ملخص
خلال العقود الثلاثة الماضية تبدلت أحوال القرار داخل الولايات المتحدة بالتبعية التامة للقرار الإسرائيلي فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وبالذات فيما يخص القضية الفلسطينية، فلم يعد هناك رئيس مثل رونالد ريغان الذي رفع سماعة الهاتف موبخاً مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل أثناء اجتياح لبنان عام 1982، ليأمره بوقف "الهولوكوست" (هكذا) على بيروت. ولم يعد هناك جورج بوش الأب الذي أوقف مساعدات بقيمة 10 مليارات دولار لإسرائيل حتى توقف بناء المستوطنات بالضفة الغربية، ويقال إن قراره ذاك كان واحداً من أسباب عدم نجاحه بدورة رئاسية ثانية على رغم شعبيته العارمة قبل القرار.
في سبتمبر (أيلول) 2019 أطلقت إيران صواريخ ومسيرات ضد مصفاتي خريص وبقيق داخل أراضي السعودية، مما أدى إلى خسائر مادية جسيمة سرعان ما تلافتها الرياض. وفي يناير (كانون الثاني) عام 2022 أطلق الحوثيون صواريخ على أبوظبي نتج منها خسائر مادية. وفي يونيو (حزيران) الماضي أطلقت إيران صواريخ على العاصمة القطرية تصدت لمعظمها المضادات الأرضية، ولم ينتج منها خسائر تذكر.
لكن التطور الأهم في سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية والاستباحات للمنطقة العربية من تونس غرباً وحتى بغداد شرقاً هو ما حدث الثلاثاء الماضي، فقد قامت مقاتلات إسرائيلية باستهداف اجتماع مفترض لقيادة حركة "حماس" بالدوحة، وهو ما أسفر عن مقتل عنصر حمساوي وعنصر أمن قطري.
كان هذا هو الاعتداء الإسرائيلي الأول الذي تتعرض له مدينة خليجية. وأية مدينة هي، هي العاصمة القطرية التي بها أحد أكبر القواعد الأميركية في المنطقة، وهي الحاضنة للمحادثات الأميركية - الأفغانية، والجسر الذي من خلاله كانت تتفاهم "حماس" مع إسرائيل، ونافذة المفاوضات بالتعاون مع مصر لوقف الإبادة بغزة وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين.
قبل عدوان الثلاثاء الماضي كان كثر ينظرون بعين الإعجاب وربما الغيرة إلى السياسة القطرية التي كانت قادرة على أن توازن بين تناقضات المنطقة، وأن تنجح في دبلوماسية نادرة بأن توفق بعلاقتها مع إيران والخليج، وإسرائيل و"حماس"، وتركيا وباقي المنطقة. والأهم من كل هؤلاء هو قدرة الدبلوماسية القطرية على خلق أوثق العلاقات مع أهم الحلفاء الغربيين، وهي الولايات المتحدة الأميركية، لكن العدوان الإسرائيلي على الدوحة يوم الثلاثاء الماضي قلب المعادلة والموازين.
وضع العدوان على الدوحة دول الخليج العربي قاطبة أمام تحدٍّ غير مسبوق، "فالضرب صار في الخبا"، كما يقول المثل الشعبي. وقد شعر الجميع بالخطر الإسرائيلي على دول الخليج قاطبة، صحيح أن السياسة القطرية لم تكن دوماً متوافقة مع شقيقاتها الخليجية، وخصوصاً بموضوع العلاقة مع "حماس" وإسرائيل، لكن الصحيح أيضاً أن التوافق الخليجي تجاه إسرائيل و"حماس" واليمن وإيران لم يكن على درجة واحدة بين جميع دول المجلس.
وأثارت مقابلة لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو قبل أسابيع على قناة إسرائيلية كثيراً من الجدال والتوقف والتفكر، ومختصر المقابلة أنه يحلم بإسرائيل الكبرى التي تمتد من مصر غرباً إلى العراق شرقاً وجنوباً إلى الكويت والمناطق الشمالية والغربية من السعودية وشمالاً لتشمل أجزاءً من سوريا ولبنان.
وهنا توقف الجميع وأعاد البعض حساباته حول إمكان السلام والتعايش مع عقلية توراتية توسعية متغطرسة تريد الهيمنة على المنطقة كلها، وتهدد بأن تضرب كما تشاء وقتما تشاء في أي مكان تشاء.
جاء هذا التهديد بعد العدوان على الدوحة على لسان نتنياهو نفسه الذي قال إنه "سيلاحق الإرهابيين في كل مكان يؤويهم"، وهو ما يعني أن من يؤوي من يقاوم الاحتلال سيتعرض للقصف والعدوان من قبل إسرائيل!
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلال العقود الثلاث الماضية تبدلت أحوال القرار داخل الولايات المتحدة بالتبعية التامة للقرار الإسرائيلي فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وبالذات فيما يخص القضية الفلسطينية، فلم يعد هناك رئيس مثل رونالد ريغان الذي رفع سماعة الهاتف موبخاً مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل أثناء اجتياح لبنان عام 1982، ليأمره بوقف "الهولوكوست" (هكذا) على بيروت. ولم يعد هناك جورج بوش الأب الذي أوقف مساعدات بقيمة 10 مليارات دولار لإسرائيل حتى توقف بناء المستوطنات بالضفة الغربية، ويقال إن قراره ذاك كان واحداً من أسباب عدم نجاحه بدورة رئاسية ثانية على رغم شعبيته العارمة قبل القرار.
الحقيقة الناصعة هي أنه لم تعد هناك سياسة أميركية تراعي المصالح الأميركية في المنطقة، هناك سياسة أميركية ترعوي للأطماع الإسرائيلية في المنطقة، ولو على حساب مصالح الولايات المتحدة نفسها. وهذا ما تصرح به أصوات أميركية عديدة من داخل الولايات المتحدة نفسها. فعلى رغم أن دول الخليج قد عملت على مد جسور التعاون والمصالح مع أميركا أثناء إدارات الديمقراطيين والجمهوريين، واستأجرت شركات علاقات عامة داخل واشنطن نفسها، وللمفارقة أن أنشط تلك اللوبيات الخليجية هي اللوبي القطري النشط، ولكن من دون جدوى كما رأينا. ودخل الخليجيون بمشاريع اقتصادية مشتركة مع الولايات المتحدة بتريليونات الدولارات، لكن ذلك كله لم يشفع لهم أمام الصلف والعدوان الإسرائيلي، فمصلحة إسرائيل مقدمة - ليست على مصالح حلفائها الخليجيين وحسب - بل حتى على مصالح أميركا نفسها.
وعلى رغم الاتفاقات والقواعد العسكرية ببعض دول الخليج، فإن ذلك لم يوقف قصف بقيق وخريص، ولا أبوظبي، ولا الاعتداء الإيراني على الدوحة قبل ثلاثة أشهر، ولا العدوان الإسرائيلي عليها قبل ثلاثة أيام. فما العمل إذاً؟
لدى دول الخليج أوراق عدة يمكنها أن تعزز بها موقفها وقوتها في وجه الصلف والهيمنة الإسرائيلية بالمنطقة، وأهمها:
- الكونفيدرالية الخليجية من أجل البقاء، فلم يعد الحديث عن الكونفيدرالية الخليجية ترفاً أو تنظيراً، بل لعله خطوة تعزز البقاء الذي تهدده إسرائيل بعدوانيتها التوسعية. فالوحدة الخليجية الكونفيدرالية يمكنها أن توحد الموقف العسكري والدبلوماسي والاقتصادي، وتعزز التلاحم الشعبي الخليجي الذي هو عماد الصمود في وجه العدوان.
- البعد العربي لتقوية الموقف الخليجي: وأهم زوايا هذا البعد هو مصر التي تمتلك مخزوناً بشرياً هائلاً وجيشاً هو أقوى الجيوش العربية. أما باقي الدول العربية المحيطة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان فهي في حالة ضعف وفشل بالتالي فإن العمل على تقويتها واستقرارها يمكن أن يشكل عامل مساندة للتصدي للهيمنة الصهيونية بالمنطقة.
- البعد الإقليمي: صحيح أن هناك أزمة ثقة بين العرب وإيران، وتوجس من نوايا تركيا، لكنهما في حالة من الخوف والترقب بسبب التغول الإسرائيلي في المنطقة، فإيران تعرضت للقصف من قبل إسرائيل، وتركيا تتصدى لمحاولات إسرائيل بتقسيم سوريا حفاظاً على بعدها الأمني الاستراتيجي جنوباً، وإذا ما استطاعت دول الخليج أن تبني جسور ثقة ولو موقتة مع إيران، وإزالة التوجس مع تركيا، فإن ذلك يمكن أن يعطي دفعة لاستراتيجية الأمن الخليجي عبر مشروع أمني إقليمي مشترك فرضته الغطرسة العدوانية الإسرائيلية.
- مساندة الصمود الفلسطيني أمام سياسة الاقتلاع والتهجير واستنهاض المجتمع الدولي وقواه الصديقة لمؤازرة الشعب الفلسطيني وتحقيق مطالبة المشروعة. فالشعب الفلسطيني هو خط الدفاع الأول في مواجهة التوسع الصهيوني، وهو قوي ومنيع إذا ما توافرت له يد العون العربية والإنسانية، والدليل أن إسرائيل غاصت ولا تزال في دماء غزة وخرائبها منذ عامين، ولن تستطيع التوسع شرقاً ولا غرباً بالقوة العسكرية على الأرض، والشعب الفلسطيني يرفض التهجير ويفضل الموت على أرضه لإدراكه أن البديل لن يكون أفضل.
- تعزيز العداء اليهودي المتنامي للصهيونية، فلأول مرة تصدح أصوات يهودية عالمية ثقيلة الوزن الإعلامي والأكاديمي والسياسي ضد الصهيونية وجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل باسم اليهود، وهؤلاء قوة لا يمكن الاستهانة بها بتصحيح التزوير وفرض الرواية الحقيقية للصراع العربي - الإسرائيلي.
أما الخيار الأخير الذي لا يتمناه أحد فهو الخيار العسكري الخليجي في مواجهة إسرائيل، والمثل يقول "ما دون الحلق إلا اليدين"، ودول الخليج مجتمعة تعد من أكبر مشتري الأسلحة في العالم، والسؤال الذي سيفرض نفسه هو لماذا السلاح إن لم يكن لردع العدوان والدفاع عن النفس؟ ولكن هذا السلاح لن يكون مؤثراً ما لم يكن بمواقف خليجية موحدة بقرار كونفيدرالي واحد كي لا نكرر موقفنا المشتت من إيران أو اليمن أو حتى السودان وسوريا. فلقد "وصل الضرب إلى الخباء"، ولا مجال للتهاون ولا نامت أعين الجبناء.