشف الحقائق وتحديد ضحايا يمكنهن رفع دعاوى.
وقالت جولي "ما زلنا في بداية طريق كشف ملابسات القضية في فرنسا".