Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 لا خوف على النظام الدولي من الانهيار

على رغم تناقضاته ومآسيه ستكتب له الحياة بعد انكفاء الريادة الأميركية

النظام الدولي  ليس كلاً أو جميعاً موحداً، ولا معنى للكلام على انتظامه. وينبغي تعريف أو وصف عمله بخمسة أبعاد أو عوامل تتفاعل في ما بينها (غيتي)

ملخص

عوض الكلام على تهديد النظام الدولي بالانهيار، وهذا كلام يُفترض وحدته وتجانسه، الأدق القول إن بعض أبعاده أثرت فيها حوادث أو ظروف طرأت فوق تأثيرها في أبعاد أخرى

يتفق انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها الـ80، والاهتمام القوي الذي يثيره انعقادها، مع تعاظم القلق على الاستقرار الدولي، وعلى النظام العالمي الذي رعى هذا الاستقرار، وسن قواعد التحكيم في أزماته. فكيف يجمع الأمران؟ وهل يؤذن اضطراب العلاقات الدولية، واندلاع الحروب في أماكن من العالم كانت آمنة، وبلوغ النزاعات حد التلويح باستعمال السلاح النووي، هل تؤذن هذه الوقائع، وبعضها جديد، بانهيار النظام العالمي؟ يتناول غيوم ديفان، أستاذ العلاقات الدولية المتقاعد في معهد العلوم السياسية بباريس، في مقال نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، في التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، هذه الأسئلة، ويجيب عنها في ضوء تعريفه أصول عمل النظام العالمي، وموارده في معالجة الأزمات الكبيرة.

صدارة فلسطين

وهو يعزو الاهتمام الاستثنائي الذي تحظى به هذه الدورة إلى ظروف انعقادها وجدول أعمالها. وتتصدر الجدول هذا ثلاثة أعمال أو مواد بارزة، أولها قرار الدول الغربية الاعتراف بدولة فلسطينية. ولوقوع الاعتراف في الدورة الـ80 دلالة رمزية. ففي 1947، صوتت الجمعية العمومية على قرار تقسيم فلسطين، وتندرج قضية فلسطين في باب سياسي ودبلوماسي عريض هو باب عالم متعدد الأقطاب قام عليه النظام العالمي منذ 1945، وكانت منظمة الأمم المتحدة، وجمعيتها العمومية الدورية، ركنه، وعلامته الظاهرة. وقرار الاعتراف بدولة فلسطين هو قرينة على تغليب الدول، أي مجتمعها، التعاون على الخلاف، والتضامن على التنابذ. ويدل القرار على رغبة في الخروج من الأزمة الحالية من طريق إضفاء بعض التجانس على النظام العالمي، وتجاوز انقساماته العميقة.

ويستدرك كاتب المقال على ما تقدم من قوله، وكأنه تمادى في التفاؤل، فيقول إن ما ينسبه إلى المجتمع الدولي يبقى رهاناً على الممكن، فالاعتراف بدولة فلسطينية قد لا يثمر، بالضرورة، تخطياً لمنطق النزاع في الشرق الأوسط.

إشكالات ترمب

ولا شك في أن الخطبة التي سيلقيها دونالد ترمب من الأمور التي تغذي الاهتمام والانتظار الدوليين، على ما يقدر أستاذ العلوم السياسية: كيف لهجته؟ أو نبرته؟ ما الموقع من القيادات العالمية الأخرى الذي سيختار الرئيس الأميركي مخاطبة أقرانه منه. هل يعمد إلى فرض القيادة الأميركية أمام الـ192 بلداً؟ كيف يدافع عن سياسته الجمركية التي تُحمل على كابح للعولمة؟ وماذا يقول في إدارة النزاعات، هو من يتباهى بإحلال "السلام بواسطة القوة"؟ هل يقر بتناقضات دبلوماسية الصفقات؟ وأخيراً، ماذا عساه يقول في التعاون الدولي، وهو المشكك في تعدد الأقطاب على الساحة الدولية؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا شك في أن إلقاء الرئيس الإيراني خطبته أيضاً، في حضور عدد كبير من الوفود، في المحفل نفسه، وفي الوقت نفسه، مناسبة ثمينة في وسع طهران انتهازها من أجل إقامة اتصالات، أو عقد لقاءات واجتماعات في إطار نظام متعدد الأقطاب تدعو طهران إلى إنشائه في وجه الولايات المتحدة، وفي خضم مقارعتها واشنطن، ومعها إسرائيل.

وصف النظام الدولي

ويدلف غيوم ديفان من الوجوه الثلاثة المختلفة والمتباعدة التي تناول منها دور النظام الدولي، وعمله في الظروف الاستثنائية الحالية، إلى وصف بنية هذا النظام. فسمته الأولى، على ما يرى غ. ديفان، سالبة: فهو ليس كلاً أو جميعاً موحداً، ولا معنى للكلام على انتظامه. وينبغي تعريف أو وصف عمله بخمسة أبعاد أو عوامل تتفاعل في ما بينها.

1) فهو مركب من أجزاء أو دوائر مختلفة التركيب والعلاقات والمعايير،

2) وهو متعدد المراكز والأقطاب،

3) وهو معولم،

4) والمصالح التي تتجاذبه كثيرة ومختلفة، ولا تختزلها كتلة مصالح متجانسة ومشتركة.

5) وعلى هذا، فهو أخيراً، بالغ التعقيد.

تأرجح الأبعاد

وعوض الكلام على تهديد النظام الدولي بالانهيار، وهذا كلام يُفترض وحدته وتجانسه، على خلاف وصف الكاتب ورأيه- الأدق القول إن بعض أبعاده أثرت فيها حوادث أو ظروف طرأت فوق تأثيرها في أبعاد أخرى. فاجتياح أوكرانيا وخلخلة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبرز تفاوت الأجزاء التي يتركب منها النظام. أما مأساتا غزة والسودان فتبرزان هشاشة بعده الواحد القطبية.

إلا أن الحروب والمآسي هذه ليست قرائن على وشك "تصدع" النظام، بل هي صورة عن تأرجحه الدائم بين أبعاده الخمسة المختلفة، على ما تقدم القول. وتبعاً لتطور العلاقات الدولية، بعض هذه العوامل أضعف عوداً وتماسكاً من  الأخرى. وعلى هذا، فالعلاقات والسياسات التي تقتضي التنسيق المتعدد الوجوه، تمر، اليوم، بأصعب الظروف. لكن النظر إلى التنسيق المتعدد الوجوه على حدة من العولمة مستحيل وغير جائز، كذلك النظر إلى العولمة بمعزل من تعدد المراكز، وتعدد المراكز بمعزل من التعقيد، إلخ. والسجال بين السيادة والتدخل الإنساني واحد من تناقضات النظام الدولي.

والتناقضات تفاقم تعقيد النظام، وقد تؤثر في جموحه إلى التنازع، وفي تجزئته، ومقدار تعاون دوله ودوائره وتنسيقها سياساتها، وفي تعبئة هذه المكونات (تعدد المراكز). وفي المقابل، ترتب على تكاثر المكونات تعقيد تنظيم المبادلات، وتعاظم تعقيد النظام كله، إلخ. وخلاصة القول إن السيطرة على النظام عسيرة جداً، والحذر في هذا المجال هو النهج الأسلم.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير