ملخص
الوقت ينفد في غزة، إذ يواصل الجيش الإسرائيلي حصاره وقصفه وسط شروط إسرائيلية تعجيزية لوقف إطلاق النار، فيما يلوح خطر مباشر على حياة الرهائن ويعمق الانقسام الداخلي في إسرائيل مع تزايد الخسائر البشرية ورفض جنود الاحتياط الخدمة. النتيجة كارثية: أكثر من 64 ألف قتيل فلسطيني، مجاعة ونزوح شبه كامل للسكان، واتهامات دولية متصاعدة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، بينما يبقى وقف إطلاق النار السبيل الوحيد لإنقاذ الأرواح.
نفد الوقت بالنسبة إلى غزة وكل المرغمين على تحمل الجحيم الكارثي في ما عدا أطلال القطاع المحاصر.
فلا يمكن إنقاذ أرواح المدنيين الفلسطينيين المتبقين كما الأسرى والمحتجزين لدى مقاتلي "حماس"، سوى من خلال وقف إطلاق نار فوري يليه فتح الطريق تماماً أمام دخول كميات ضخمة من المساعدات.
لكن من خلال حوارات متعددة مع دبلوماسيين غربيين، ومصادر مقربة من الأطراف كافة وأشخاص على الأرض، يبدو أن هناك طريقتين فقط لتحقيق هذه الغاية.
أولهما انتفاضة قوية بما يكفي داخل إسرائيل التي تشهد في الوقت الحالي تظاهرات شبه يومية ضد قرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتوسيع العمليات العسكرية وإرسال قوات لاحتلال مدينة غزة.
وثانيهما هي أن يتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أهم حلفاء إسرائيل وأكثر طرف يزودها بالسلاح، قراراً بالتدخل. لكن حتى الآن، فقد رفض تماماً القيام بذلك.
قدمت الحكومة الإسرائيلية وأصرت على خمسة شروط رئيسة لإنهاء الحرب فوراً، من ضمنها أن على "حماس" إطلاق سراح الأسرى الـ50 المتبقين وإلقاء السلاح، وأن تكون غزة منطقة منزوعة السلاح وخاضعة للسيطرة الأمنية العسكرية بصورة كاملة.
كما أكدت إسرائيل أنه لن يسمح لا لحركة "حماس" ولا للسلطة الفلسطينية، المتمركزة في الضفة الغربية والمعترف بها دولياً، أن تكون جزءاً من أية سلطة حاكمة مستقبلية في غزة.
حتى مع هذه الشروط، فإن الأهداف العسكرية لنتنياهو في السيطرة على مدينة غزة تبقى أولوية لا يمكن التراجع عنها، بحسب مصادر مطلعة على موقف حكومته، وهذا أيضاً ما تخشاه غالبية عائلات الرهائن.
وكما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ليس نتنياهو في عجلة من أمره للقيام بخطوة كبيرة، لأن "استمرار الوضع الحالي يخدمه جيداً من الناحية السياسية، ولذلك، ما دام لا يواجه نتنياهو أي ضغط أميركي حقيقي من أجل إنهاء الحرب، لا يمكن أن تلوح بوادر أي اتفاق".
وقد أبلغني أشخاص مطلعون على محاولات التفاوض في شأن الهدنة أنه جرى عمداً جعل الشروط الخمسة المفروضة على "حماس" مستحيلة القبول، خصوصاً مع عدم تقديم أي وعود مقابلة، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي تقدمه على الأرض ويكثف قصفه المستمر منذ 22 شهراً.
يتضح ذلك أكثر بالنظر إلى تصريحات وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي قال إن هدف الهجوم الجديد هو "غزو قطاع غزة والسيطرة على أراضيه"، وإن غزة يجب أن "تدمر بالكامل"، وعلى الفلسطينيين أن يغادروها "بأعداد كبيرة إلى دول ثالثة".
بما ينطوي عليه من دلالات على ارتكاب جرائم حرب، يحمل تداعيات بالغة الخطورة، وقد دانه وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد لامي، الذي كان مقرراً أن يزور قطر والإمارات والسعودية الأسبوع المقبل. وأي وفد بريطاني يوفد بدلاً منه سيحاول بلا شك التباحث مع الدوحة، الوسيط الرئيس في المفاوضات، حول أي مسار نحو وقف إطلاق النار.
تواجه بريطانيا ودول أوروبية أخرى ضغوطاً متزايدة لاتخاذ خطوات إضافية، من بينها محاولة إقناع ترمب، وفرض حظر سلاح خاص بها على إسرائيل، وإلغاء اتفاقات تجارية معها. لكن، من دون أن تقود الولايات المتحدة هذه الجهود، فهل سيتغير شيء؟
وفي يوم الجمعة، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت من أن إسرائيل تفتح "أبواب الجحيم" في غزة.
الجيش الإسرائيلي يحاصر بالفعل الأحياء المتبقية من مدينة غزة، ويمطر بالقنابل مناطق قالت لي عائلات فلسطينية إنها تحاول يائسة الفرار منها، من دون أن تجد مكاناً آمناً تلجأ إليه.
وفي خضم ذلك، أبلغ الجيش الإسرائيلي بالفعل عائلات الرهائن المتبقين بأن عملية غزة "ستزيد الخطر على الرهائن الأحياء وتهدد بضياع جثامين الرهائن المتوفين إلى الأبد".
وفي بيان مشترك، قالت العائلات إنها "قلقة بصورة عميقة" من أن العملية العسكرية تضع أحباءهم "في خطر مباشر وداهم".
وأضافوا: "نصاب بالذهول من قرار رئيس الأركان الانخراط في حرب غير ضرورية، خصوصاً وأنه نفسه يؤمن بأن الأهداف ذاتها يمكن تحقيقها بوسائل لا تعرض الرهائن والجنود للخطر".
وأكدوا: "هناك صفقة مطروحة على الطاولة، وهي الكفيلة بإعادة آخر رهينة، وهي ما سينهي الحرب".
تتزايد مؤشرات المعارضة من داخل إسرائيل، حيث يشعر السكان بقلق متنام إزاء ارتفاع حصيلة قتلى الجنود الإسرائيليين (غير المسبوقة بالنسبة إلى إسرائيل)، وإزاء تزايد عزلتها الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما قيل لي إن هناك موجة متصاعدة من رفض جنود الاحتياط الالتحاق بالخدمة، فيما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنه في آخر هجوم كبير مطلع هذا العام، تخلف نحو 30 ألف جندي عن الالتحاق.
كثيرون، بينهم قادة سابقون في الجيش وأجهزة الاستخبارات، لا يعتقدون أن ثمة سبيلاً للانتصار في هذه الحرب كما وعد نتنياهو، والتكاليف باهظة للغاية.
أما على الجانب الآخر، فقد أسفر القصف الإسرائيلي على غزة عن مقتل أكثر من 64 ألف فلسطيني، وفق سلطات الصحة، وأدى إلى مجاعة، بحسب مرصد الجوع العالمي المدعوم من الأمم المتحدة، وشرد ما يقرب من كامل سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة.
وأعلنت هذا الأسبوع أكبر منظمة مهنية تضم باحثين في دراسات الإبادة الجماعية أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، لتنضم بذلك إلى صفوف المنظمات الحقوقية التي أعربت منذ وقت طويل عن القلق نفسه.
قد تنفي الحكومة الإسرائيلية كل ذلك، لكن نفيها بات يبدو أضعف فأضعف.
الوضع لم يعد خطراً أو كارثياً فحسب، بل تجاوز كل وصف. فما يحدث، وما حدث بالفعل، في غزة وصمة سوداء في التاريخ، وستمتد تداعياته لأجيال مقبلة.
لقد آن الأوان لإنهاء هذا الكابوس.
© The Independent