Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جراح الحرب تقحم طلاب الطب في مستشفيات غزة

قتل أكثر من 1700 عامل في القطاع الصحي مما دفع تلاميذ الجامعات لتقديم المساعدات

منذ اليوم الأول للحرب توجه فهمي إلى مستشفى "الشفاء" وعمل متطوعاً في قسم الاستقبال والطوارئ (رويترز)

ملخص

اضطر طلاب كلية الطب للانتظام في مستشفيات غزة أثناء الحرب، وأسهموا في إنقاذ حياة جرحى الغارات الإسرائيلية. هذه قصص عن إنجازات رائعة نفذوها.

ارتدى فهمي رداء الطبيب الأبيض، وبدأ يردد في كلمات تخرجه في كلية الطب الجامعية، وبينما يفعل ذلك كان واضحاً على ملامحه الشرود في ذكريات لا يعرفها أحد سواه.

قبل بضعة أيام انتهى فهمي من دراسة المساقات الأكاديمية لكلية الطب الجامعية، وبهذا بات جاهزاً لينتقل إلى مستشفيات غزة المنهكة المدمرة ليتلقى فيها تدريباً عملياً يطلق عليه "مزاولة المهنة"، ليصبح بعد ذلك طبيباً معتمداً يمكنه اقتحام سوق العمل الطبي والحصول على فرص ووظائف.

من مقاعد الجامعة إلى المستشفيات

لكن فهمي تجاوز كل ذلك، إذ عندما كان طالباً جامعياً يدرس في كلية الطب المساقات الأكاديمية، اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة، وبسرعة ذهب إلى مستشفيات القطاع وقدم نفسه متطوعاً واقتحم عالم العمليات الجراحية والأدوية على رغم عدم جاهزيته لذلك.

يؤدي فهمي قسم الأطباء، وفي ذهنه تتوارد الذكريات الكثيرة بسرعة بدءاً من سماعه انفجارات الحرب وتوجهه ليصبح متطوعاً في أقسام الطوارئ بمستشفى "الشفاء"، إلى توليه منصب طبيب الاستقبال والطوارئ الوحيد في مستشفى "المعمداني".

عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، كان فهمي طالباً بكلية الطب، وقال "بسرعة وجه الجيش الإسرائيلي سكان غزة للنزوح من الشمال نحو الجنوب، لكنني رفضت ذلك وصممت على البقاء في مدينة غزة".

منذ اليوم الأول للحرب توجه فهمي إلى مستشفى "الشفاء" وعمل متطوعاً في قسم الاستقبال والطوارئ، "كنت طالباً في كلية الطب، أبحث عن خبرة من الأطباء في الميدان، لكن فجأة انقلبت غزة، وبدأ السكان بمن فيهم العاملون الصحيون يغادرون المدينة نحو الجنوب".

رفض الإخلاء

نجحت إسرائيل في إخلاء مدينة غزة وقسمت القطاع إلى نصفين شمالي وجنوبي، وكثفت من ضرباتها العسكرية الدامية على الشمال، واضطر الأطباء إلى النزوح لكن فهمي لم يفعل ذلك وبقي صامداً في مستشفى "الشفاء" على رغم أنه لا يزال طالباً ولم يكن طبيباً معتمداً.

وتابع، "كنا نستقبل في بعض الأحيان نحو 500 إصابة في اليوم الواحد، كنا نعمل ليلاً ونهاراً من دون توقف، وكان هدفنا إبقاء قسم الاستقبال والطوارئ يعمل في شمال القطاع لإنقاذ الجرحى، كنت من القلة الذين ظلوا في شمال غزة وعشت الحصار الأول لمستشفى الشفاء، وبعد تدميره ونزوح الطواقم الطبية، واجهنا صعوبات كبيرة بسبب انعدام المقومات".

عاش فهمي في الحرب ظروفاً صعبة أثناء عمله طبيباً، وقال "برفقة عدد قليل من الأطباء كنا نستخدم إمكانات بدائية للتعامل مع المصابين، وكانت فترة بداية عام 2024 من أصعب الفترات، مع انقطاع الإنترنت وصعوبة التواصل مع الطواقم".

نجح في التعامل مع "مجزرة الطحين"

خلال الحرب، قسم فهمي الأسبوع إلى نصفين، إذ خصص ثلاثة أيام للدراسة، وباقي الأوقات لإكمال عمله التطوعي بالمستشفى حيث عاش أياماً صعبة، لا سيما حين اقتحم الجيش الإسرائيلي مجمع "الشفاء" ومنع الوصول إليه، فتوجه هذا الطالب للمستشفى "المعمداني" شرقاً، ولم يجد فيه أي طبيب استقبال وطوارئ، حينها تولى المهمة.

أضاف أيضاً "أدرت قسم الاستقبال والطوارئ وسط إمكانات محدودة جداً وشبه بدائية، حتى إن الكهرباء كانت مقطوعة، وعندما وقعت مجزرة دوار الكويت والمعروفة بمجزرة الطحين، وخلالها أطلق الجنود النار على منتظري المساعدات، كنت الطبيب الوحيد بالمستشفى المعمداني، وجدت نفسي أمام 120 مصاباً، ولا توجد خيارات، فإما التعامل معهم أو أتركهم للموت، فبدأت العمل، قسمتهم بحسب خطورة الحالة، والتعامل أولاً مع الأخطر، فضمدت جراحهم، وحولت بعضهم إلى غرف العمليات، هذا يوم لا أنساه".

وعاد فهمي بذاكرته وتحدث بهدوء "استقبلت في قسم الطوارئ 120 مصاباً دفعة واحدة، وجدت نفسي أمام مسؤوليات تفوق طاقة طالب، كنت أقيم الحالات وحدي، أنسق التحويلات، وأرسل الحالات الجراحية، ونقلت خمس حالات مباشرة للعمليات وكانت هذه الليلة نقطة التحول لي".

عشرات الطلاب توجهوا للخدمة

لم يكن فهمي طالب الطب الوحيد الذي تطوع في مستشفيات قطاع غزة خلال فترة الحرب، وإنما فعل مثله عشرات الطلاب الذين توجهوا للعمل متطوعين في مستشفيات القطاع، وسدوا جزءاً مهماً من العجز في عدد الأطباء والطواقم الطبية، وعملوا تحت ضغط كبير نتيجة وصول مئات المصابين والمرضى يومياً مما أكسبهم خبرات مهمة، إذ خضعوا لتدريب عملي مختلف عما تعلموه في جامعاتهم، وتعاملوا مع إصابات معقدة وأسهموا في إسناد المنظومة الصحية، وتعويض النقص في الطواقم الطبية الناتج من القتل والسفر والنزوح والاعتقال.

قبل أن تتخرج طالبة الطب ديانا في الجامعة ذهبت للتطوع بالمستشفى خلال الحرب، وقالت "بعد تجربة عمل صعبة اكتسبنا خلالها خبرة واسعة، أصعب ما واجهته كان العدد الكبير من المصابين في وقت واحد، إضافة إلى رؤية مشاهد لا أستطيع نسيانها، كطفلة فقدت أطرافها، ومن أصعب المهام تركيب الأنبوب الصدري، وهو تدخل متقدم، لكنني تمكنت منه مع الممارسة العملية".

أصبحت ديانا قادرة على التعامل مع إصابات الحرب، "كانت مهمتنا الأولى محاولة إنقاذ المصابين، فعندما يأتي مصاب بشظايا ولديه شريان أو وريد مفجور، نقوم بتثبيت الطرف، وتعويض نقص الدم، منذ الساعات الأولى للحرب بدا واضحاً أن الكارثة تتجاوز القدرات الطبية فالمستشفيات تستهدف بصورة مباشرة، وممراتها التي كانت يوماً لتنقل المرضى أصبحت ساحة طوارئ مفتوحة، والأدوات المعقمة استبدلت بوسائل بدائية، وتحولت دقائق العمل إلى سباق مع الموت".

عمليات تحت ضوء الهاتف

مع تزايد حجم القتال عاشت ديانا واقعاً لم يتدرب عليه أحد، حيث العمليات تجرى تحت ضوء الهواتف المحمولة، والجرحى يسعفون على الأرض، "كنا نتخذ قرارات تحدد الحياة أو الموت خلال ثوان، إصابات الأطفال كانت الأصعب، كنا نشاهد المستقبل وهو ينتزع منهم".

في الحرب، واجه قطاع غزة نقصاً شديداً في الكوادر الطبية، فمن جهة استهدف الجيش الإسرائيلي هذه الطواقم بالقتل والاعتقال، ومن جهة أخرى كان حجم الضحايا والجرحى أكبر من أن يستوعبه العاملون الصحيون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في غرف العناية

قتل في حرب غزة أكثر من 1700 عامل في القطاع الطبي من أطباء وممرضين ومسعفين منذ اندلاع الحرب، واعتقل الجيش الإسرائيلي نحو 391 طبيباً، وهذا العجز دفع طلاب الطب إلى التطوع في المستشفيات لمحاولة تغطية النقص القائم، ومن بينهم كان عبدالكريم سمور، الذي دخل العناية المركزة متطوعاً بينما كانت غرفها مكتظة بالإصابات وشبه فارغة من الكوادر الطبية. وقال "كان النقص هائلاً، والمسؤولية أكبر من أن نتجاهلها، ولأشهر كنت أتنقل بين أسرة المرضى وخيام النزوح. أثناء مجزرة النصيرات كنت أخضع لتدريب سريري عندما هز المكان قصف جنوني، وانهالت التهديدات على أقسام المستشفى، ودخل المرضى في حال تيه تامة، لكن هذه التجربة صنعت مني طبيباً آخر، أكثر نضجاً وصلابة، وأكثر فهماً للطب بوصفه عملاً أخلاقياً قبل أن يكون مهارة".

بحسب الطبيب سمور فإنه عاش عامين استثنائيين لم يكن الطب فيهما شبيهاً بأي مكان آخر، حيث العدد الهائل من الضحايا والمصابين، وانقطاع الكهرباء، وتوقف عمل أجهزة التصوير الطبي، والنقص في الأدوات الطبية والمخدر، والاستهداف المباشر للمستشفيات بالقصف والاقتحام والحصار.

وأكد عبدالكريم أن الحرب في غزة أعادت كتابة قواعد التعلم والشفاء والنماء، حيث شارك في العمليات كجراح ثان، مشيراً إلى أنه مع فقدان أطباء كبار أو نزوحهم أو استنفاد طاقتهم، صعدت أجيال شابة من الطلاب للدفاع عن المرضى أمام موجة الموت المتواصلة.

أسهموا كثيراً لكنهم عادوا إلى مقاعدهم الجامعية

وسط هذه الأجواء، قال مسؤول متابعة طلبة الطب محمود الأشرم "كان لهؤلاء دور كبير خلال فترة الحرب، بخاصة خلال فترة فصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، ووجود عشرات من كوادر التمريض بالجنوب، مما استدعى الاستعانة بخريجي الجامعات ممن أنهوا الدراسة وتبقى لديهم إتمام الساعات التدريبية"، مضيفاً "بعد يومين فقط من اندلاع الحرب فتحت الوزارة باب التطوع للعاملين بالقطاعات الطبية، ومن ضمنهم طلاب الطب والتمريض، وعندما نزحت كوادر طبية كثيرة، وكانت أعداد الطواقم المتوافرة لا تلبي حاجات المرضى والمصابين في الشمال، بدأنا باستدعاء طلبة الطب ليكونوا أساسيين بقسم الطوارئ، لقد أسهموا في تعويض النقص، وهناك 12 طالباً جرى اعتقالهم وهم على رأس عملهم، لقد ساعدوا الطواقم الطبية في الأقسام كافة، وتولوا مهام عديدة، وقاموا بمتابعة الحالات، مع بدء سريان وقف إطلاق النار، بدأت مغادرة طلبة الطب والتمريض المستشفيات، وعادوا إلى مقاعدهم بالجامعات، وأصبحوا يأتون إلى المستشفيات مع مشرفيهم وأطبائهم ضمن النظام الطبي التعليمي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير