Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حماية السفارات المصرية... جدل دبلوماسي بدوافع سياسية

محاولة معارضين الاعتداء على سفارات مصرية في الخارج أثار استياء القاهرة التي خفضت تأمين بعض البعثات وآخرها السفارة البريطانية

تحولت لندن إلى بؤرة الأضواء في ملف السفارات المصرية بعد تظاهر معارضين مصريين في بريطانيا (رويترز)

ملخص

تبقى الرؤية القانونية لحماية السفارات تستند إلى مبدأين أساسيين في القانون الدولي، حرمة البعثات الدبلوماسية كما ينص عليها اتفاق فيينا لعام 1961، والتزام الدولة المستضيفة حماية هذه البعثات من أي اعتداء أو إزعاج

دخل الجدل حول تأمين السفارات المصرية في الخارج مرحلة جديدة بعد إزالة الحواجز الأمنية في محيط السفارة البريطانية بالقاهرة، وتبع ذلك قرار لندن بإغلاق السفارة ألغته لاحقاً، مما فهم بأنه رد مصري على السماح بتظاهرات لمعارضين أمام السفارة المصرية في لندن واعتقال أحد المصريين المدافعين عن السفارة.

فور الإعلان عن تلك الإجراءات تصدر وسم (هاشتاغ) "المعاملة بالمثل" مواقع التواصل الاجتماعي في مصر التي احتفت بالقرار، إذ أعيد نشر فيديو لتصريحات تلفزيونية أدلى بها وزير الخارجية بدر عبدالعاطي بأن التعامل مع أي اعتداء على السفارات المصرية أو التقاعس في تأمينها سيكون وفق مبدأ المعاملة بالمثل، إذ يجري تخفيف مستوى الإجراءات الأمنية حول تلك السفارات في القاهرة.

مناوشات في محيط السفارات

خلال الأسابيع الماضية، شهدت السفارات المصرية في عدد من عواصم العالم تظاهرات تتهم القاهرة بالإسهام في تجويع أهالي قطاع غزة عبر إغلاق معبر رفح ومنع نفاذ المساعدات، مما ردت عليه السلطات المصرية بالنفي المتكرر، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي دمّر وأغلق من الجانب الفلسطيني من المعبر ويمنع عبور الشاحنات المكدسة على الجانب المصري.

وقالت وزارة الخارجية المصرية عبر بيان في يوليو (تموز) الماضي إن هناك "محاولات متعمدة للتشويه والتشكيك في الدور المصري بصورة ممنهجة"، موضحة أن التظاهر أمام السفارات المصرية "يصب تماماً في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي ويقدم له هدية مجانية"، من خلال تشتيت الرأي العام الدولي والعربي عن المسؤول الحقيقي عن الكارثة الإنسانية في القطاع، وتخفيف الضغوط الدولية المتصاعدة خلال الفترة الأخيرة، للتوقف عن الانتهاكات الإسرائيلية السافرة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاءت تلك التظاهرات بعد دعوات من منظمات مرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين"، إذ بدأت بإغلاق ناشط مصري على الإنترنت يدعى أنس حبيب سفارة مصر في لاهاي، وامتدت إلى عواصم أخرى، من بينها تل أبيب. وتبع واقعة الاعتداء على السفارة المصرية لدى هولندا تسريب مقطع فيديو لاجتماع بين الوزير والسفراء المصريين، يظهر خلاله عبدالعاطي منفعلاً وموجهاً اللوم للسفير المصري لدى هولندا عماد حنا، واتهمه بـ"التقصير في حماية السفارة"، ووجه السفراء بأن كل من يحاول المساس بالسفارة يجب أن يمسك به ووضعه داخل المبنى وإبلاغ الشرطة، وقد جرى ذلك بالفعل في البعثة الدبلوماسية المصرية بنيويورك.

