Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تندلع ثورة البنزين في لبنان؟

تعمدت حكومة سلام إقرار الضريبة على الوقود بسبب المردود السريع

الضريبة على البنزين تُشعل الميدان في لبنان (اندبندنت عربية)

ملخص

أشعلت "ضريبة البنزين" الشارع في لبنان، فمع ساعات الصباح صدّرت التعرفة الجديدة للبنزين التي أقرت زيادة 4 دولارات أميركية على الصفيحة دفعة واحدة، إذ تهدف تلك الزيادة إلى تأمين مبلغ 800 مليون دولار أميركي، وهو الكلفة الإجمالية لزيادة موظفي القطاع العام والمتقاعدين.

تقدم الوضع المعيشي على ما سواه في لبنان عقب قرار الحكومة "رفع الضريبة على البنزين"، وحرّك معه الشارع وإن بصورة خجولة، إذ لم ترتق الاحتجاجات بعد إلى مرتبة تهديد التماسك الحكومي.

ودخل القرار بسرعة فائقة موضع التنفيذ فشهد سعر صفيحة البنزين ارتفاعاً بقيمة 360 ألف ليرة لبنانية (نحو أربعة دولارات) أي ما يربو على 22 في المئة زيادة على قيمتها السوقية، فيما ينتظر قرار رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة واحد في المئة موقف الكتل النيابية التي يقع عليها عبء درس الاقتراح ومن ثم إقراره، والمواءمة بين الضرورات التمويلية والانعكاسات الاقتصادية والنقدية والحسابات الشعبية والانتخابية الراجحة.

القرار الصدمة

صادماً جاء قرار الحكومة بزيادة 300 ألف ليرة لبنانية (3.35 دولار) على شريحة البنزين، واقتراح رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة واحد في المئة بذريعة تأمين المداخيل لتغطية زيادة الرواتب لموظفي القطاع العام والمتقاعدين الذين يقدر عددهم بـ 400 ألف موظف حكومي، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حالاً من الرفض والسخط على القرارات الحكومية التي تمس مختلف الشرائح الاجتماعية، فيما نزل المحتجون إلى الأرض وقطعوا الطرقات لفترات محدودة في طرابلس وجسر الرينغ في بيروت وخلدة وزحلة، وأضرموا النار في الإطارات مهددين بتصاعد التحركات الشعبية حال عدم عودة الحكومة عن إجراءاتها الضريبية.

ولاقت القرارات الحكومية بصيغتها الراهنة رفضاً من الفئة التي تذرعت الحكومة بزيادة رواتبهم بمعدل ستة رواتب، والتي تتراوح قيمتها ما بين 120 و200 دولار أميركي، فسخر هؤلاء عبر "اندبندنت عربية" من القرارات، إذ تقول زينة "لا نريد زيادة على الرواتب بهذا الشكل، فالحكومة تأخذ باليمين ما تُعطينا إياه باليسار، وهي تحمّل موظفي القطاع العام مسؤولية الضرائب على جميع الفقراء"، فيما يشير أحمد إلى أن "الحكومة تستسهل مد يدها على جيب الفقير من خلال فرض ضريبة البنزين، بينما الأغنياء ممنوع المساس بهم لأن هناك شبكة مصالح مشتركة".

 

وفي وقت حاولت الكتل النيابية التبرؤ من قرارات الحكومة ووصفها بأقبح النعوت، صارح رئيس الحكومة نواف سلام اللبنانيين من طرابلس الميناء قائلاً "اضطررنا إلى زيادة سعر البنزين ولكننا ألغينا الزيادة على المازوت الذي يطاول الفئات الفقيرة"، مضيفاً "نريد أن تصل حقوق موظفي القطاع العام إلى أصحابها، ونسعى إلى تحسين جباية الضرائب والرسوم الجمركية وإصدار أوامر تحصيل للكسارات وإعادة درس الأملاك البحرية، إضافة إلى اعتماد ضريبة على القيمة المضافة تطاول الأغنياء".

من جهته أكد وزير المالية اللبناني ياسين جابر أن "صندوق النقد الدولي كان واضحاً بعدم وجوب اتجاه لبنان إلى إقرار زيادات من دون تأمين مداخيل كي لا نعود للأزمة السابقة"، مضيفاً "وصلنا إلى أزمة متصاعدة وقطاع عام مشلول يعاني، وكان لا بد من قرار، وكان من الضروري أيضاً اتخاذ خطوات من أجل تحقيق التوازن وتغطية بعض المطالب، والقرارات الحكومية ستؤمن 620 مليون دولار أميركي"، لافتاً إلى أن "موظفي القطاع العام يحصلون على صفائح بنزين وبالتالي فغير صحيحة مقولة أعطيناهم من ميل وأخذنا من ميل آخر"، مضيفاً "اتخذنا القرار بتطبيق الزيادة على البنزين فوراً لمنع السوق السوداء، أما تنفيذ الضريبة على القيمة المضافة فيحتاج إلى قانون ولن يجري بصورة فورية".

إرباك عام

وأحدث قرار الحكومة حالاً من الاضطراب على المستوى اللبناني العام حيث يسود انطباع أن الحكومة بحثت عن مورد سريع ومحقق من دون درس للآثار بعيدة الأجل على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وأنها اختارت الحلقة الأضعف وتجاهلت حقوق الأقوياء اقتصادياً وأصحاب السلطة.

ويعتقد النائب إبراهيم منيمنة أن "زيادة أجور القطاع العام هي حق بعد تآكل قيمتها والقدرة الشرائية في أعقاب انهيار سعر الصرف من 1500 ليرة لبنانية إلى 89500 ليرة لقاء الدولار الأميركي الواحد"، وقال في تصريح خاص "كان لا بد من تحرك حكومي لمعالجتها إلا أن الخطوة كانت صادمة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، واتجاه غالبية الشبان إلى الهجرة، وجاءت الضريبة لتنصب على الفئات الأكثر فقراً وهشاشة، إذ تساوي الضرائب بين أصحاب القدرة والمحتاجين"، متوقعاً حدثاً ضخماً عظيماً ضاراً بالجميع، وتراجع القيمة الشرائية و"كأن الزيادة لم تكن"، مشدداً على أن "قرار الزيادة على القيمة المضافة سيحتاج إلى مصادقة مجلس النواب، فيما ضريبة البنزين أصبحت نافذة، وهناك مشكلة بسبب التزام الحكومة تجاه شريحة كبيرة من الموظفين".

 

ونبّه منيمنة إلى أن "لدى الحكومة تراكماً للجبايات بقيمة 9 مليارات دولار، وكان بإمكانها الانطلاق منها ريثما تجد حلولاً تمويلية أخرى من خلال تأمين مداخيل إضافية عبر ضرائب على المقتدرين والثروة والدخول المرتفعة، وزيادة الجبايات من الجمارك وبدء إعادة الهيكلة الضريبية"، مضيفاً "لا بد من استحقاق الإصلاح وإلا سنكون أمام تحميل أعباء إضافية للفئات الضعيفة".

النقابات على الأرض

وتنذر التحركات الميدانية في طرابلس وبيروت بتنظيم تحركات شعبية أكبر خلال الأيام المقبلة، وهنا كشف رئيس اتحاد نقابات العمال في لبنان مارون الخولي عن "اجتماعات خلال الأيام المقبلة من أجل تنظيم التحركات في مختلف المناطق اللبنانية للرد على القرارات الحكومية القاسية"، عازياً أسباب ضعف التحركات الشعبية إلى أنه "لا توجد في لبنان تجمعات صناعية كبرى تضم آلاف الأُجراء، ولا يمكن توقع تحركات شعبية خلال يوم عمل طبيعي، ومن دون وجود قرار من الاتحاد العمالي العام بالإضراب العام من قبل المجلس التنفيذي".

ورداً على سؤال حول الموقف النقابي من الزيادة الضريبية، أكد الرئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في لبنان أن "القرار مسّ العمال في الصميم، وهي أشبه ما تكون بتوجيه المسدس إلى قلب الفرد"، متسائلاً "كيف يمكن لحكومة مجتمعة أن تأخذ قرار إعدام القدرة الشرائية للمواطنين"، متابعاً أن "الزيادات ستؤدي إلى اقتطاع 100 دولار إضافية من المعاش المقدر بـ 320 دولاراً وفق الحد الأدنى للأجور، أي أن الزيادة الضريبية تساوي ثلث الدخل وجاءت في غياب النقل العام، وبالتالي فإنها ستمس الجميع بمعدل أربعة دولارات إضافية عن كل صفيحة بنزين، إضافة إلى زيادة بواحد في المئة على ضريبة القيمة المضافة، من دون أية دراسة جدوى اقتصادية واجتماعية".

 

واعتبر الخولي أن "الحكومة كانت تبحث عن مداخيل بقيمة 800 مليون دولار لتأمين زيادة الأجور، واستسهلت من خلال قرار غبي المساس بلقمة الفقراء وخبز الأُجراء، لأن الدولارات الأربعة تساوي خمس ربطات خبز، أي قوت عائلة بأكملها، وبالتالي فإن الحكومة تسير وفق المصالح وحماية منظومة الفساد واستمرار النهج التجويعي".

آثار اقتصادية في العمق

وتثير "ضريبة البنزين" كثيراً من المخاوف الاقتصادية والاجتماعية بوصفها عنصراً محفزاً للحال التضخمية، وبالعودة لجلسات مناقشة موازنة عام 2026 يؤصل المتخصص الاقتصادي منير يونس للقرار الحكومي عندما أصر نواب على زيادة أجور موظفي القطاع العام والمتقاعدين، ودفعوا الحكومة نحو الالتزام بزيادة الأجور قبل نهاية فبراير (شباط) الجاري، مشيراً إلى أن "الموظفين أصحاب حق لأن أجورهم خسرت قيمتها الحقيقية، ولم تصل إلى مستوى 30 في المئة مما كانت عليه في السابق".

ويكمل بأن "وزير المال ياسين جابر تعهد بزيادة الأجور ما بين أربعة وستة رواتب من دون أن تدخل في أساسه، وتقدر الكلفة بـ 800 مليون دولار أميركي"، لافتاً إلى أن "الوزير التزم بعدم إقرار أي إنفاق دون تأمين الإيرادات"، وبالتالي كانت الحكومة بين خياري اللجوء إلى ضرائب على عموم المواطنين من خلال ضريبة المحروقات والقيمة المضافة، أو فرض ضرائب مباشرة على أصحاب القدرة والملاءة المالية من أصحاب الشركات والأغنياء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب يونس "فقد لجأت الحكومة إلى الضرائب العمياء التي لا تميز بين الغني والفقير"، منوهاً بأن "اعتماد الدول الليبرالية للضرائب كان على أصحاب القدرة، إذ تشكل الضرائب على الرساميل ما بين 30 و40 في المئة من الواردات الحكومية، فيما لا تشكل في لبنان 10 في المئة، ومن هنا لا يعد النظام الضريبي عادلاً في البلاد لأنها صديقة الشركات وأصحاب الرساميل والقطاع الخاص"، معتقداً أن "الحكومة اعتمدت الطريق الأسهل للجباية لأن الضرائب على أصحاب الرساميل دونها محاذير، وهي تحتاج إلى إدارة ضريبية شفافة ودوائر متخصصة، ناهيك عن خطر هرب الرساميل".

من جهة أخرى يتطرق يونس إلى آثار الزيادات الضرائبية التي تولّد الحال التضخمية، لأن "الزيادة على البنزين تؤدي إلى تآكل المداخيل وزيادة أعباء نقل البضائع وغلاء السلع بسبب ارتفاع كلفة النقل وغلاء السلة الاستهلاكية"، واصفاً "الزيادات بالحركة الاحتيالية، إذ سيلتهم التضخم تلك الزيادات المقررة على أجور القطاع العام"، مشيراً إلى "تعليمات صندوق النقد الدولي التي تطالب بإعادة هيكلة القطاع العام بسبب تجاوز كلفة الرواتب 50 في المئة من الموازنة العامة، وستصل مع الزيادات المقررة إلى مستوى 60 في المئة، إذ "ينصح صندوق النقد بإعادة الهيكلة وتحديث الإجراءات الإدارية واعتماد الحكومة الالكترونية التي تُقلل الرشوة والفساد وكلفة الأجور".

وخلص يونس إلى أن "هناك شرائح اجتماعية لن تتأثر بالزيادات الضريبية لأن الطبقة الغنية تمتلك القدرة المالية العالية، أما التأثير الشديد فسيكون في أبناء الطبقات الفقيرة الذين يشكلون أكثر من 35 في المئة من اللبنانيين، بحسب تقديرات وزارة الشؤون الاجتماعية، وأبناء الطبقة الوسطى بسبب غلاء كلفة النقل"، معتبراً أن "الحكومة كان بإمكانها البحث عن مصادر دخل جديدة مثل المقالع والكسارات والأملاك البحرية المعتدى عليها من القطاع الخاص والتي تقدر مساحتها بـ 6 ملايين متر مربع، وهي المصادر التي لم تأت الحكومة على ذكرها لأن الدولة تحسب حساب الهيئات الاقتصادية والتجارية القوية".

المزيد من متابعات