Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكاريانات"... ذاكرة اجتماعية للمغرب تقاوم الاجتثاث

يعود بناؤها لفترة الاستعمار الفرنسي وأصبحت من مظاهر العشوائية التي تشوه العمارة الحديثة في البلاد

"الكاريانات" السكنية هي أحياء تاريخية تتسم بالعشوائية وتفتقر إلى كثير من مقومات السكن اللائق (أ ف ب)

ملخص

 تعتبر مدينة الدار البيضاء، أكبر مدن المملكة إذ إنها تعد 3 ملايين و218 ألف نسمة وفق الإحصاء العام للسكان لعام 2024، وتبلغ كثافتها السكانية نحو 4 آلاف نسمة لكل كيلومتر مربع، وهي أكثر مدينة في البلاد تضم "كاريانات سكنية"، خصوصاً في الضواحي، لأنها مدينة "عمالية" بامتياز لاحتضانها كثيراً من المعامل والمصانع.

تسارع السلطات المغربية الخطى للقضاء على "الكاريانات" السكنية، وهي أحياء تاريخية تتسم بالعشوائية وتفتقر إلى كثير من مقومات السكن اللائق، خصوصاً في مدينة الدار البيضاء، وسط استعدادات المغرب لاحتضان مباريات كأس العالم لكرة القدم لعام 2030.

وفي وقت تأمل السلطات المغربية إعلان العاصمة الاقتصادية للبلاد خالية من "الكاريانات" بحلول 2027، وتأهيل هذه المناطق قبيل عام 2030، فإن هناك من يطرح إشكالية اجتثاث ذاكرة تاريخية بكاملها تعود لـ"الاستعمار الفرنسي" بواسطة الجرافات ومعاول الهدم، بينما يرى آخرون ضرورة محو "ذاكرة الكاريانات" لما تشكله من قنابل اجتماعية موقوتة، أقلها الفقر والهشاشة والتطرف، فضلاً عن "تشويه صورة المدن".

"كاريانات" عملاقة

يتجمع كثير من الأحياء العشوائية التي تفتقد إلى البنى  التحتية الأساسية ضمن ما يسمى "الكاريانات"، وهي تسمية تعود لكلمة "الكاريان" بالفرنسية وهو مقلع الحجر، بالنظر إلى أن أولى هذه التجمعات البشرية التي أنشأها العمال المغاربة الآتون من البوادي وضواحي المدن، كانت تجاور مقالع للحجارة كان يملكها فرنسيون خلال حقبة "الحماية الفرنسية".

وتعتبر مدينة الدار البيضاء، أكبر مدن المملكة لأنها تعدّ 3 ملايين و218 ألف نسمة وفق الإحصاء العام للسكان لعام 2024، وتبلغ كثافتها السكانية نحو 4 آلاف نسمة لكل كيلومتر مربع، وهي أكثر مدينة في البلاد تضم "كاريانات سكنية"، خصوصاً في الضواحي، لأنها مدينة "عمالية" بامتياز لاحتضانها كثيراً من المعامل والمصانع.

وتفيد معطيات رسمية سابقة بأن "الكاريانات السكنية" في المغرب تؤوي أكثر من 120 ألف أسرة مغربية، بينما يتمركز أكثر من 63 في المئة من هذه الأسر في "الكاريانات" الموجودة في مدينة الدار البيضاء وهوامشها وضواحيها، مما يجعل من الدار البيضاء مدينة "كاريانات" بامتياز، ويدفع سلطاتها المسيرة إلى إعلان حرب بلا هوادة على هذه التجمعات السكنية القديمة التي تعود لعهد "الاحتلال الفرنسي".

ومن أشهر "الكاريانات الشعبية" في المغرب "كاريان سنطرال" الذي يقع في الحي المحمدي بالدار البيضاء، وهو يمثل منطقة تاريخية لأنه شكل على مر أعوام الاستعمار الفرنسي مركزاً للمقاومة ضد المحتل، بينما تستعد السلطات لتحويل هذا "الكاريان" إلى متنزه بيئي ضخم بعد ترحيل ساكنيه إلى مناطق أخرى.

ومن أشهر "الكاريانات" الأخرى "كاريان طومة" الموجود  في قلب حي سيدي مومن الشعبي الشهير بالدار البيضاء والذي خرج منه شباب عمدوا إلى ارتكاب التفجيرات الإرهابية بالمدينة في الـ 16 من مايو (أيار) عام 2003، وأيضاً "كاريان السكويلة" و"كاريان الليدو" و"كاريانات" أخرى.

ذاكرة تاريخية

ويعود منشأ هذه "الكاريانات" السكنية الشعبية في المغرب لحقبة الاستعمار الفرنسي منذ عام 1912، مما يجعلها ذاكرة تاريخية لا تزال تقاوم معاول الهدم وجرافات السلطة التي تعمل جاهدة على إنهاء هذه الأحياء بسبب ما تعتبره تشويهاً لجمال وصورة المدن.

