ملخص
في ربيع عام 1917، وصلت إلى جمعية الفنانين المستقلين في نيويورك مبولة خزفية للفنان الفرنسي مارسيل دوشان، ولكن موقعة باسم مستعار"R. Mutt"، طلب عرضها ضمن المعرض السنوي المفتوح الذي يفترض أنه لا يخضع لأية لجنة تحكيم. لم تجرؤ الجمعية على رفض القطعة، ولم تجرؤ على عرضها، فوضعتها في مكان مهمل خلف ستار، من دون أن تدرجها في كتالوغ المعرض.
لعل ما بدا حينها مجرد استفزاز، تحول لاحقاً إلى مراجعة لمفهوم الفن وحدوده. فهذه المبولة التي حملت اسم النافورة، لم يرد لها الفنان الفرنسي مارسيل دوشان أن تعرض، بل أن تطرح سؤالاً جوهرياً. ومع نفيها من فضاء العرض العام، ظل ما خلف الستار يستفز السؤال في رأس كل من يصطدم بها: هل يعد هذا الشيء العادي، لمجرد نقله من مكانه الطبيعي إلى فضاء مغاير، ومنحه توقيعاً، شيئاً جديداً؟ أو، على نحو أدق: هل يصبح فناً بحيل فنية؟
بدايات الشك
لفهم هذا التحول الصاعق في معنى الفن وحدوده، لا يكفي التحديق في أعمال مارسيل دوشان، بل لا بد من التوقف عند حياته نفسها، التي تشكل بدورها جزءاً من تجربته الفنية.
ولد دوشان عام 1887 في نورماندي الفرنسية، داخل بيت بورجوازي عامر بالكتب والصور والموسيقى، منقسماً بين أب صارم، كاتب عدل، يجسد النظام والامتثال، وأبناء – أربعة منهم في الأقل – انجرفوا نحو الرسم والمسرح والطليعة، حاملين ميراثاً فنياً من الجد، والذي لم يلق استحسان الأب.
في البداية، لم يكن دوشان مختلفاً عن أقرانه من رسامي مطلع القرن الـ20. رسم في سن الـ15 أولى لوحاته على خطى الانطباعية الجديدة، قبل أن ينتقل إلى باريس ليعيش مع شقيقه جاك وسط غليان الحداثة. كانت حركة "الفوفيين" اجتاحت الصالونات بألوانها الوحشية، وبدأت التكعيبية تصوغ مفرداتها الحادة التي جذبت شقيقيه وأخته.
خلال عام 1911، أنجز دوشان أولى لوحاته التكعيبية، غير أن نقطة التحول جاءت في العام التالي مع لوحته المثيرة للجدل "عري يهبط السلم" التي دفعت التكعيبية إلى ما هو أبعد من حدودها، مستلهمة تأثيرات المستقبليين الإيطاليين ورغبتهم في تجسيد الزمن والحركة. ففي مطلع القرن الـ20، نشأت السينما واختُرعت أجهزة قادرة على تفكيك الحركة إلى أجزاء دقيقة، بينما أطاحت نسبية أينشتاين بالزمن المطلق وأنزلته من عليائه.
من هنا، جاءت لوحة مارسيل دوشان (1912) كواحدة من أكثر التجارب راديكالية. فهو لا يرسم الجسد في وضع متحرك فحسب، بل يفككه إلى أطياف متعددة، ويضغطه في سلسلة من التبدلات المتسارعة بهدف تجسيد الحركة أثناء جريانها في الزمن. فإذا بالجسد العاري ينكسر ويتشظى رأسياً وأفقياً أثناء الهبوط، عبر تراكب هندسي يحوله إلى شريط سينمائي من اللقطات المتتابعة.
أثارت اللوحة الهجينة ضجة واسعة، فقد رفضها منظمو صالون التكعيبيين في باريس لأنها خرجت على قواعد المدرسة، فلا هي تكعيبية خالصة ولا مستقبلية تقليدية، بل تبدو تهكماً على كليهما. وسخر منها النقاد الأميركيون عند عرضها لاحقاً في معرض الأسلحة داخل نيويورك، واصفين إياها بـ"النيزك القادم من المريخ"، إذ بدت محاولة لحقن الرسم بسينمائية لم يعرفها من قبل.
تلك كانت نقطة اللاعودة بالنسبة إلى دوشان، اللحظة التي قرر فيها أن الفن لم يعد مرهوناً بجماليات العين. في عام 1913، اتخذ قراره بالتخلي عن الفرشاة وعُين أميناً لمكتبة عامة، على رغم أنه لم يكن قارئاً نهماً من قبل ولم يحقق نجاحاً يذكر في دراسته.
شكلت هذه المرحلة أكثر فترات حياته ثراءً ذهنياً، إذ انغمس في الفيزياء والرياضيات متأثراً بأعمال هنري بوانكاريه، الذي زعزع البنى الكلاسيكية لليقين، وتناول مفاهيم الاحتمال والصدفة والبعد الرابع.
معنى الفن
في ظل هذه التحولات، راح دوشان يعيد التفكير في معنى "العمل الفني" من جذوره. كانت نقطة البدء متواضعة، عجلة دراجة ثبتت على كرسي (Bicycle Wheel) تلتها مجرفة ثلج (1915) أطلق عليها "مقدمة إلى الذراع المكسورة"، قبل أن يصوغ فكرته في مصطلح جديد: الأعمال الجاهزة (Readymades)، أي تلك الأشياء المأخوذة كما هي من الحياة اليومية، والتي تتحول إلى فن بمجرد اختيار الفنان لها، وتوقيعها، وإزاحتها عن وظيفتها الأصلية. ولخص موقفه بقوله "اللوحة شيء عفا عليه الزمن، وأنا مهتم أكثر بالأفكار منها بالأشياء البصرية"، مضيفاً: "الفن ينبغي أن يكون في خدمة العقل، لا العين".
وحين أرسل دوشان نافورته الشهيرة، استقبلت بسخرية عارمة من معظم الفنانين والنقاد. رأى فيها كثر استفزازاً فجاً، وربما نكتة سمجة على حساب الفن. حتى الجمعية التي كانت ترفع شعار "لا لجنة تحكيم" تنصلت منها، رافضة الاعتراف بها كعمل فني.
خلف هذا الاستهجان، بدأت بعض العقول تذهب إلى ما خلف الصدمة، لقد زعزع الرجل بأفكاره المجنونة، أسس النظام الفني. كتب الناقد الأميركي بيتر بورغر: "النافورة ليست عملاً ينظر إليه، بل فكرة تطرح"، بينما رأى والتر بنجامين أن دوشان، بنزع الهالة عن الفن وإعادته إلى الواقع الصادم، دشن أحد أبرز تحولات القرن الـ20.بعد عقود، التقط الفيلسوف الأميركي جورج ديكي هذا الخيط، مؤطراً ما فعله دوشامب في نظرية سميت لاحقاً بـ"النظرية المؤسساتية للفن". ولخص ديكي الأمر في ثلاث ركائز:
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الاختيار فعل إبداعي، تعطيل الوظيفة يحول الشيء، وإعادة التسمية تنتج معنى جديداً. كان دوشان واعياً لما يفعل، قال صراحة إن الفكاهة عنصر لا غنى عنه في عمله، وإنه يرغب بأن تؤخذ "عدم جديته" بمنتهى الجدية.
تقويض الهالة
خلال عام 1919، قدم دوشامب أحد أكثر أعماله جرأة، نسخته الشهيرة من الموناليزا، بعدما أضاف شارباً وذقناً صغيرة إلى بطاقة بريدية رخيصة تظهر اللوحة الأصلية لدافنشي، ووقعها بهذه الحروف L.H.O.O.Q.، التي تتفق عند نطقها مع جملة فرنسية سوقية: "إنها ساخنة من مؤخرتها".
بهذا التشويه، جعل دوشان من النسخة أداة للتقويض، فحين تصبح اللوحة الأشهر والأسمى في التاريخ مادة للسخرية، لا يكون المقصود دافنشي ولا الموناليزا، بل النظام الثقافي الذي يقدسهما. من تلك اللحظة، تحولت "النسخة" إلى كيان قائم بذاته، وبدأ النسخ يتجاوز كونه تقليداً إلى وسيلة لإعادة توجيه رسالة أو هدم صنم. فما الذي يجعل عملاً ما فناً؟ هل هي اليد التي رسمته؟ أم المعنى الذي ينقله؟ أم السياق الذي يعرض فيه؟
الصدمة الأخيرة
بعد كل تلك الضوضاء، اختار دوشان الصمت. أعلن اعتزاله الفن عام 1923، وكرس وقته للشطرنج، مفجراً صدمة جديدة. بدا للجميع أن فنان المفاجآت كف عن اللهو، تاركاً ضجيج المعارض إلى رقعته الساكنة. كان يصف الشطرنج بأنه "فن تجريدي لا يتطلب مادة"، لعبة من تصميم الأفكار، منطقية حد الجنون، ومغرية حد الإدمان.
في الخفاء، كان دوشان يعمل بصمت على لوحته الأخيرة بما أن "Étant Donnés"، التي استغرقت 20 عاماً، وهي لوحة لا تنظر إليها، بل تتلصص عليه من ثقب باب قديم، لتتفاجأ بامرأة عارية ممددة على الأعشاب ساقاها مفتوحتان، تمسك في يدها مصباحاً مُضاءً، بلا عنوان أو تعليق أو تفسير.
ما هذا حقاً؟ ضوء مصباح؟ جسد مستباح؟ مشهد اغتصاب؟ استعراض إروتيكي؟ تمثيل لموت الرغبة أم رغبة في الموت؟ كل ذلك وأكثر. حتى أننا بوسعنا أن نفسرها من الخارج بوصفها إدانة للعين المتلصصة، التي تحولت تلقائياً إلى جزء من العمل دون أن تنتبه لوقوعها تحت المجهر. هكذا جاءت صفعة دوشامب الأخيرة، فبعدما جرد الفن من الهالة، ورط المتفرج في ما يبدو جريمة.