Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكتمان... عقيدة إسرائيل النووية

لا تزال قدرات تل أبيب موضوعاً لتقديرات استخباراتية غير دقيقة إلى حد بعيد منذ ستينيات القرن الماضي

صورة جوية لمفعل ديمونا (غيتي)

ملخص

تقر معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بحق امتلاك الأسلحة النووية لخمس دول فقط هي: الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا والصين. ونأت إسرائيل بنفسها بعدم توقيعها على المعاهدة من الخضوع لعمليات التفتيش أو مواجهة خطر فرض عقوبات عليها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة التي تخضع للرقابة فقط مفاعل نووياً خاصاً بالأبحاث في "مركز سوريك للأبحاث النووية" وسط إسرائيل، يعمل باليورانيوم عالي التخصيب.

قبل أن يزيح العالم النووي الإسرائيلي موردخاي فعنونو عام 1986 الستار عن المساعي السرية التي تنتهجها إسرائيل كي تصبح قوة نووية وكشف عن تفاصيل دقيقة تخص برنامجها النووي ومفاعل ديمونا السري للأبحاث النووية في صحراء النقب الواقعة على بعد نحو 150 كيلومتراً جنوب مدينة القدس عبر الطرق البرية، وكانت المعلومات المتوافرة عن القدرات النووية الإسرائيلية شحيحة جداً، حتى لدى أقرب حلفائها، وعلى رغم أن إسرائيل لم تعترف رسمياً بامتلاكها ترسانة نووية ولا تنفي ذلك أيضاً، فإن الاعتقاد السائد عالمياً هو أنها تملك مثل هذه الأسلحة، وقد أظهرت صور التقطت في الخامس من يوليو (تموز) الماضي عبر الأقمار الاصطناعية لمركز "شيمعون بيريز للأبحاث النووية" في النقب، قرب مدينة ديمونا، وجود منشأة جديدة في الجهة الجنوبية الغربية، يرجح أن تكون مخزناً أو مصنعاً وفق تقديرات خبراء، ولوحظت تغييرات عدة طرأت على مباني الموقع الذي أنشئ عام 1958. ومع ذلك تصر إسرائيل على أن تنتهج سياسة الغموض المتعمد حيال قدراتها النووية لدرجة يمكن القول إن قدراتها النووية هي أكثر برامج أسلحة الدمار الشامل سرية في العالم.

 

وتقر معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي دخلت حيز التنفيذ عام 1967، وتضم 191 دولة، بحق امتلاك الأسلحة النووية لخمس دول فقط هي: الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا والصين، باعتبارها أجرت تجارب نووية قبل دخول المعاهدة، التي تهدف بالأساس لتعزيز مساعي نزعها على الصعيد العالمي والحد من انتشارها. وقد نأت إسرائيل بنفسها بعدم توقيعها على المعاهدة من الخضوع لعمليات التفتيش أو مواجهة خطر فرض عقوبات عليها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة التي تخضع للرقابة فقط مفاعل نووياً خاصاً بالأبحاث في "مركز سوريك للأبحاث النووية" وسط إسرائيل، يعمل باليورانيوم عالي التخصيب.

 

اتفاق سري

بعد وقت قصير من قيامها عام 1948 أظهرت إسرائيل اهتماماً بامتلاك أسلحة نووية، وبحسب "مؤسسة التراث الذري" التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول ديفيد بن غوريون وضع في سلم أولياته تطوير برنامج نووي، وأمر الجيش الإسرائيلي بإجراء مسح جيولوجي لصحراء النقب، حيث عثر على نسبة من اليورانيوم في مناجم الفوسفات، ودعاهم لاستقطاب علماء للإشراف على البرنامج النووي الإسرائيلي الوليد آنذاك، وفي عام 1952 تم تشكيل هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، حيث بدأت العمل من كثب مع الجيش الإسرائيلي. وذكر موقع "غلوبال سيكيوريتي"، أن إسرائيل بحلول عام 1953 بدأت عملية استخراج اليورانيوم (عنصر كيماوي مشع معروف باستخدامه كوقود أساسي لمحطات الطاقة النووية) الموجود في صحراء النقب، وطورت طرقاً جديدة لإنتاج الماء الثقيل (ماء يحوي نظير ثقيل من الهيدروجين يسمى ديوتيريوم)، وتمكنت عبر قدراتها الخاصة من إنتاج بعض أهم العناصر الأساسية في هذا المجال، مشيراً إلى أن الاتفاق السري الذي جرى بين فرنسا وإسرائيل أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، تضمن "مركز شيمعون بيريز للأبحاث النووية"، ومفاعل نووياً، ومحطة إعادة معالجة قادرة على فصل البلوتونيوم عن وقود المفاعل المستهلك، والتي كانت أشد سرية من المفاعل النووي نفسه. ووفقاً للوثائق الأميركية التي رفعت عنها السرية أخيراً والمنشورة في موقع "National Security Archive"، بعنوان:"Duplicity and Self-Deception: Israel, the United States, and the Dimona Inspections 1964-1965"، ما إن أنهت فرنسا العمل على إنشاء المحطة وتسليمها للإسرائيليين عام 1965، حتى باشرت إسرائيل بداية من عام 1966 في إنتاج البلوتونيوم (معدن ثقيل جداً وعالي الكثافة يستخدم لإنتاج القنابل الذرية) المخصص لبرنامجها العسكري، وهي العملية التي قامت إسرائيل بإخفائها عن بعثات التفتيش الأميركية التي زارت المكان أكثر من مرة خلال ستينيات القرن الماضي. وقبل أن يصرح بن غوريون عام 1960 بأن المجمع مركز للأبحاث النووية تم بناؤه "لأغراض سلمية" كانت إسرائيل تصف مجمع ديمونا النووي على أنه مصنع للنسيج ومحطة زراعية ومنشأة لأبحاث المعادن، و"مفاعل أبحاث سيخدم حاجات الصناعة والزراعة والصحة والعلوم".

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قوى نووية

وعلى رغم أن حال الشكوك وعدم المعرفة والتكهنات حول حجم الترسانة النووية الإسرائيلية ظلت مهيمنه سنوات، إلا أن تقريراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 1968 خلص إلى أن إسرائيل بدأت في إنتاج أسلحة نووية، وفي تقرير استخباري آخر عام 1979 كسرت الوكالة حاجز الصمت الرسمي للحكومة الأميركية عندما أكدت أن "إسرائيل أنتجت بالفعل أسلحة نووية". واستند التقرير المؤلف حينها من أربع صفحات بعنوان "آفاق مواصلة انتشار الأسلحة النووية" إلى "مخزونها الهائل من اليورانيوم، إضافة إلى برنامجها لتخصيب اليورانيوم، واستثماراتها في نظام صاروخي باهظ الكلفة قادر على حمل رؤوس حربية نووية". وفي إحدى المذكرات التي لخصت سياسة واشنطن تجاه برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي، كتب مستشار الأمن القومي آنذاك هنري كيسنجر في يوليو عام 1969، إلى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قائلاً "ربما قد نرغب في منع إسرائيل فعلياً، لكن في حال تعذر علينا تحقيق ذلك، فسيصبح ما نريده في الأقل هو منع الاعتراف الدولي بوجود أسلحة نووية لدى إسرائيل". في وقت ذكر المؤرخ الإسرائيلي الأميركي آفنر كوهين في مقال على موقع "أرشيف الأمن القومي" التابع لجامعة "جورج واشنطن" الأميركية، أن سياسة الغموض النووي الإسرائيلي "تبلورت عبر جهد مشترك بين إسرائيل والولايات المتحدة"، وقد عبرت دول في الشرق الأوسط عن قلقها العميق والمتزايد في شأن وجود برنامج أسلحة نووية إسرائيلي، وقد أدت المعلومات السرية المفصلة التي كشف عنها فعنونو، عام 1986 لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية حول برنامج إسرائيل النووي، لتصنيف إسرائيل في خانة القوى النووية واختطافه من قبل الموساد، والحكم عليه بالسجن 18 عاماً، لكشفه عن امتلاك إسرائيل ترسانة نووية، وعرض لقطات من فيلمين مصنفين تحت بند "سري للغاية"، يشرحان جانباً من الأعمال التي تجري في مفاعل ديمونا، والمعدات التي تستخدم في استخراج المواد الإشعاعية المخصصة للإنتاج العسكري، ونماذج معملية للأجهزة النووية الحرارية. وأظهرت تلك التسريبات، الأولى من نوعها، أن طاقة المفاعل الإسرائيلي تبلغ 26 ميغاواط، وأن إسرائيل ربما طورت قدراته ليعمل بنحو 150 ميغاواط. وتبلغ معدلات إنتاج البلوتونيوم فيه نحو 40 كيلوغراماً سنوياً، وهو ما يكفي لصنع 100 إلى 200 سلاح، بقوة تفجيرية يصل قدر كل منها إلى 20 كيلو/ طن، وهي قوة القنبلة النووية نفسها التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة ناغازاكي اليابانية عام 1945.

 

الجيل الخامس

وبحسب مركز "الحد من التسلح ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل"، يعتقد أن إسرائيل تمتلك 90 رأساً حربياً نووياً صنعتها من البلوتونيوم، إلى جانب أنها أنتجت ما يكفي من البلوتونيوم لصنع ما بين 100 و200 سلاح نووي، في حين قدر المركز أن كوريا الشمالية تمتلك "ما بين 20 و30 رأساً حربياً جاهزاً". وبحسب التقديرات، التي نشرت أخيراً في صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن إسرائيل تمتلك كمية كافية من المواد الانشطاًرية لإنتاج مئات أخرى من الرؤوس النووية. ويرى مراقبون أن عدم وجود برنامج مخصص لاختبار هذه الأسلحة من قبل إسرائيل قد يثير مخاوف في شأن فاعليتها. ويشير المركز كذلك إلى أن إسرائيل قادرة على نشر أسلحة نووية على متن طائرات F-15، وF-16، وF-35 الأميركية، وكلها قادرة على حمل قنابل نووية في نسخها المعدلة. ووفقاً لمجلة  Military Watchالمتخصصة في الشؤون العسكرية، تعتبر إسرائيل أكبر مشغل أجنبي لمقاتلات F-16 باستحواذها على أكثر من 250 طائرة من هذا الطراز، والتي من المرجح استبدال مقاتلات الجيل الخامسF-35  بها، والقادرة أيضاً على حمل أسلحة نووية، ناهيك بامتلاكها الغواصات الألمانية الصنع من طراز "دولفين"، ومجموعة متنوعة من الصواريخ بما في ذلك صاروخ "جيريكو 3" الباليستي العابر للقارات ICBM الذي دخل الخدمة عام 2011 ووصفه العالم والجنرال المتقاعد في الجيش الإسرائيلي وعضو الكنيست إسحاق بن إسرائيل، عام 2008، بالقول "نستطيع الوصول بهذا الصاروخ إلى كل نقطة في العالم".

عمر افتراضي

وبينت مجلة "جينز إنتليجنس ريفيو" المتخصصة في المسائل الدفاعية والصادرة في لندن عام 1999 أن مبنى مفاعل ديمونا يعاني أضراراً جسيمة، ليس فقط بسبب انتهاء عمره الافتراضي قبل 23 سنة، بل بسبب الإشعاع النيتروني، الذي ينتج فقاعات غازية صغيرة داخل الدعامات الخرسانية للمبنى، ما يجعله قابلاً للتصدع، وعرضة للتحول إلى مصدر محتمل لكارثة إنسانية ستحصد أرواح مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين. في حين ذكرت مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية، في تقرير، أنه في سبتمبر (أيلول) عام 2016 سربت رسالة عبر البريد الإلكتروني لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول لمح فيها إلى أن تل أبيب تمتلك ترسانة نووية مكونة من 200 سلاح نووي، ووفقاً للمجلة، فإن الأسلحة النووية تهدف إلى "حماية إسرائيل من الهزيمة في حرب تقليدية مع جيرانها، وردع خصومها المحتملين عن شن هجمات نووية وكيماوية وبيولوجية ضدها". وأوضح الفيزيائي والعضو السابق في لجنة التنظيم النووي فيكتور جيلينسكي، في كتابه الأخير، أن "المعايير المزدوجة الواضحة باتت تقوض الجهود المبذولة للسيطرة على انتشار الأسلحة النووية في مختلف أنحاء العالم"، وعلى رغم أن إسرائيل وقعت، عام 1996، على معاهدة "الحظر الشامل للتجارب النووية" في الشرق الأوسط، فإنها "لم تصادق عليها أبداً"، وفقاً لموقع "المصدر" الإسرائيلي الذي نقل عن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قوله إن "إسرائيل تدعم المعاهدة وأهدافها ولذلك وقعت عليها، أما قضية المصادقة فهي متعلقة بالسياق الإقليمي وبالتوقيت الملائم". وقد وصفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية العلاقة بين الوكالة الدولية وتل أبيب أنها "المنظمة التي تملك فيها إسرائيل هيمنة ثابتة."

يذكر أن الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الذرية أجهضت، عام 2010، قراراً طرحته دول عربية يدعو إسرائيل للانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، وقادت الولايات المتحدة آنذاك حملة التصويت ضد مشروع القرار غير الملزم أصلاً، بذريعة أن "قراراً كهذا قد يعطل جهود حظر السلاح النووي في الشرق الأوسط".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير