ملخص
ها نحن أمام تغير المشهد الجيوسياسي في جنوب القوقاز، مما يتمثل في تقارب أرمينيا مع باكستان، وفي ما تتسم به العلاقة بين روسيا وأذربيجان من برود وتوتر يتجاوز الحدود في بعض جوانبه، وما هو على النقيض منه في ما نشهده من "تقارب" بين بوتين وباشينيان، وما تسجله روسيا من تقدم على طريق استعادتها كثيراً من أوراقها تأكيداً على أنها لا تزال الفاعل الرئيس في المنطقة.
بدا الرئيس فلاديمير بوتين، على غير عادته مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف، غير عابئ باللقاء الذي انتظره مراقبون كثر بين الزعيمين خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في الصين. اكتفى بوتين بمصافحة اتسمت بالبرود الشديد، مما كان بمثابة رسالة من جانب الرئيس الروسي أوجز بها موقف بلاده من سياسات الرئيس الأذربيجاني وتصريحاته حول موقفه من روسيا التي اتهمها باحتلال بلاده منذ عشرينيات القرن الماضي، فضلاً عما أراده بوتين تعبيراً عن موقفه من "التقارب المفرط والمبالغ فيه" من جانب باكو تجاه الغرب، وما عقده من اتفاق للسلام والمصالحة مع أرمينيا تحت رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن، وذلك ما تركه لمساعده فلاديمير ميدينسكي الذي التقى في وقت لاحق الرئيس الأذربيجاني في ما هو أقرب إلى المناظرة التي طالت لما يزيد على الساعة، استطاع خلالها ميدينسكي بما أوتي من فصاحة الخطاب وهدوء الكلمة وإلمام تام بكل خفايا وتعرج مسارات التاريخ، أن يجيب عن كل ما أثاره علييف من "أسباب" نسب إليها ما شاب علاقات البلدين من توتر يكاد يطيح بكل ما سبق وحققه البلدان من تقارب وسلام.
وها هو فلاديمير ميدينسكي وزير الثقافة الروسية السابق وعضو مجلس الدوما المتخصص في علوم التاريخ، يكشف مع كل يوم جديد عن الأسباب التي يعزو إليها مراقبون كثر، اختياره من جانب بوتين ليس فقط لرئاسة الوفد الروسي في محادثات السلام مع أوكرانيا، بل الرجوع إليه في كل ما يتعلق بالتاريخ، ومنه ما يتعلق بجذور العلاقة التاريخية التي تجمع الشعبين الروسي والأوكراني على مر التاريخ. ولعل ما قاله هنري كيسنجر عميد الدبلوماسية الأميركية السابق حول "الإيمان الصوفي لبوتين بالتاريخ"، هو أهم ما يجمع بين بوتين وميدينسكي، منذ وقع عليه خياره كوزير للثقافة، ثم مساعداً للرئيس الروسي ضمن فريق مساعديه داخل الكرملين. ومن موقعه الذي اختاره بحكم التخصص والهواية، استمد ميدينسكي ما شهره في وجه خصم موسكو اليوم من "وقائع وبراهين" تساند موقفه في مواجهته مع علييف الذي كشفت احتفالات بكين بالذكرى الـ 80 للنصر على اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية، وما قبلها من قمة رؤساء بلدان منظمة شنغهاي للتعاون، عن مدى انفصاله عن الواقع الراهن على خريطة السياسة العالمية، على رغم كل ما حققه من إنجازات وانتصارات في حربه الأخيرة مع أرمينيا.
فتور في العلاقات
وكانت العلاقات بين روسيا وأذربيجان شهدت فتوراً خلال الأشهر الأخيرة، منذ حادثة تحطم طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الأذربيجانية فوق الأراضي الكازاخية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024. وأفادت باكو بأنها لم تتلقَّ "رداً واضحاً" من الجانب الروسي، بينما ذكرت مصادر لجنة التحقيق الروسية أن "التحقيقات لا تزال جارية". وقررت أذربيجان رفع دعوى قضائية ضد روسيا أمام المحاكم الدولية، للحصول كما صرّح علييف على اعتراف بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة وتعويض عائلات الضحايا، فضلاً عن تحمل خسائر شركة الخطوط الجوية الأذربيجانية جراء فقدان الطائرة.
وجاء التصعيد الجديد على خلفية سلسلة من القضايا الجنائية أثارتها السلطات الأذرية ضد مواطنين من البلدين. ففي يكاترينبورغ، تركز الصراع حول قضية الأخوين سافروف، وهما من أصول أذربيجانية، اللذين اعتقلا بتهمة ارتكاب سلسلة من جرائم القتل والشروع في القتل بين عامي 2001 و2011. كما توفي اثنان من المتهمين في القضية بعد عمليات التفتيش. ووفقاً للجنة التحقيق الروسية، توفي أحدهما نتيجة إصابته بنوبة قلبية، ولم يوافق الجانب الأذربيجاني على هذه النتائج، وأقام دعوى جنائية حول وفاة وتعذيب مواطنيه، ووصف علييف هذا بأنه "عمل غير مسبوق" ضد الشعب الأذربيجاني.
وبعد ذلك بوقت قصير، قامت الشرطة الأذربيجانية بعمليات مداهمات واسعة النطاق في مكتب وكالة "سبوتنيك" الإعلامية الروسية في أذربيجان. كما اعتقل مدير المكتب إيغور كارتافيخ ورئيس التحرير يفغيني بيلاأوسوف بتهمة الاحتيال وممارسة الأعمال غير المشروعة وغسيل الأموال، كما أودع ثمانية روس من قطاع تكنولوجيا المعلومات رهن الاحتجاز بتهمة تهريب المخدرات من إيران، فضلاً عن ارتكاب الجرائم الإلكترونية، كما ظهر المواطنون الروس خلال جلسة المحاكمة بما يبدو على أجسادهم من آثار التعذيب.
موسكو ومسؤولية "احتلال أذربيجان"
وإذ أقرّ الكرملين ببدء فترة صعبة في العلاقات الروسية - الأذربيجانية، تبنى علييف اتهام روسيا بارتكاب جريمة "احتلال بلاده" منذ أبريل (نيسان) عام 1920 وحتى تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق في ديسمبر عام 1991، وهو الاتهام الذي دارت حوله معظم جوانب "المناظرة التاريخية" بين علييف وميدينسكي. وحول هذه النقطة تحديداً دار الحوار طويلاً على مدى ما يزيد على الساعة، أمسك ميدينسكي خلالها بناصية الحديث الذي استهله بتساؤله عن حقيقة قناعة علييف بمثل هذا الاتهام، وقال إنه استمع إلى كل ما يقوله علييف في هذا الشأن، متسائلاً عن مدى يقين الرئيس الأذري من أن روسيا تطاولت على استقلال أذربيجان. كما أسهب ميدينسكي في سرد تاريخ تلك المرحلة التي قال إن الجيش الأحمر السوفياتي لم يقاتل خلالها الأذربيجانيين، بل واجه آنذاك القوات التركية، ومن قبلها القوات البريطانية في أذربيجان، بما يعني أن الأمر لم يكُن "غزواً" كما يقول علييف، على حد ما أشار إليه ميدينسكي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تهمة "الاحتلال"
وعرّج ميدينسكي على ما قد يتسم بالطابع الشخصي، لافتاً إلى أن حيدر علييف، والد الرئيس، كان أحد أركان النظام الذي يتهمه الابن بارتكاب تهمة "الاحتلال"، منذ توليه رئاسة جهاز أمن الدولة "كي جي بي" في أذربيجان، ومنها إلى منصب الأمين الأول للحزب الشيوعي الأذربيجاني، وحتى تصعيده إلى المستوى الأعلى عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي وانتقاله إلى العاصمة موسكو. ورداً على ما علّق به علييف الابن حول أن "منصب الوالد لا يمكن أن يكون حجة في هذا الشأن"، قال ميدينسكي "التاريخ يجب أن ينال قدره من الاحترام والتقدير" وإنه "يستلزم لدى سرده، الدقة والابتعاد من الانتقائية".
وأردف ميدينسكي أن السلطة السوفياتية التي يكيل علييف الابن إليها الاتهام باحتلال أذربيجان هي التي أعطت الشعب الأذربيجاني ما لم يكُن يمتلكه من مصانع، وساهمت في ما حققته أذربيجان من تطور وتنمية كانت الأعلى بين الجمهوريات السوفياتية، وتوقف برهة ليقدم بعدها إلى علييف وثيقة ظهور أذربيجان على خريطة السياسة العالمية مؤرخة في ديسمبر عام 1936. كما أضاف ما نصت عليه المادة 710 من الدستور السوفياتي المعروف تحت اسم "دستور بريجنيف" من حرية خروج الجمهوريات السوفياتية من الاتحاد "الفيدرالي"، وكانت أذربيجان انضمت إلى اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية ضمن "اتحاد جمهوريات ما وراء القوقاز مع كل من جورجيا وأرمينيا" في الـ12 من مارس (آذار) عام 1922 الذي جرى حله في ديسمبر عام 1936، مقدمة لظهور تلك الجمهوريات الاتحادية منذ ذلك التاريخ.
ولم يتوقف ميدينسكي عند هذا التاريخ، بل تجاوزه إلى ما بعده بكثير، بإشارته إلى أن الدولة التي يتهمها علييف باحتلال بلاده، هي التي شدّ الرحال إلى عاصمتها ليحصل على تعليمه العالي من إحدى أبرز مؤسساتها التعليمية، "معهد العلاقات الدولية" التابع لوزارة الخارجية السوفياتية.
وكان علييف أدلى بحديث إلى قناة "العربية" اتهم فيه روسيا بارتكاب جريمة "احتلال" بلاده، وطالب بحق أذربيجان في الحصول على تعويضات مالية عن هذه الفترة، مؤكداً مشروعية مشاركة الدول الأوروبية في ما جرى احتجازه من أرصدة روسيا المالية في الخارج منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية عام 2014. ومن المعروف أن الدول الغربية قررت تجميد أصول البنك المركزي الروسي في الخارج والتي تبلغ ما قيمته زهاء 300 مليار دولار وهي الأموال التي ثمة من يقول بضرورة تحويلها إلى حساب تعويضات أوكرانيا كمساهمة في إعادة بناء ما لحق بها من دمار إبان سنوات الحرب الروسية - الأوكرانية.
لقاء بوتين مع باشينيان
وعلى رغم توتر العلاقات الروسية - الأرمينية منذ هزيمة القوات الأرمينية وتسليمها بعودة "جمهورية قره باغ" للسيادة الأذرية في أعقاب الحرب الثانية بين البدين عام 2020، وما بدا من تحول في سياسات يريفان عقب نجاح نيكول باشينيان و"ثورته الملونة" في الإطاحة بالنظام السابق، وما أعقبه باعتقال صمويل كارابيتيان رجل الأعمال الأرميني الأصل والروسي الجنسية في يريفان واتهامه بالوقوف وراء الاضطرابات التي اجتاحت العاصمة يريفان، ومحاولة تدبير انقلاب ضد النظام الحالي في أرمينيا، اتسم لقاء بوتين مع باشينيان بحميمية، وإن بدت في جوهرها "خالية من الدسم"، إذا جاز مثل هذا القول. وأكد الزعيمان خلال لقائهما الذي جرى على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تيانجين الساحلية الصينية، أهمية المناقشات الثنائية والإقليمية والدولية، في وقت حرصا على الإشادة بجهود البلدين الرامية الى إرساء السلام في جنوب القوقاز وتعزيز التعاون الاقتصادي، في إطار الحفاظ على دور موسكو كوسيط في المنطقة، بخاصة بعد التوترات الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان.
جنوب القوقاز
ومن اللافت في هذا الصدد أن لقاء بوتين مع باشينيان جرى في توقيت قريب من لقاء زعيمي أرمينيا وباكستان وللمرة الأولى منذ إعلان أرمينيا استقلالها عام 1991، وهو اللقاء الذي جرى خلاله التوقيع على اتفاق حول إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد فترة طويلة كثيراً ما اتسمت بها علاقات أرمينيا مع كل من تركيا وأذربيجان وباكستان بالتوتر الشديد، بسبب دعم باكستان التاريخي أذربيجان في النزاع حول مقاطعة قره باغ، في وقت وقفت أرمينيا إلى جانب الهند تأييداً لما أعلنته حول "قضية كشمير"، بينما كانت باكستان تقليدياً متحالفة مع أذربيجان وتركيا.
وها نحن أمام تغير المشهد الجيوسياسي في جنوب القوقاز، ما يتمثل في تقارب أرمينيا مع باكستان وفي ما تتسم به العلاقة بين روسيا وأذربيجان من برود وتوتر يتجاوز الحدود في بعض جوانبه، وما هو على النقيض منه في ما نشهده من "تقارب" بين بوتين وباشينيان وما تسجله روسيا من تقدم على طريق استعادتها كثيراً من أوراقها، تأكيداً على أنها لا تزال الفاعل الرئيس في المنطقة.