واستدعت الخارجية المصرية سفراء الدول الأوروبية التي وقعت بها تظاهرات أمام السفارات المصرية، وجرى إبلاغهم بضرورة التزام حماية البعثات الدبلوماسية، وتحمل المسؤولية عن أي تقصير أمني أو خرق للقوانين الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول، وجرى إبلاغهم رسالة واضحة بأن أي تقاعس في حماية السفارات المصرية سيقابل بإجراءات داخلية، من بينها تخفيف التدابير الأمنية عن سفاراتهم في القاهرة، وفق تصريح تلفزيوني لوزير الخارجية المصري الذي قال إن القاهرة لجأت فوراً إلى تطبيق "مبدأ المعاملة بالمثل"، مشيراً إلى أن مصر اتخذت خطوة ردعية بخفض مستوى التأمين المحيط بسفارات هذه الدول في القاهرة، في رسالة واضحة بأن حماية البعثات مسألة متبادلة تحكمها القوانين الدولية، وأكد أن هذا الإجراء يأتي في إطار سياسة المعاملة بالمثل التي تعد حقاً مشروعاً لأية دولة تتعرض بعثاتها لانتهاكات أو اعتداءات.

رد الفعل في مصر على التظاهرات في عواصم العالم جاء أولاً بصورة تظاهرة أمام سفارة هولندا في حي الزمالك الراقي المكتظ بالسفارات الأجنبية، ثم إزالة الحواجز الأمنية من محيط السفارة البريطانية الموجودة منذ نحو 15 عاماً في حي غاردن سيتي المطل على النيل. وفي رد على القرار المصري أعلنت السفارة البريطانية في القاهرة، إغلاق المبنى الرئيس لها "حتى تجري مراجعة تأثير هذه التغييرات".

هل التظاهر أمام السفارة اعتداء على السيادة؟

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير رخا أحمد حسن أن إزالة الحواجز الأمنية يعد تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل، مؤكداً أن تلك الحواجز حولت المنطقة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية وأعاقت المرور في منطقة حيوية وسط القاهرة، وتسببت في إفلاس أصحاب البازارات السياحية المحيطة بالسفارة، مما تضرر منه المواطنون لأكثر من عقد. وأشار إلى أنه طالب مرات عدة بإزالة تلك الحواجز لأنها تبعث برسالة سلبية عن الأمن في مصر، بخاصة أن سفارة بريطانيا مؤمنة بأسلاك شائكة وحراس على مدى 24 ساعة، بينما لندن لا توفر حراسة مستمرة حول السفارات الأجنبية بسبب ارتفاع الكلفة، وتعتمد على دوريات أمنية متحركة لتأمين السفارات الأجنبية بما فيها سفارة مصر، مما يحد من سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ كما حدث خلال الاعتداء الأخير.

وقال حسن لـ"اندبندنت عربية" إن الاعتداء على السفارة المصرية في أية دولة يعد اعتداء على السيادة المصرية وفقاً للمعاهدات الدولية، موضحاً أن القانون في جميع دول العالم يسمح بتنظيم التظاهرات السلمية أمام السفارات، لكنه يجرم اللجوء إلى العنف. وأضاف أن الاعتداءات على السفارات المصرية في الخارج لا يعد تعبيراً عن الرأي، إنما تحركات "ليست عفوية" وتديرها أجهزة أمنية خارجية، واصفاً التظاهر أمام السفارات، بخاصة السفارة المصرية في تل أبيب لمطالبة مصر بإدخال المساعدات إلى غزة بأنه "نكتة".

ولفت إلى أنه شهد سابقاً محاولات الاعتداء على السفارات المصرية بعد توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل في السبعينيات من القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين قررت مصر تكثيف وجود حراس أمن مصريين ضمن بعثاتها الدبلوماسية. وأردف أنه كان على المتظاهرين في الأقل التزام السلمية، وتقديم طلباتهم مكتوبة أو شفوية لمسؤولي السفارة من دون إغلاقها أو محاصرتها.

 

وتحولت لندن إلى بؤرة الأضواء في ملف السفارات المصرية بعد انتقال الناشط المصري- الهولندي أنس حبيب إلى التظاهر في العاصمة البريطانية مع مجموعة من المعارضين، في مقابل تجمع متظاهرين مصريين مؤيدين للحكومة المصرية، فيما اعتقل الأمن البريطاني رئيس اتحاد شباب المصريين في الخارج أحمد عبدالقادر الذي قاد التحركات المؤيدة في هولندا ثم بريطانيا.

وتدخل وزير الخارجية المصري للإفراج عن عبدالقادر، فاتصل بمستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول وأثار معه الملف، مؤكداً تطلع القاهرة إلى سرعة الإفراج عنه، وبالفعل أطلق سراحه بعد ساعات من توقيفه.

ويوضح مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون الأوروبية السفير عمرو رمضان لـ"اندبندنت عربية" أن حماية البعثات الدبلوماسية مسؤولية الدولة المستضيفة، وتقوم كل دولة بتقييم مدى الأخطار التي قد تتعرض لها كل بعثة، ومن ثم تختلف درجة الحماية وفق كل سفارة، وبالمنطق نفسه فإن حماية السفارات المصرية في الخارج تتوقف على تقييم الدول المستضيفة لحجم الأخطار المحتملة التي تختلف من دولة إلى أخرى ومن بعثة إلى أخرى داخل الدولة نفسها.

وفي أغسطس (آب) الماضي، أعرب وزير الخارجية الهولندي في ذلك الوقت كاسبر فيلدكامب عن أسفه إزاء حادثة محاولة الاعتداء على مبنى السفارة المصرية في لاهاي، مشيراً إلى أنه تحدث في الأمر مع السلطات الأمنية المعنية واعتزامها تكثيف الإجراءات الأمنية على السفارة المصرية، خلال محادثات هاتفية مع نظيره المصري الذي أشار إلى استياء القاهرة من الحادثة ومسؤولية السلطات الهولندية عن عدم تكرارها، وفق القانون والمعاهدات الدولية.

من يتحمل المسؤولية؟

من جانبه قال أستاذ القانون الدولي محمد محمود مهران إن القانون الدولي يرسم خطوطاً حمراء واضحة لا يجوز تجاوزها تحت أي مبرر من مبررات التعبير عن الرأي، موضحاً لـ"اندبندت عربية" أن الرؤية القانونية لحماية السفارات تستند إلى مبدأين أساسيين في القانون الدولي، حرمة البعثات الدبلوماسية كما ينص عليها اتفاق فيينا لعام 1961، والتزام الدولة المستضيفة حماية هذه البعثات من أي اعتداء أو إزعاج، مشيراً إلى أن هذين المبدأين يجعلان من السفارة منطقة محمية قانونياً لا يجوز الاقتراب منها بقصد الإضرار أو التهديد، حتى لو كان ذلك تحت مسمى ممارسة حق التظاهر.

 

وفرّق أستاذ القانون الدولي بين حرية التظاهر المشروعة والاعتداء على السفارات، قائلاً إن حرية التظاهر حق أساس مكفول في جميع الدساتير والمواثيق الدولية، لكنه حق مقيد بعدم الاعتداء على حقوق الآخرين أو انتهاك القانون، مؤكداً أن التظاهر السلمي يعني التعبير عن الرأي من دون عنف أو تهديد أو إضرار بالممتلكات، بينما الاعتداء على السفارات يشمل أي سلوك يهدف إلى الإضرار بالبعثة الدبلوماسية أو موظفيها أو يخلّ بسلم البعثة وكرامتها مثل التجمهر أمام السفارة بقصد التهديد وإلقاء الأشياء عليها وكتابة عبارات مسيئة على جدرانها والصراخ بشعارات تهديدية ضد موظفيها.

وتنص المادة 22 من اتفاق فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 على أن حرمة البعثة الدبلوماسية الأجنبية مصونة ولا يجوز لمأموري الدولة المعتمدة لديها دخولها إلا بموافقة رئيس البعثة، ويترتب على الدولة المعتمدة لديها التزام خاص باتخاذ جميع التدابير المناسبة لحماية مقر البعثة من أي اقتحام أو ضرر ومنع أي إخلال بأمن البعثة أو مساس بكرامتها.

وأوضح مهران أن هذا الالتزام بموجب اتفاق فيينا مطلق ولا يقبل الاستثناءات، حتى لو ادعى المتظاهرون أنهم يمارسون حقهم في التعبير عن الرأي لأن حرية التعبير تتوقف عند حدود احترام القانون والنظام العام، مشدداً على أن حماية السفارات والبعثات الدبلوماسية مسؤولية قانونية وأخلاقية مطلقة للدول المستضيفة، وأن أي تقصير في هذه المسؤولية يعرض هذه الدول للمساءلة الدولية ويبرر اتخاذ إجراءات انتقامية ضدها. وأكد أن القانون الدولي لا يعترف بأي مبرر لانتهاك حرمة البعثات الدبلوماسية مهما كانت الأسباب أو الدوافع.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير