ملخص
أشار مسؤولون في جهاز (الشاباك) إلى أن "بقاء السلطة الفلسطينية يخدم في النهاية مصالح إسرائيل"، وطالبوا باتخاذ خطوات لمنع انهيارها، بما في ذلك إعادة الأموال التي قرر بتسلئيل سموتريش وقف تحويلها، ويتوافق ذلك التقييم والتحذير الأمني الإسرائيلي مع تحذير واشنطن من أخطار انهيار الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية في موقف غير مألوف لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
بعد وصول السلطة الفلسطينية إلى حافة الانهيار المالي بسبب الإجراءات الإسرائيلية، حذرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من إمكان "تفككك" تلك السلطة، وذلك بعد أيام على تحذير الإدارة الأميركية من أن تؤدي تلك الإجراءات إلى انتشار "اليأس بين الفلسطينيين، وتصعيد أمني في الضفة الغربية".
وتسبب وقف إسرائيل الكامل تحويل أموال المقاصة منذ أربعة أشهر في عجز الحكومة الفلسطينية عن القيام بمهامها والعجز عن دفع رواتب موظفيها وتأمين الموارد المالية في ظل تشكيل تلك الأموال نحو 68 في المئة من إيرادات تلك الحكومة.
ومع أن تل أبيب أصبحت تحتجز أكثر من 50 في المئة أموال المقاصة منذ نحو سنتين، فإن سياسة احتجاز تلك الأموال تعود إلى أكثر من خمس سنوات.
ووصلت المبالغ التي تحتجزها وزارة المالية الإسرائيلية من أموال الفلسطينيين منذ بدء تلك السياسية في سنة 2019 إلى أكثر من 2.5 مليار دولار. وبدأت تلك السياسة عبر خصم الأموال التي تدفعها الحكومة للأسرى وذوي القتلى الفلسطينيين قبل أن تشمل المخصصات المالية المخصصة لقطاع غزة منذ بدء الحرب الحالية على القطاع قبل نحو سنتين.
ومع استفحال تلك الإجراءات تعجز الحكومة الفلسطينية عن دفع حتى جزء من رواتب موظفيها، على رغم أنها تصرف منذ خمس سنوات الرواتب بصورة غير كاملة في ظل تراكم ديونها على شركات التوريد والمستشفيات الخاصة.
ويصر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش على عدم تحويل أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية طالما استمرت بتمويل "العنف والتحريض، وما لم تلغ بشكل قاطع مخصصات الأسرى، ولم توقف تحركاتها القانونية الدولية في المحاكم الدولية ضد إسرائيل".
وكانت إسرائيل أوقفت قبل أشهر تحويل أموال المقاصة بصورة كاملة بسبب موجة الإعلانات الدولية بالاعتراف بدولة فلسطين، لكن جهاز "الشاباك" الإسرائيلي عارض تلك السياسية، وحذر المسؤولين السياسيين الإسرائيليين من "ظهور بوادر تفكك للسلطة الفلسطينية، وهو ما سيزيد من الفوضى، وخطر اشتعال الأوضاع في الضفة الغربية".
وأشار مسؤولون في الجهاز (المسؤول عن الوضع الأمني في الضفة الغربية) إلى أن "بقاء السلطة الفلسطينية يخدم في النهاية مصالح إسرائيل"، وطالبوا باتخاذ خطوات لمنع انهيارها، بما في ذلك إعادة الأموال التي قررت سموتريش وقف تحويلها.
ويتوافق ذلك التقييم والتحذير الأمني الإسرائيلي مع تحذير واشنطن من أخطار انهيار الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية في موقف غير مألوف لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وأبلغ السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكبي مسؤولين إسرائيليين بأن إدارة ترمب "تشعر بقلق بالغ من احتمال انهيار اقتصادي للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية".
وحذر هاكابي من أن يؤدي ذلك إلى "تصعيد أمني واسع"، مضيفاً أن "انهيار الاقتصاد الفلسطيني لن يكون انتصاراً لأحد، بل سيؤدي إلى مزيد من اليأس والتوتر، والناس اليائسون يقومون بخطوات يائسة".
لكن هاكابي شكك في الإجراءات الأخيرة للسلطة الفلسطينية في شأن وقف صرف رواتب للأسرى الفلسطينيين، وذلك عقب تغيير الريس الفلسطيني محمود عباس آلية صرفها.
واعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تعمل على "تقويض السلطة الفلسطينية، بسبب ما تمثله من مشروع وطني قائم على حل الدولتين".
وتوعد سموتريش قبل أيام "بإيجاد بديل عن السلطة الفلسطينية عبر إيجاد مجالس حكم محلية لمدن الضفة الغربية بعد ضم نحو 82 في المئة منها لإسرائيل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح مجدلاني لـ"اندبندنت عربية" أن الحكومة الإسرائيلية "تريد إيجاد سلطات غير مركزية وحكم إداري برعاية وإشراف أمني إسرائيلي، باعتباره الحل الأفضل بعد بسط السيادة الإسرائيلية على كل الأراضي الفلسطينية".
ومع أن مجدلاني أشار إلى أن المال عنصر أساس لتقويض السلطة، فإنه أشار إلى "وجود عناصر أخرى مثل مصادرة الأراضي والاستيطان والاجتياحات اليومية لقلب المدن الفلسطينية، وإعطاء الضوء الأخضر لهجمات المستوطنين على الفلسطينيين".
وبحسب عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فإن "أهم عنصر في تلك السياسية هي محاولات تفكيك السلطة الفلسطينية من خلال إضعاف قدرتها على القيام بمسؤولياتها تجاه الفلسطينيين، إذ يأتي ضبط الأمن باعتباره الالتزام الأول".
وأضاف مجدلاني أن ذلك "قد يؤدي إلى خلق الفوضى، وهو ما يؤثر في أمن الإسرائيليين"، إلا أن مجدلاني أشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية "تعتقد أن عزل المدن والقرى وإغلاقها والاقتحامات اليومية يسهم في ضبط الأمن"، ووفق المتحدث نفسه فإن إسرائيل لا تريد إعلان إنهاء السلطة الفلسطينية، لكنها تسعى إلى دفعها إلى ذلك.
لكن المسؤول الفلسطيني شدد على أن قيام وإنهاء السلطة الفلسطينية لا يعود لإسرائيل، مضيفاً أن تلك السلطة "جاءت نتيجة نضال الشعب الفلسطيني، وتوافق دولي باعتبارها آلية لحفظ الاستقرار في المنطقة".
وحول التباين بين المستوى الأمني والسياسي في إسرائيل أشار مجدلاني إلى أنه واسع لأن السياسي تحكمه المصالح السياسية والأيديولوجية في ظل سعي اليمين المتطرف إلى توسيع قاعدته الانتخابية مع التوقعات بعدم وصول حزب سموتريش إلى نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة.
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية أمير مخول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "يتبنى منذ عقود نهجاً لإضعاف السلطة الفلسطينية، وليس تقويضها مع إبقاء الهيمنة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية".
وأشار مخول إلى أن التحذيرات الأميركية والأمنية الإسرائيلية من انهيار السلطة "سيكون لها تأثير في سير نتنياهو باتجاه وقف مزيد من الإجراءات للضغط من أجل إضعاف السلطة"، وأوضح أن واشنطن تدرك أن "الثمن السياسي بسبب إجراءات حكومة اليمين المتطرف "سيكون أثراً كبيراً في رؤية ترمب لتحقيق السلام بين إسرائيل ودول عربية، وفي مصير (اتفاقات أبراهام)".
ومن هنا يأتي وفق مخول "ارتفاع الأصوات الجنونية لليمين المتطرف"، مشيراً إلى أنه "دليل على تردد نتنياهو في فرض الضم للضفة والمضي باتجاه تفكيك السلطة الفلسطينية".
وأوضح الباحث في الشؤون الإسرائيلية أن محاولات الضم وتفكيك السلطة الفلسطينية "خطوات استراتيجية كبيرة لن تكون إسرائيل قادرة على دفع أثمانها، باعتبار أن واشنطن هي مفتاح القرارات الاستراتيجية الإسرائيلية"، وأشار إلى أن الموقف الأميركي يتأثر "بالتحولات الدولية بخصوص القضية الفلسطينية من دول كبيرة لها نفوذ على القرار الأميركي مثل بريطانيا وكندا وفرنسا وأستراليا".
ومع أن مخول أشار إلى أن ترمب "لن يتخلى عن نتنياهو، أوضح أنه لم يدعم كل خطواته الاستراتيجية بسبب مصالح ترمب مع دول الخليج العربي في ظل بروز نظام عالمي جديد تكون الصين قطباً أساس فيه".
واعتبر المحلل السياسي جهاد حرب أن الضغوط الأميركية والدولية على حكومة نتنياهو تأتي بعد وصول السلطة الفلسطينية إلى حافة الانهيار، لكن حرب أشار إلى أن سموتريش "يبتز سياسياً نتنياهو لفرض مزيد من الإجراءات الاستيطانية في الضفة الغربية".
ورجح حرب اضطرار إسرائيل إلى تحويل جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة في ظل الضغوط المتعددة، وأوضح أن السلطة الفلسطينية "لن تنخرط في أي مواجهة مسلحة مع إسرائيل، بسبب رغبة الأخيرة استغلال ذلك من أجل تدميرها لأنها ترى فيها كياناً سياسياً له طموح سياسي لإقامة دولة فلسطين".
ووفق حرب فإن السلطة الفلسطينية "ستواصل المعركة القانونية والدبلوماسية ضد إسرائيل، بخاصة للحصول على الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، وترسيخ مكانتها القانونية حول العالم".