ملخص
تعاملت إسرائيل مع اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن، إضافة إلى اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، على أنها "هدايا مجانية" والاتفاقيات الإبراهيمية لن تجدي نفعاً في صرف نظر تل أبيب عن مشروع إسرائيل الكبرى
الخطوة الأولى للسلام بين العرب وإسرائيل كان خطاب الرئيس المصري أنور السادات أمام الكنيست في نوفمبر (تشرين الثاني) 1977، الذي قال فيه لقادة الدولة التي حاربتها مصر قبل 4 أعوام من الخطاب إن "السلام لن يكون اسماً على مسمّى، ما لم يكن قائماً على العدالة، وليس على احتلال أرض الغير"، وأن على إسرائيل أن تتخلى نهائياً عن أحلام الغزو والتوسع. لكن نداء السادات أثبتت السنوات الـ48 الماضية أنه لم يجد صدى في إسرائيل، فبينما اتسعت دائرة اتفاقيات السلام لتشمل رسمياً 6 دول عربية، لم تثن تلك الاتفاقات رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التصريح برغبته في تحقيق "رؤية إسرائيل الكبرى"، التي تعني التوسع في الدول العربية المجاورة.
وعلى مدى عقود ظلت رغبة إسرائيل في التوسّع هو "السر المعلن"، فكتابات المنظرين للفكر الصهيوني والمؤرخين اليهود اختلفوا حول حدود "الأرض الموعودة"، لكن السمة التي تجمعهم أن إسرائيل التي يحلمون بها تتخطى بكثير أراضي فلسطين التاريخية، وربما تمتد لتبتلع دولاً عربية كاملة، وأخيراً أخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تلك المخططات إلى أقصى درجة من العلانية، إذ تحدث صاحب أرفع سلطة سياسية في إسرائيل عن التزامه بـ"إسرائيل الكبرى".
خطط استراتيجية
وعلى رغم أن إسرائيل تحتفظ رسمياً بعلاقة سلام وصداقة مع كل من مصر والأردن، فإن تصريح نتنياهو حول مخطط يهدد سيادة الدولتين على أراضيهما صدم الكثيرين، ودفع إلى تنديد واسع من دول عربية ومنظمات عربية وإسلامية بالمخطط الذي كان يرى البعض أنه محض آراء متطرفة، إلا أن نتنياهو أكد أنها سياسة دولة.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي جاءت في مقابلة مع "قناة "i24 الإسرائيلية، إذ قال إنه يؤمن بـ"الرؤية" التي عرضها عليه مذيع البرنامج، بعدما قدّم له خريطة لما وصفها بـ"أرض الميعاد". مضيفاً أنها "إسرائيل الكبرى".
ترتكز رؤية "إسرائيل الكبرى" على نص توراتي يعد "بني إسرائيل" بأرض تمتد "من نهر مصر إلى نهر الفرات"، وهو ما تُفسّره بعض التيارات اليهودية المتطرفة على أنه مبرر ديني لامتلاك مساحات شاسعة تشمل أراضي من مصر والأردن وسوريا والعراق ولبنان والسعودية، إلى جانب فلسطين بالكامل. بينما يرى مفكرون يهود آخرون أن إسرائيل الكبرى أصغر نطاقاً، لتشمل سيناء المصرية وفلسطين التاريخية وأراضي من لبنان وسوريا والأردن.
وعلى رغم عدم تبني تلك الرؤية رسمياً من الحكومات الإسرائيلية فإن سياسات التوسع الاستيطاني زادت من الشكوك بأن إسرائيل تنفذ المخطط من دون إعلان، ثم أتت تصريحات نتنياهو لتؤكد ما كان واضحاً بالأساس. وتحذر الدول الداعمة لحل الدولتين من سياسات الاستيطان، وضم الأراضي الواقعة في المناطق المحتلة ضمن حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، باعتبارها تنهي أي أمل في حصول الفلسطينيين على دولتهم لإنهاء الصراع الممتد منذ عقود.
يصف المحلل السياسي الفلسطيني، أكرم عطا الله، مشاريع التوسع الإسرائيلية بأنها "ليست طارئة"، بل خطط استراتيجية ممتدة منذ نشأة الحركة الصهيونية. لافتاً إلى رمزية علم إسرائيل الذي يمتد بين خطي نهر النيل والفرات، في إشارة إلى حدود تعتبرها إسرائيل جزءاً من رؤيتها التاريخية.
وقال عطا الله لـ"اندبندنت عربية" إن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل حدّت بالفعل من شهيّة إسرائيل التوسعية، خصوصاً في سيناء، إذ توقفت تل أبيب عند ما أقرّته اتفاقية كامب ديفيد، كذلك اعترفت إسرائيل في الأقل بحدود الأردن ضمن اتفاق وادي عربة عام 1994.
بينما يختلف مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير معصوم مرزوق مع تلك الرؤية، إذ يعتقد أن اتفاقية السلام مع مصر في سبعينيات القرن الماضي منحت إسرائيل دفعة قوية للتوسع، ولم تحدّ من أطماعها المتمثلة في فكرة "إسرائيل الكبرى" التي رافقت المشروع الصهيوني منذ نشأته.
وأوضح مرزوق لـ"اندبندنت عربية" أن قادة الحركة الصهيونية، منذ ثيودور هرتزل وحتى حكومات إسرائيل المتعاقبة، كانوا ينظرون إلى مصر باعتبارها "العقدة الأساسية" أمام مشروعهم. مضيفاً أن الولايات المتحدة أدركت مبكراً أهمية تحييد القاهرة منذ ثورة يوليو (تموز) 1952، فسعت إلى الدفع باتجاه تسوية سياسية بين القاهرة وتل أبيب.
وأضاف الدبلوماسي السابق أن إسرائيل سرعان ما استغلت توقيع معاهدة السلام، إذ أعلنت ضمّ القدس بعد 15 شهراً فقط من المعاهدة، على رغم أنها كانت تحتلها منذ عام 1967، لكنها لم تجرؤ على اتخاذ خطوة الإعلان إلا بعد تحييد مصر، وشنت ضربات على العراق عام 1981، ثم احتلت بيروت في العام التالي.
ودلل مرزوق على رأيه بأن مراكز التحليل الإسرائيلية تبدي اليوم قلقاً متزايداً من سياسات نتنياهو وتوسعه في الحرب، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى "إيقاظ مصر مرة أخرى"، لتعود إلى موقعها المركزي في معادلة الصراع. مشدداً على أن مصر كانت ولا تزال الرقم الأصعب في مواجهة المشاريع الإسرائيلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك، وصف الكاتب المختص بالشأن العربي، أسامة عجاج، اتفاقيات السلام مع إسرائيل بأنها "أحد الأكاذيب التي أراد البعض أن نصدقها"، مشيراً إلى أن تل أبيب تعاملت مع اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن، إضافة إلى اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، على أنها "هدايا مجانية"، إذ لم تحترم أياً من بنودها على كل الأصعدة، بل من السهل رصد تجاوزاتها.
وأضاف عجاج، لـ"اندبندنت عربية"، أنه من الصحيح أن منظمة التحرير تحوّلت إلى سلطة فلسطينية، لكنها ظلت حبيسة يحتاج مسؤولوها، بمن فيهم الرئيس محمود عباس، إلى استئذان إسرائيلي في أي تحرك داخلي أو خارجي، كما تواصل تل أبيب خطط احتلال وضم أراضي غزة والضفة الغربية.
وعلى صعيد اتفاق وادي عربة، أشار عجاج إلى عدم التزام إسرائيل بالبنود الخاصة بالوصاية الأردنية على المناطق المقدسة في مدينة القدس، إذ يشهد المسجد الأقصي اقتحامات شبه يومية ومخططات لهدمه لدرجة تهديد الأردن أكثر من مرة بتجميد الاتفاقية. أما اتفاقية السلام مع مصر فقد خرقتها إسرائيل بحشد قواتها في المناطق المتاخمة للحدود المشتركة أو ما يسمى بالمنطقة "د" التي تنص عليها الاتفاقية، بحسب عجاج.
وأوضح أن إسرائيل تتعامل مع اتفاقيات السلام بمنطق "هل من مزيد"، كذلك تمضي في مشروعها "إسرائيل الكبرى" عبر احتلال مزيد من الأراضي في سوريا وجنوب لبنان، وسعت على مدار أكثر من 20 عاماً في عرقلة أي فرص لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة، بعدم القبول بمبادرة السلام العربية التي كانت كفيلة بالقبول بها دولة في المنطقة والتطبيع الكامل معها.
الاتفاقيات الإبراهيمية
قطار تطبيع إسرائيل علاقاتها مع دول المنطقة، الذي توقف "على المستوى الرسمي" بعد المعاهدة مع الأردن عام 1994، استأنف نشاطه بقوة في عام 2020 حين نجح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الدفع نحو توقيع ما يسمى بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية"، بين الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.
وبعد عودته إلى البيت الأبيض مطلع العام الحالي، وضع ترمب ملف توسيع مظلة الاتفاقيات الإبراهيمية نصب عينيه، إذ دعا كل دول الشرق الأوسط إلى الانضمام في تصريحات عبر منصة "تروث سوشيال"، في أغسطس (آب) الماضي، واعتبر أن ذلك يضمن السلام في المنطقة.
ترى الأكاديمية المختصة في العلوم السياسية، هبة جمال الدين، أن الاتفاقات الإبراهيمية إحدى الأدوات لتنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى"، ولا تتعارض معها. واصفة تلك الاتفاقيات بأنها "مخطط استعماري" يستهدف الشعوب العربية في المقام الأول لقبول حكم إسرائيل، فضلاً عن القضاء على الدول القومية بإقامة اتحاد فيدرالي إبراهيمي.
وأشارت إلى أن التطبيع الشعبي مع إسرائيل يأتي على رأس بنود الاتفاقيات الإبراهيمية عكس اتفاقية "كامب ديفيد"، وأضافت لـ"اندبندنت عربية" أن اتفاقية السلام بين مصر والأردن وإسرائيل بمثابة هدنة عسكرية مقابل السلام، وحيّدت القاهرة وعمان عن التدخل في الصراع الحالي، فيما تعد الاتفاقات الإبراهيمية "سلام من دون مقابل".
ولفتت إلى أن تل أبيب تستهدف تطبيق مخطط "إسرائيل الكبرى" عبر تعزيز الطائفية والانقسامات، ضاربة المثل بدعمها لدروز السويداء في سوريا، والأكراد التابعين لحزب العمال الكردستاني في مواجهة تركيا لإقامة "اتحاد فيدرالي إبراهيمي" يدعم مشروعات الربط الإقليمي مع إسرائيل، بما يضمن لها التحكّم المركزي في الموارد.
بينما لفت المحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله إلى أن الاتفاقيات الإبراهيمية "لم يكن لها تأثير مباشر في سياسات إسرائيل التوسعية". موضحاً أنها لم تمنح تل أبيب زخماً إضافياً للسيطرة على مزيد من الأراضي، كما أنها لم تشكّل عائقاً أمام هذه المشاريع، لأنها جرت مع دول خارج نطاق الأطماع الإسرائيلية، التي تتركز أساساً في محيطها الإقليمي والجوار القريب.
وحذّر عطا الله من أن أي قرار إسرائيلي بالتحرك نحو مصر أو الأردن قد يجعل تلك الاتفاقيات بلا قيمة، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن معاهدة كامب ديفيد تمثل "الإنجاز الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة"، الأمر الذي يجعل واشنطن حريصة على عدم السماح بالمساس بها.
يعتقد الكاتب المختص بالشؤون العربية أسامة عجاج أن الاتفاقيات الإبراهيمية "لن تجد نفعاً في صرف نظر تل أبيب عن مشروع إسرائيل الكبرى" حتى لو انضم إليها عدد آخر من الدول العربية والإسلامية، إذ لن تحيد إسرائيل عن مخططها بغض النظر عن أي جهد عربي لوضع حد للصراع العربي- الفلسطيني بالوصول إلى "حل الدولتين". مؤكداً أن تل أبيب تتمسك بـ"وهم" إسرائيل الكبرى باعتباره "وعداً إلهياً" وفقاً لرؤيتها الدينية الصهيونية المتطرفة التي ليس لها صلة بالواقع.
وأشار إلى أن إسرائيل حاولت تطبيع العلاقات مع السعودية، ليكون بوابة لانخراط عدد من الدول العربية والإسلامية في اتفاقات أبراهام لكنها اصطدمت باشتراط الرياض قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. لافتاً إلى أن السعودية اتخذت مساراً معاكساً لإسرائيل بتبني مسار "حل الدولتين" بالتنسيق مع فرنسا، من خلال المؤتمر الذي أقيم تحت رعاية الأمم المتحدة أخيراً، فضلاً عن التحضير لمؤتمر دولي يدعم ذلك المسار على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر الجاري.
وكررت الرياض أكثر من مرة أنها لن تقيم علاقات مع تل أبيب من دون وجود دولة فلسطينية، مؤكدة أن ذلك الموقف ثابت لا يتزعزع. وفي يوليو الماضي، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إنه لا مصداقية لوجود محادثات بشأن التطبيع مع إسرائيل في ظل وجود معاناة في غزة.