Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا فعلت ضربة الدوحة بـ"التكامل الإقليمي"؟

الموقف الأميركي تجاه استهداف إسرائيل لقطر أعاد الشكوك في أولويات تل أبيب وواشنطن في الخليج

صداقة ترمب مع قطر زادت الاستياء من الاستهداف الإسرائيلي (غيتي)

ملخص

أخطر ما يثير القلق اليوم هو الموقف الأميركي الضعيف إزاء تهديد إسرائيلي مباشر لمصالح واشنطن في الخليج العربي، حيث تنتشر القواعد العسكرية الحيوية والممرات النفطية التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي، فضلاً عن الثقل السياسي الذي استثمرت فيه الولايات المتحدة لعقود طويلة.

ليس من قبيل المبالغة وصف الضربة التي شنتها إسرائيل على قادة حماس في قطر بـ"الفضيحة"، ليس لأنها فقط استهدفت أشخاصاً في حماية الرئيس الأميركي معنوياً، بل لأن استضافتهم جاءت بطلب من بلاده وهم يبحثون ورقة بعثها إليهم، ولأنها أيضاً لم تنجح على رغم ما أحيط بها من التضخيم وتجاوز الحدود الأخلاقية والدبلوماسية.

لكن الجانب الذي رأته الصحافة الأميركية قبل العربية أكثر اتساماً بالفضيحة هو إظهار الضربة تضاؤل النفوذ الأميركي وتراجع قيمة البيت الأبيض عند حكام إسرائيل الجدد على نحو محرج، مما أشعر كثيراً من المحللين بأن أقوى دولة في العالم تصبح بلا هيبة إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل، التي هي سر قوتها وطغيانها في الإقليم.

وفي هذا الصدد تشير صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى مفارقات "داخل الغارة الجريئة لإسرائيل على قادة 'حماس' في قطر، حليفة الولايات المتحدة"، فعلى رغم مزاعم واشنطن عدم العلم بها والتعهد بعدم تكرارها، فإنها بالنسبة إلى وزير الخارجية القطري الشيخ محمد آل ثاني "خيانة وطعنة غادرة".

قيمة التحالف مع أميركا؟

أما لماذا هي كذلك فلأن "وول ستريت" اعتبرت أن الدوحة بأبراجها وأضوائها وأسواقها الخلابة ليست مكاناً يمكن التسامح مع استهدافه، في وقت يفاخر البيت الأبيض بعقد الصفقات معها وتستضيف قاعدته الأكبر في الإقليم، وتقول "الآن أصبحت الدوحة هي الهدف، المدينة الساحلية التي تقع فيها ناطحات السحاب البراقة والجزر الاصطناعية بجوار الأسواق العربية التقليدية، فقد استضافت قطر 'حماس' لأكثر من عقد من الزمان، وهو اتفاق أقرته الولايات المتحدة ضمنياً لإبقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة مع جماعة لا يستطيع المسؤولون الغربيون التحدث معها علناً"، ولهذا فإن الضربة بالنسبة إلى كثر أحرقت العديد من المثل والمسلمات وألحقت أضراراً جيوسياسية واسعة النطاق، هزت أركان حلم التكامل الإقليمي الذي تحاول الولايات المتحدة بناءه في الخليج عبر "اتفاقات أبراهام"، والحوار الإقليمي الذي كان يتجه نحو إقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل ودول الخليج، فبينما كانت قطر تُستخدم كأبرز جسر دبلوماسي بين واشنطن وجماعات مثل "طالبان" و"حماس"، جاءت الضربة لتكسر الاعتقاد بأن ثمة منطقة أمان استثنائية للوساطة في الخليج.

فلئن كانت قطر التي تلقت الضربة هذه المرة فإن الخليج نظر أجمعه إلى الغارات بأنها "عدوان سافر وجبان"، وليست كما أرادتها واشنطن أو تل أبيب حادثة عابرة، بل إن قطر وصفت الهجوم بـ "الإرهاب الحكومي الذي يستهدف تخريب جهود السلام"، متعهدة بأنها ستشكل "فريقاً قانونياً للرد الرسمي"، ومؤكدة على لسان وزير خارجيتها أن الوساطة جزء لا يتجزأ من هويتها ولن تتراجع عنها.

لكن هذا الإصرار لا يلغي المرارة، إذ يؤكد رئيس تحرير الشروق القطرية جابر الحرمي أن "الاعتداء الإسرائيلي على قطر يمثل سابقة خطرة ووصمة عار في سجل كيان اعتاد العدوان، إذ استهدف هذه المرة دولة وسيطاً للسلام وحل النزاعات، وهو اعتداء يطاول بصورة مباشرة أمن وسيادة واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً عما إذا كان نتنياهو يسعى إلى إعادة تشكيل الخليج عبر هذه الضربة".