يقول في السياق رئيس مركز "ذاكرة كازا" محمد ربيع إن "الكاريانات الشعبية" التي تؤوي آلاف الأسر المغربية تمتلك ذاكرة تاريخية مديدة تصل إلى عشرينيات القرن الماضي، عند ما سمي "الحماية الفرنسية" للمغرب.

وأكد أن "الكاريانات" تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية المغربية، خصوصاً في مدينة الدار البيضاء العملاقة، فهذه "الكاريانات" تحديداً أفرزت شخصيات شهيرة في مجالات الرياضة والفن والسياسة والإبداع شكلت إلى وقت قريب زبدة النخب المغربية، بحسب قوله.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع ربيع أنها "كانت شاهدة على كثير من الأحداث التاريخية مثل ما حصل عام 1947 في ’كاريان ابن مسيك‘ عندما نفذ الجنود الأفارقة في الجيش الفرنسي مجزرة وسط أحياء هذا ’الكاريان‘، وأيضاً أحداث ’كاريان سنطرال‘ عام 1952 عندما اقترف القائد العسكري الفرنسي المجرم فيليب بونيفاس مجزرة وسط سكان هذا ’الكاريان‘ لإخماد الاحتجاجات المندلعة جراء اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد".

وأبدى ربيع تخوفه من تعرض ذاكرة تاريخية بحجم هذه "الكاريانات" السكنية الشعبية للاندثار والزوال فقط بضربة معول وتدخل جرار، وترحيل الساكنة إلى مناطق أخرى، مردفاً أنه يؤيد فكرة القضاء على "السكن غير اللائق"، لكنه أيضاً يرفض تدمير ذاكرة تاريخية ممتدة ترمز إلى المقاومة ضد الاحتلال، وذاكرة اجتماعية أيضاً خلدت أسماء وشخصيات محبوبة عند المغاربة في المجالات شتى.

وعاد ربيع لحقبة الاحتلال الفرنسي عندما عمد المعمرون إلى إنشاء مصانع ومحاجر (معامل الحجر) في مدينة الدار البيضاء، خصوصاً لتنشيط "الاقتصاد الاستعماري"، فكانت الحاجة إلى عمال ويد عاملة زهيدة، مما دفع إلى استقبال الشباب الوافدين من القرى المجاورة والضواحي، وبسبب ضعف القدرة الشرائية شرعوا في بناء أكواخ في محيط تلك المحاجر، وطوروها بعد ذلك إلى بناء "براريك قصديرية" لتتشكل في ما بعد "كاريانات" بمفهومها المعروف.

جرح اجتماعي نازف

وإذا كانت "الكاريانات" تستند إلى ذاكرة تاريخية صلبة وأحداث جسيمة خلال فترة الاستعمار الفرنسي، إلا أنه مع مرور الوقت وبعد خروج المحتل صارت عبئاً اجتماعياً واقتصادياً وجمالياً ثقيلاً على السلطات، بالنظر إلى الكلفة الاجتماعية والاقتصادية التي يتطلبها إيواء آلاف الأسر التي ولدت وترعرعت وشاخت في هذه "الكاريانات".

في هذا الصدد ترى الباحثة الاجتماعية ابتسام العوفير أن ظاهرة "الكاريانات" التي عمت عدداً من المدن الكبرى في المغرب، خصوصاً الدار البيضاء، كانت تعزى إلى أسباب تاريخية واجتماعية واقتصادية جاءت في سياقات معينة ومحددة، لكنه لا يجب الإبقاء على هذه المساكن بالنظر إلى تغير تلك السياقات والشروط الاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية.

وتقول إن "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس ومغرب الاستقلال ليس هو مغرب الاستعمار، ومغرب التنمية والتطور ليس هو مغرب الهشاشة والفقر، الشيء الذي يجب معه إنهاء ما بقي من مظاهر البؤس الاجتماعي والحرمان الاقتصادي ممثلة بهذه ’الكاريانات‘".

ولفتت إلى أن "الكاريانات" هذه شكلت دوماً جرحاً نازفاً في خاصرة كبريات مدن المملكة لعوامل كثيرة، من بينها أن هذه "الكاريانات" تكرس مظاهر الهشاشة والفقر والعوز الاجتماعي لأنها تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.

ومن العوامل الأخرى التي تجعل "الكارينات" جرحاً نازفاً، أنها صارت وكراً لتفريخ بعض مظاهر التطرف الفكري والديني، بدليل أن الشباب الذين فجروا بعض الأماكن في الدار البيضاء خرجوا من "كاريان طوما"، مردفة أن "الفقر المدقع يولد لدى بعض الشباب الرغبة في الانتقام ويسهل عليهم معانقة الفكر المتشدد رغبة في الانعتاق نحو الدار الآخرة".

واستطردت العوفير أن "الكاريانات" أيضاً كانت دوماً مهداً لكثير من الحوادث الاجتماعية السلبية، كما أنها فاقمت من الكلفة الاقتصادية التي باتت الدولة ملزمة سدادها لاستئصال هذه المناطق، بحيث يجب توفير مساكن لآلاف الأسر أو تقديم تعويضات مالية لهم كبديل عن مساكنهم في "الكاريانات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير