Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السؤال كيف وليس هل سيرد الخليج على إسرائيل"؟

قمة عربية- إسلامية في الدوحة قد تطفئ تعهدات ترمب وجولة وزير خارجيته غضبها  

نفوذ دول الخليج في الإقليم والعالم يعطي القمة الطارئة زخماً مضاعفاً(قنا)

ملخص

ترى باحثة بريطانية أن استهداف قطر قد يشكل "نقطة تحول تكشف عن أن النظام الإقليمي التقليدي يتفكك وأن سيادة الحلفاء قد يضحى بها باسم الأمن، ليبقى السؤال فقط كيف، وليس ما إذا كانت دول الخليج ستقاوم"؟

في أعقاب الضربة الإسرائيلية على قادة حركة "حماس" في قطر أخيراً التي أسفرت عن مقتل ستة أشخاص بمن في ذلك عنصر أمني قطري، أصبحت دول الخليج أمام تحدٍ استراتيجي يهدد سيادتها واستقرارها الإقليمي، سريعاً ما تردد صداه في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وكذلك الدوحة التي دعت إلى قمة عربية- إسلامية استثنائية، لتضييق فجوات الإفلات من العقاب الشائعة ضد حكومة إسرائيل.

 الضربة التي اعتبرتها قطر "إرهاب دولة"، لم تكُن مجرد انتهاك لأراضيها وحسب، بل كشفت عن حدود الضمانات الأمنية الأميركية، إذ تستضيف قطر قاعدة العديد الجوية، أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط. ومع دور الخليج البارز كقوة اقتصادية عالمية (تمتلك أكثر من 40 في المئة من احتياطات النفط العالمية) وسياسياً كوسيط في النزاعات العربية والإسلامية والدولية، فإن الرد ليس خياراً بل ضرورة للحفاظ على صدقيته الدولية.

وفي هذا السياق ترى القيادية في "تشاتام هاوس" سنام وكيل أن السؤال في ظل وضع الخليج المعقد والمرموق، هو "كيف، وليس هل يرد أم لا على إسرائيل"، بينما يتردد أسف غربي على أن تل أبيب سريعاً ما احتلت موقع إيران في تهديد الإقليم حليف الغرب عوضاً عن طهران، في مفارقة تعتقد بأنها تزيد من خيبة أمل خليجية ودولية إزاء الغارة الإسرائيلية.

لماذا نقطة تحول؟

وترجح ضمن مقالة نشرتها "ذا غارديان" البريطانية أن يدفع الهجوم الإسرائيلي على الدوحة قادة الخليج إلى "تعميق التعاون في ما بينهم، وتسريع مساعي تنويع الشراكات الخارجية مع قوى مثل الصين وتركيا، مع إعادة النظر في مسار التطبيع الملتبس مع إسرائيل. ففي وقت يسعون إلى تحقيق استقلالية استراتيجية أكبر وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، زادت الضربة من صعوبة موازنة العلاقات مع واشنطن وتل أبيب في ظل حساسيات الرأي العام المحلي"، مشيرة إلى أن الحادثة قد تشكل "نقطة تحول تكشف عن أن النظام الإقليمي التقليدي يتفكك وأن سيادة الحلفاء قد يضحى بها باسم الأمن، ليبقى السؤال فقط كيف، وليس ما إذا كانت دول الخليج ستقاوم"؟

ويعتمد الخليج على علاقته القوية مع واشنطن، لكن التقاعس الأميركي الأخير يدفع نحو تنويع الخيارات، مع التركيز على الردود السياسية والقانونية والاقتصادية بدلاً من العسكرية.

لكن المعلق سيمون تيسدال اعتبر أن "ترمب ليس رجلاً قوياً عندما يتعلق الأمر بروسيا أو إسرائيل. إذا لم تتحرك الديمقراطيات الأخرى، فالفوضى تنتظرنا"، في معرض التعويل على موقف واشنطن الذي ينتظره حلفاؤها إزاء الاعتداءات التي يتعرضون لها على المشهد الدولي، إن كان في الخليج أو أوروبا.

ملامح الرد

أظهرت دول الخليج تماسكاً نادراً في ردودها الأولية، مستفيدة من نفوذها في السياسة الدولية. وأبرز هذه الملامح هو القرار الساحق للجمعية العامة للأمم المتحدة أول من أول من أمس الجمعة الذي اعتمد "إعلان نيويورك" بدعم 142 دولة (10 معارضة فقط، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل)، ويدعو إلى خطوات ملموسة وملزمة زمنياً نحو "حل الدولتين"، بما في ذلك وقف إطلاق نار فوري في غزة وإطلاق الرهائن وإنهاء حكم "حماس" في القطاع لمصلحة السلطة الفلسطينية. وأسهمت دول الخليج، بخاصة السعودية وفرنسا كراعيتين للإعلان، في تجييش الدعم العالمي، مما عزل إسرائيل دولياً وأعاد إحياء "حل الدولتين".

كما تستضيف قطر قمة عربية- إسلامية طارئة اليوم الإثنين، سيمنحها حضور قادة دول الخليج البارزين زخماً كبيراً، إضافة إلى دول ذات نفوذ إقليمي وعسكري مثل تركيا وباكستان وإيران، لمناقشة مشروع قرار يدين الضربة كانتهاك لسيادة مجلس التعاون الخليجي، في خطوة تعكس قدرة الخليج الدبلوماسية داخل المنظمات الإقليمية والأممية، ولا سيما في منظمة التعاون الإسلامي (57 دولة) والجامعة العربية لتعزيز الضغط الجماعي.

ويساند الجهد الخليجي، ضغط أميركي تجلت ملامحه في زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو إلى إسرائيل اليوم الأحد، حيث نقل "أولويات أميركا" في النزاع، معبراً عن "قلق" الرئيس ترمب من الضربة التي "لا تخدم أهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل". ووصف روبيو الضربة بأنها "غير مقبولة"، مطالباً إسرائيل بكبح "تهورها"، مما يعكس توتراً نادراً بين واشنطن وتل أبيب، مدفوعاً بضغوط خليجية للحفاظ على الشراكة الأمنية.

ورأى المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري خلال مقابلة صحافية مع "ذا هيل" موجهة إلى الجمهور الأميركي أن الهجوم الذي تعرضت له بلاده "حدث خلف ظهر الولايات المتحدة، فإذا كانت أولويتك هي الأمن القومي للولايات المتحدة والسياسة الخارجية الأميركية والمكانة الدولية للولايات المتحدة، فيجب أن تتساءل عندما يقوم حلفاؤك بأشياء خلف ظهرك ويهاجمون دولاً ذات سيادة، حيث تعمل قواتك وشعبك وأكثر من 10 آلاف رجل وامرأة في الخدمة العسكرية".

الرد السياسي أكثر إحراجاً لإسرائيل

وتصور مجموعة من الخبراء التابعين لمركز "كارنيغي" للأبحاث الخيارات الخليجية والعربية مقيدة إذا ما جاء العدوان من إسرائيل، بالنظر إلى ارتهانها بالتحالف مع واشنطن، لكن الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد يشدد على أن أي رد من النوع الذي يستهوي "دعاة الحرب" لن نراه في المنطقة، فعلاوة على التفوق العسكري الإسرائيلي، هناك حقيقة هي أن "إسرائيل تفضل المعارك العسكرية، وتخشى من المواجهات السياسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الواقعية تفرض، كما يقول الراشد في مقالة نشرتها "الشرق الأوسط" اللندنية، أن ندرك أن الدول العربية المرتبطة بإسرائيل "لن تقطع علاقاتها، وتلك التي تستضيف قواعد أميركية لن تغلقها، كما أن مصر لن تنسحب من اتفاق الغاز وأبو مازن لن يترك السلطة"، فهذه أثمان سياسية باهظة من دون مقابل مضمون.

والخيار الأكثر جدوى، برأيه، يتمثل في دعم الحراك الدبلوماسي المتنامي، خصوصاً مع جلسات الأمم المتحدة المقبلة حول "حل الدولتين" والحشد الدولي خلف المشروع السعودي الذي "سيجعل الدولة الفلسطينية كياناً قانونياً موجوداً وإن رفضته إسرائيل".

 ويضيف أن "تضافر الجهود نحو الحل السلمي هو أقوى تأثيراً من تحالف دعاة القتال. تاريخياً، وبخلاف هرطقات محللي دعاة الحرب، للخطوات الدبلوماسية ذات المشاريع السلمية نتائج ملموسة على الأرض".

منظومة الرد الفاعلة

ويركز الخليج على أدوات غير عسكرية تستفيد من قوته الاقتصادية والدبلوماسية. فسياسياً، يمكن تعزيز التعاون الخليجي عبر مجلس التعاون الخليجي لصياغة موقف موحد، بما في ذلك دعم الاعتراف الدولي بدولة فلسطين (كما في قمة الرياض- باريس في 22 سبتمبر- أيلول 2025)، وتشجيع دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا على الاعتراف الرسمي. كما يفكر في تجميد "اتفاقات أبراهام" موقتاً، كما فعلت الإمارات بإعلان أن سياسات الضم الإسرائيلية تنتهك الاتفاقات، ودعم مصر والأردن في تجميد اتفاقات السلام.

وقانونياً، شكلت قطر فريقاً قانونياً لمتابعة الشكوى أمام مجلس الأمن الدولي، مطالبة بعقوبات على إسرائيل لانتهاك ميثاق الأمم المتحدة. ويمكن للخليج دعم قضايا في محكمة العدل الدولية مثل إدانة الضربة كعدوان دولي، وتعزيز حملات في منظمة "يونيسكو" لعزل إسرائيل ثقافياً وأكاديمياً، مستفيداً من نفوذه في المنظمات الإسلامية لفرض قرارات غير ملزمة لكن مؤثرة.

واقتصادياً، يمتلك الخليج أدوات قوية مثل صناديق الثروة السيادية التي يمكن استخدامها لسحب الاستثمارات من الشركات الإسرائيلية أو الأميركية المرتبطة بها. كما قد يفكر في تعزيز الشراكات مع الصين وروسيا لتنويع الاستثمارات، مما يضغط على إسرائيل بصورة غير مباشرة عبر تقليل الاعتماد على الاقتصاد الغربي. وهذه الخيارات تسمح بكلفة منخفضة نسبياً مع تأثير عالٍ، وسط الحفاظ على العلاقات مع واشنطن.

ومع استبعاد خيار الرد العسكري لأسباب متعددة تتعلق بالتوازن الاستراتيجي والاعتماد على الولايات المتحدة، والتعارض مع دور الخليج كقوة اقتصاد وتنمية ووسيط سلام الذي منحه نفوذاً في توسع مطّرد حول العالم، فإن أصواتاً خليجية وعربية بدأت تقترح تشكيل قوة عربية لكبح التدخلات الإسرائيلية، وفقاً لما قيل إنه مقترح مصري يستبق أي تطور يمكن أن تبادر به إسرائيل لتهجير الفلسطينيين قسراً نحو أراضيها.

اقتراح القوة العربية

وعلق رئيس المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد على هذا الصوت على "إكس" بتحميل منافسيه في الحكومة المسؤولية، قائلاً " التقرير حول اقتراح مصر إنشاء قوة عربية مشتركة لمواجهة الهجمات الإسرائيلية يشكل ضربة قوية لاتفاقات السلام، والتي جاءت مباشرة بعد تصويت غالبية ساحقة من الدول التي كانت حليفة لإسرائيل لمصلحة إقامة دولة فلسطينية".

هذا النهج يعكس نضج الخليج كلاعب إقليمي، قادر على تحويل التهديد إلى فرصة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. ومع ذلك، يظل النجاح مرهوناً بتوحيد الصف العربي والإسلامي، لضمان أن يؤدي الرد إلى استقرار دائم في المنطقة.

لكن هذا السلوك الحضاري يصاحبه قلق في قطر من أن تكون المواقف الدولية بما في ذلك في قمة الدوحة، دون مستوى الانتهاك الذي تعرضت له أو "الغدر" الذي كانت ضحيته، وفق تعبير مسؤوليها.

وأبدت "الشرق" القطرية خشيتها من أن "تتحول هذه القمم (في الدوحة) إلى محطات إطفاء موقتة، نُسارع إليها عند اشتعال الحريق، ثم ننتظر اندلاع حريق جديد لنعود لها مرة أخرى. هذه المرة يجب أن تكون مختلفة".

لكن جولة وزير الخارجية الأميركية في إسرائيل وقبله القطري في واشنطن وقبل ذلك تعهدات ترمب قد تطفئ غضب القمة والدوحة، لكنها لن تمحو آثار الضربة وتداعياتها التي يصدق عليها مثل عربي قديم "كيف أصدقك وهذا أثر الفأس"؟

ويصاحب ذلك تخوف خليجي وعربي من أن الضربة الإسرائيلية تحول جديد في تغول تل أبيب وليست حادثة معزولة، إذ يؤكد المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي أن "الضربة تشير إلى رغبة إسرائيل في توسيع دائرة المواجهة وجعل دول الخليج طرفاً بصورة غير مباشرة، عبر اختبار الحدود السياسية والأمنية".

بدوره يرى الأكاديمي الكويتي فيصل المناور أن القمة في قطر، يتطلع المراقبون إلى أن تخلص إلى ما يشبه "مبدأ الدوحة"، على نحو "يشكل رداً عربياً وإسلامياً ذكياً على العدوان الإسرائيلي"، معتبراً أن ما يحتاجه الإقليم " ليس تنديداً إضافياً، بل بياناً صريحاً يقر بوضوح أن أي اعتداء على سيادة دولة عربية أو إسلامية هو عدوان على أمننا الجماعي، وسيواجه برد قانوني ومالي واقتصادي ودبلوماسي منسق، مع إبقاء قنوات الوساطة الإنسانية مفتوحة".

وتطلع إلى أن يؤسس القادة "عقيدة ردع جديدة تحول الضربة على قطر من صدمة إلى نقطة ارتكاز لإعادة بناء التوازن والهيبة للنظامين العربي والإسلامي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير