ملخص
في خطوة تصعيدية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده فرض عقوبات قاسية على روسيا، بشرط أن يلتزم أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) كافة وقف شراء النفط الروسي نهائياً، مما يضع موسكو في مواجهة مباشرة مع أحد أهم مصادر تمويل حربها في أوكرانيا.
يواجه الاقتصاد الروسي تحديات متصاعدة في ظل أزمات متعددة المصدر، تراوح ما بين العقوبات الغربية طويلة الأمد وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى التهديدات الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب.
ومع تراجع المؤشرات الاقتصادية بصورة ملحوظة، باتت موسكو أمام واقع اقتصادي أكثر هشاشة مما كان متوقعاً.
فتصريحات ترمب الأخيرة التي لوح خلالها بعقوبات أشد شرط التزام كامل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) تسلط الضوء مجدداً على عمق الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها روسيا على الساحة الدولية.
ففي خطوة تصعيدية، أعلن الرئيس الأميركي عن استعداده فرض عقوبات قاسية على روسيا بشرط أن يلتزم أعضاء حلف شمال الأطلسي كافة وقف شراء النفط الروسي نهائياً، مما يضع موسكو في مواجهة مباشرة مع أحد أهم مصادر تمويل حربها في أوكرانيا.
وشدد ترمب في منشور عبر منصته "تروث سوشال" على ضرورة تنسيق العقوبات داخل الحلف لضمان فاعليتها، معتبراً أن شراء النفط الروسي من قبل بعض دول "الناتو" يقوض الموقف الجماعي للحلف ويمنح روسيا متنفساً مالياً، كما اقترح فرض رسوم جمركية ضخمة على الصين تراوح ما بين 50 في المئة و100 في المئة، لدفعها إلى تقليص تعاونها مع موسكو، في محاولة غير مباشرة لخنق الاقتصاد الروسي من خلال الضغوط على حلفائه الاستراتيجيين.
"الأمر الصادم"
في هذا السياق، وصف ترمب استمرار استيراد النفط الروسي من قبل الحلف بـ"الأمر الصادم"، مشيراً إلى أن ذلك يضعف من موقف الحلف التفاوضي ويطيل أمد الحرب، وأضاف أن فرض الرسوم على الصين سيكون موقتاً وينتهي بمجرد توقف الحرب، لكن سيكون له أثر بالغ في كبح الدعم غير المباشر الذي تتلقاه روسيا.
في المقابل، لا تبدو الأوضاع الاقتصادية داخل روسيا أكثر استقراراً، إذ قرر البنك المركزي الروسي خفض سعر الفائدة إلى 17 في المئة أول من أمس الجمعة، مع تحذيرات شديدة من استمرار مستويات التضخم المرتفعة التي تجاوزت ثمانية في المئة، أي ضعف المستهدف من قبل المركزي الروسي.
ولذلك، أشارت محافظة البنك الروسي إلفيرا نابيولينا إلى أن النمو المفرط في الإنفاق العسكري تسبب في تباطؤ اقتصادي طبيعي، في حين أظهرت التوقعات الرسمية نمواً محدوداً بنسبة واحد في المئة فقط للعام الحالي، مقارنة بـأربعة في المئة عام 2024.
ومع تجاوز الإنفاق العسكري تسعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفعت معدلات التضخم، في وقت يعاني الاقتصاد من آثار العقوبات وتراجع أسعار النفط وضعف سعر صرف العملة المحلية (الروبل)، وسجلت الموازنة العامة الروسية عجزاً بلغ نحو 50 مليار دولار خلال ثمانية أشهر، وهو رقم يعكس عمق الأزمة.
وعبّر عدد من المسؤولين الروس عن قلقهم حيال هذا المسار، فأكد الرئيس التنفيذي لبنك "سبيربنك" جيرمان غريف منتصف الأسبوع الماضي أن بلاده دخلت مرحلة "ركود فني"، محذراً من خطر الانزلاق نحو ركود اقتصادي كامل يصعب تجاوزه.
زيادة الضغط الشعبي على الحكومة
أما وزير الاقتصاد مكسيم ريشتنيكوف، فأشار إلى أن وتيرة التباطؤ أسرع من التقديرات الحكومية، ومن جهته أوضح وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أن النمو المتوقع لعام 2025 لن يتجاوز 1.5 في المئة، مقارنة بتوقعات سابقة عند 2.5 في المئة، نتيجة ارتفاع كلف الاقتراض وتراجع الاستثمارات، مما يؤكد أن السياسة النقدية المتشددة، على رغم ضرورتها لضبط التضخم، تلقي بظلال سلبية على دورة النمو الاقتصادي.
إضافة إلى ذلك، شكل تراجع أسعار النفط العالمية ضربة موجعة لاقتصاد يعتمد بصورة أساسية على صادرات الطاقة، في وقت تتزايد الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود داخلياً وزيادة الضغط الشعبي على الحكومة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووسط التصعيد المستمر في الحرب والعقوبات، تزداد الضغوط على الاقتصاد الروسي بصورة غير مسبوقة، خصوصاً مع تهديدات ترمب التي تستهدف شل قدرة موسكو على تمويل عملياتها.
وبينما تحاول الحكومة الروسية تهدئة الوضع عبر خفض الفائدة ودعم الإنفاق، تبدو هذه الإجراءات غير كافية لتجنب ركود محتمل.
ومع استمرار الغموض في المواقف الدولية، يبقى مستقبل الاقتصاد الروسي مرهوناً بتطورات سياسية واقتصادية لا تملك موسكو وحدها مفاتيحها.
تطور سعر صرف الروبل
منذ بدء الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) عام 2022، واجه الروبل الروسي تقلبات حادة ومتلاحقة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد في ظل العقوبات الغربية والعزلة المالية المتصاعدة.
وأصبح سعر صرف الروبل مرآة حقيقية لحجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الروسي، سواء نتيجة العقوبات أو الإجراءات النقدية المحلية.
قبل الحرب استقرار نسبي
وحتى منتصف فبراير عام 2022 وقبل الاجتياح الروسي لأوكرانيا، كان الروبل يتداول ضمن نطاق مستقر نسبياً، يراوح ما بين 75 و80 روبلاً مقابل الدولار الأميركي، مما عكس حال توازن نسبي في السوق الروسية، على رغم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة آنذاك.
بعد الهجوم مباشرة انهيار أولي
ومع بداية الحرب، انهار الروبل بصورة حادة ووصل إلى مستويات قاربت 105 روبلات للدولار الواحد في مارس (آذار) عام 2022، نتيجة موجة من العقوبات الغربية القاسية وتجميد احتياطات روسيا من النقد الأجنبي وخروج استثمارات أجنبية ضخمة من السوق.
إجراءات الطوارئ
ورداً على الانهيار، تحرك البنك المركزي الروسي سريعاً لاحتواء الأزمة، فرفع أسعار الفائدة بصورة غير مسبوقة إلى 20 في المئة وفرض قيوداً على حركة رأس المال، فضلاً عن إلزام الشركات تحويل عائدات التصدير إلى الروبل، مما ساعد في استعادة الثقة موقتاً، وانخفض سعر الدولار إلى نحو 55-60 روبلاً بحلول منتصف عام 2022.
خلال عام 2023 استقرار هش
وشهد عام 2023 موجة من التذبذبات المتكررة، مع تداول العملة الروسية غالباً في نطاق 80 إلى 100 روبل مقابل الدولار، وتأثر سعر الصرف خلال هذا العام بعوامل متعددة، أبرزها العقوبات الأوروبية الجديدة وانخفاض صادرات الطاقة الروسية إلى أوروبا، إضافة إلى ارتفاع كلفة الإنفاق العسكري واستمرار العزلة المالية الدولية.
بداية 2024 ضعف متسارع
ومع مطلع عام 2024، عاد الروبل للضعف مجدداً ليصل إلى مستويات قاربت 110 روبلات للدولار في بعض الفترات، وهو من أدنى مستوياته منذ بداية الحرب.
ويعود هذا الانخفاض للتراجع الكبير في أسعار النفط العالمية ولهجمات أوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية وبلوغ عجز الموازنة الروسية مستويات غير مسبوقة تجاوزت 50 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.
مطلع 2025 محاولات للتماسك
في بداية العام الحالي، بدأ الروبل بتسجيل تحسن تدريجي، ليصل إلى متوسط يراوح ما بين 75 و90 روبلاً للدولار، ويعزى ذلك إلى تقليص الإنفاق الحكومي والتراجع النسبي في العمليات العسكرية، إضافة إلى بعض الاستقرار في أسعار الطاقة وتحسن ميزان التجارة الخارجية نتيجة خفض الاستيراد.
سبتمبر 2025 استقرار حذر
وحتى سبتمبر (أيلول) الجاري، يستقر الروبل عند مستويات تراوح ما بين 80 و82 روبلاً للدولار، هذا الاستقرار النسبي يعود لمزيج من العوامل، أبرزها خفض أسعار الفائدة تدريجاً (من 18 في المئة إلى 17 في المئة)، إضافة إلى تراجع نسبي في التضخم واستمرار القيود على حركة الأموال.
إلا أن المتخصصين يحذرون من أن الاستقرار لا يزال هشاً ومعرضاً لأية هزة خارجية، خصوصاً إذا فرضت عقوبات جديدة أو تراجعت أسعار الطاقة بصورة إضافية.
على أية حال، فمنذ اندلاع الحرب، لم يعُد الروبل عملة وطنية وحسب، بل تحول إلى مؤشر واضح على حجم الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية التي تواجهها روسيا.
وعلى رغم محاولات البنك المركزي والحكومة إعادة التوازن إلى السوق، فإن مستقبل الروبل يظل رهيناً بمجريات الحرب وتطور العلاقات مع الغرب ومرونة الاقتصاد المحلي في مواجهة العزلة الطويلة الأمد، فكل صعود للروبل جاء موقتاً، في حين أن موجات الهبوط كانت أعمق وأطول أمداً.