رد الفعل الأميركي كان مزيجاً من الاستياء والحرص على إصلاح الأمور، وغير مفهوم بالنسبة إلى كثر، لدرجة أن مركز أبحاث الخليج وصفه بالمتذبذب، ذلك أن الرئيس دونالد ترمب قال إنه "شعر باستياء كبير" إزاء الضربة، وأنها "لا تخدم أهداف أميركا أو إسرائيل"، مؤكداً دعم قطر والتعهد بأن الضربة التي تلقتها لن تتكرر.

إلا أن "نيويورك تايمز" رأت أن الحادثة أبرزت النهج العشوائي الذي اتبعه ترمب تجاه حرب غزة، وهي واحدة من صراعات عدة حول العالم التي سعى جاهداً إلى إنهائها، وأنه منذ توليه منصبه أصبحت إستراتيجيته أقل صرامة واتسمت بتجاوز المواعيد النهائية والتهديدات الغامضة والتصريحات المتناقضة حول كيفية تحقيق إسرائيل أهدافها في القضاء على تهديد "حماس".

ونقلت عن الباحث الزائر في "مركز الدراسات العربية المعاصرة" بجامعة جورج تاون خالد الجندي قوله "لم تكن هناك في الواقع إستراتيجية أستطيع تبنيها سوى كل ما تريده إسرائيل، كل ما يريده نتنياهو".

عرف ترمب أم لم يعرف

وأعرب بعض الخبراء عن شكوكهم في أن الولايات المتحدة لم تتلق أي تحذير مسبق في شأن الهجوم، بخاصة أن لديها أيضاً وجوداً عسكرياً في قطر، وقال الباحث البارز في "دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية"، ستيفن أ. كوك، إنه يعتقد أن "هناك احتمالاً قوياً بأن يكون هناك تنسيق أكبر بكثير هنا مما يريد البيت الأبيض أن نعرفه حالياً"، بحسب الـ "تايمز".

وإذا كان هذا منطق التشكيك لدى الصحافة الأميركية فإن المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي يرى أن العملية أظهرت أبعد مما يريد ترمب أن يقر به، فهي "من حيث الشكل ضد وفد 'حماس' في قطر تأتي في اطار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي".

ومن الناحية الموضوعية فإنه يرى أن الغارة على قطر "أعادت خلط الأوراق الإقليمية وأثرت فعلياً في مساعي واشنطن لتشكيل تحالف أو تكامل إقليمي بين إسرائيل ودول الاعتدال العربي، ولم تكن حادثة معزولة عن السياق الإقليمي"، معتقداً أن التصعيد الإسرائيلي يُفسر بأنه تعبير عن "تغيير الأولويات في تل أبيب ومحاولة جر الخليج تدريجياً إلى دائرة الصراع، وإن كان هناك رأي يشير إلى أن الضربة مرتبطة مباشرة بالإخفاق في مفاوضات غزة إلا أن تداعياتها تتجاوز مجرد الرسالة لـ 'حماس' إلى رسائل للإقليم كله".

وهكذا بات الرأي العام الخليجي أكثر تشككاً في صدقية إسرائيل كشريك للتطبيع، وهو ما تغذيه هذه الواقعة، وبعض المحللين اعتبروا أن الحادثة تعزز رواية من يؤكد أن إسرائيل لا تسعى إلى السلام بل لبسط النفوذ بالقوة، كما أن "الضربة ليست انتقاماً فقط بل رسالة تقول: يمكننا أن نعمل كيف نشاء حتى إذا كلف هذا أمن حلفاء أميركا"، وهو ما يعزز خطاب التشدد داخل الإقليم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن سياق التهدئة لا يزال سائداً في تصريحات الإقليم، فرئيس الوزراء القطري صرّح بأن الوساطة "جزء من الهوية القطرية ولن تثنينا هذه الحادثة"، وهو ما لفت إليه أيضاً الكاتب القطري علي المحمود في حديث مع "اندبندنت عربية"، إذ رأى أن العدوان الإسرائيلي كشف عن رهان تل أبيب على العنف بدلاً من السلام حين أرادت "نسف جهود المفاوضات بغارتها على الدوحة".

غير أن المحمود استبعد تطور الأزمة خليجياً إلى أبعد من القنوات الدبلوماسية في المنظمات الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن "الإدارة الأميركية لا بد من أن تتخذ إجراءات فعالية للجم إسرائيل، فيما على دول الخليج أن تقوم بجلسة مصارحة معها، طالما أنها معنية بالتكامل الإقليمي وأمن الخليج".

الخليج لم يعد خطاً أحمر

الاستهداف الإسرائيلي لقطر زاد وتيرة الشكوك وفتح أبواب التساؤلات حول الالتزام الأميركي نحو أمن الخليج الذي لطالما تغنت به ومستقبل "التكامل الإقليمي"، وربما أعاد شبح المخاوف التي سادت إبان التوتر الإقليمي مع إيران، لكن التحدي الآن أن الطرف المتحرش بالخليج هو حليف رئيس لواشنطن التي ترى في الخليج "منطقة مثالية" لكل الإقليم في الازدهار والاستقرار وسط إقليم مضطرب، مما دفع ترمب الى اختيارها مرتين وجهته الخارجية الأولى، فماذا تغير؟

يجيب عن ذلك المحلل السعودي العقيلي في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، إذ أوضح أن وقوع الضربة في العاصمة القطرية، الحليف الأساس للولايات المتحدة ومركز أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، والمركز الدبلوماسي لمفاوضات غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يؤكد أن "التغطية الأمريكية واهية تماماً"، وهو ما رجح أنه سيؤدي إلى "زعزعة الثقة بين واشنطن ودول الخليج، ويضع المشاريع الأميركية في المنطقة موضع شك كبير وأمام اختبار صعب"، وإسرائيل بسلوكها الأخير تبدو وكأنها تسعى، وفق العقيلي، إلى قطع قنوات الدعم لـ "حماس" والقضية الفلسطينية حتى لو كان الثمن الإضرار بتوازناتها مع أقرب حلفاء واشنطن في الخليج، وهو ما يكشف نزعة متهورة قد تهدد مساعي الإدارة الأمريكية إلى تثبيت نظام إقليمي أكثر استقراراً.

ويرى محللون أن هذه الضربة لا تهدد فقط حلم التكامل الإقليمي الذي تروج له واشنطن عبر "اتفاقات أبراهام"، بل قد تدفع دول الخليج نحو إعادة تقييم علاقاتها الأمنية والدبلوماسية على نطاق أوسع، خصوصاً مع محدودية الضمانات الأميركية التي كشفت عنها الحادثة، وهذا يعني أن واشنطن تجد نفسها أمام اختبار صعب لإعادة ضبط إستراتيجيتها في التعامل مع دول الاعتدال العربي، "فيما تملك هذه الدول الآن مبرراً أقوى للتفكير في خيارات بديلة وتوسيع شراكاتها مع قوى دولية أخرى"، كما يقول المحلل السعودي.

الخيبة من أميركا قبل إسرائيل

من جهته يرى الأكاديمي الكويتي جاسم الجزاع إن أخطر ما يثير القلق اليوم هو الموقف الأميركي الضعيف إزاء "تهديد إسرائيلي مباشر لمصالح واشنطن ذاتها في الخليج العربي، حيث تنتشر القواعد العسكرية الحيوية مثل العديد في قطر وعريفجان في الكويت، إضافة إلى الممرات النفطية التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي، فضلاً عن الثقل السياسي الذي استثمرت فيه الولايات المتحدة لعقود طويلة".

ويتساءل: كيف يسمح البيت الأبيض لحليفه الأول في المنطقة بأن يعبث باستقرار بناه الأميركيون عبر عقود من الشراكات والتضحيات؟ ليضيف الجزاع أن المفارقة تكمن في أن الخليج كان أكثر مناطق العرب انفتاحاً على محاولات التفاهم مع إسرائيل، من التطبيع في الإمارات والبحرين إلى فتح قطر مكتباً تجارياً إسرائيلياً في وقت سابق، مروراً بجهود السعودية والكويت لحث تل أبيب على ضبط النفس، لكن ما جرى اليوم يشي برسالة معاكسة من إسرائيل مفادها أنها لا تعترف بالوساطة ولا التطبيع، وأنها مستعدة حتى للمغامرة بضرب العواصم التي فتحت لها أبواب الحوار، في إشارة إلى أن تل أبيب وربما واشنطن على نحو أقل، خانت عهد الصداقة أو عضت اليد الممتدة إليها بالسلام.

لكن الأشد إثارة للقلق هو إشارة محللين خليجيين، مثل العقيلي، إلى أن استهداف الدوحة تحديداً من جانب تل أبيب "ليس عملية معزولة بل امتداد لنهج تصعيدي سبق أن تجلى في عمليات مشابهة في سوريا ولبنان وإيران، لكنه هذه المرة يكتسب بعداً استثنائياً نظراً للشراكة الأميركية - القطرية الوثيقة".

 وهذا ما دفع السياسي الأميركي فالي نصر عبر "إكس" إلى تشبيه هجوم إسرائيل على قطر بالذي تعرضت له منشآت بقيق النفطية السعودية عام 2019، إذ "أظهر كلاهما أن الحماية الأمنية الأميركية لا قيمة لها"، مرجحاً أن الهجوم على قطر ستكون له عواقب، تماماً مثل هجوم إيران على بقيق، وهو الذي قال إنه غيّر نظرة الخليج جذرياً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل