Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يصر الفلاسفة اليوم على العودة الى سقراط؟

يسعى بيار هادو إلى الكشف عن رمزية صورته الفلسفية وكيفية توظيفها وإبراز منطق بنائها

العودة الدائمة إلى سقراط (صفحة الفلسفة - فيسبوك)

ملخص

لماذا العودة دوماً إلى سقراط؟ وما هي الدلالة التاريخية والفكرية لهذا الرجل الذي لا يخلو نص فلسفي من الإشارة إليه وإلى آرائه وطريقته في التفكير؟ ولماذا تعيد منشورات "أليا" الفرنسية إصدار كتاب "مديح سقراط" لبيار هادو (2025) أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين المتخصصين في الدراسات الهلينية الذي ترجم عن اليونانية مؤلفات أفلوطين وإبيكتيتوس وماركوس أوريليوس وماريوس فيكتورينوس وغيرهم والذي شغل كرسي تاريخ الفكر الهلنستي في "كوليج دو فرانس"، بعد 15 عاماً على وفاته؟

هل "مديح سقراط" يعني تعداد صفات هذا الرجل الغامض الذي صوره لنا بطرق مختلفة كل من كسينوفون وأرسطوفانس وأفلاطون، فضلاً عن كم هائل من الشهادات القديمة والدراسات الحديثة، المبعثرة، والتي حفظت لنا صفاته وتفحصت أقواله وأفعاله؟ وكيف يمدح بيار هادو سقراط حينما تتبدى شخصية هذا الفيلسوف مربكة وملتبسة ومثيرة للقلق في آن معاً؟

لا يسعى بيار هادو في هذا الكتاب الذي صدر في طبعته الأولى عاما 1998 إلى رسم ملامح سقراط التاريخي، بقدر ما يسعى إلى القبض على رمزية صورته الفلسفية وكيفية توظيفها وإبراز منطق بنائها، تلك الصورة التي لم تكف عن العبور من عصر إلى آخر، لتطل علينا بهيئة رجل حكيم يثير القلق أكثر مما يبعث على السكينة ويشغل العقول بالأسئلة أكثر مما يزودها بأجوبة. فليس سقراط في حقيقته التاريخية هو ما يشغل بال الفيلسوف الفرنسي، بل صورته ودلالاتها عبر تاريخ الفلسفة.

من هنا نفهم أهمية هذا الكتاب الذي يدعو قراءه إلى إدراك المعنى الفلسفي لاستحضار صورة سقراط وجعلها تتحرك داخل تاريخ الفلسفة أو ربما في مواجهته، هي التي اتسمت بالمفارقة لأنها جمعت في الوقت عينه بين الرغبة في إرساء استمرارية مع الأصل، وبين النزعة لكسر هذه الاستمرارية.

سقراط "المأدبة"

في هذا الكتاب يتوقف بيار هادو إذاً أمام صورة سقراط كما تبدت في محاورة "المأدبة" لأفلاطون، ولا سيما في التقريظ الذي خصه به القائد العسكري والسياسي الأثيني ألقبيادس، وأمام صورته التي استعادها على طريقته كل من كيركغارد ونيتشه. فقد نظر كيركغارد إلى سقراط كنموذج للمفارقة وللقلق الوجودي الفردي الممزق بين الإيمان والريبة، فيما جعله نيتشه علامة على قلب القيم وبداية مسار تاريخي انتهى بانتصار العقل الجدلي على نداء الغريزة، مع كل ما حمله ذلك من نتائج مأسوية.

هذا يعني أن سقراط، على ما يقول هادو، هو هذا "المربك الأبدي" الذي يفضح هشاشة الإنسان ويذكره بأن الفلسفة ليست تراكم مفاهيم ولا تشييد أنساق، بل رياضة حيّة تحث على التفكير والعيش ومواجهة حدود الوجود. وما صورته إلا مساءلة نقدية لمفهومنا للفلسفة ولممارستها.

لذلك، كان اختيار هادو استحضار صورة سقراط كما تبدت في كتابات نيتشه وكيركغارد، ليس أمراً عابراً أو بريئاً. فهذان الفيلسوفان اللذان أبرزا ملامح محددة من صورة هذا الفيلسوف كالسخرية والسلبية والعودة للذات أو رفض النزعة الديونيزية، أديا دوراً جوهرياً بالسؤال الذي يطرحه المفكر الفرنسي والمتعلق بمعنى "الفيلسوف" و"الفلسفة".

يقول هادو إن تاريخ الفلسفة أظهر سبلاً متعددة سلكها الفلاسفة في استحضار صورة سقراط. بعضهم سعى إلى إبراز صورته التاريخية العصيّة على الإدراك، مؤكداً لنا أن هذا السعي يعد بحد ذاته لحظة من لحظات الفلسفة الحديثة، وربما عرضاً من أعراضها الذي يكتسب بالتأكيد معنى فلسفياً، ذلك أن بعض "الأساطير" تسللت إلى تاريخ الفلسفة وطاولت صورة سقراط. فيجب بالتالي الكشف عنها وتفكيك بنيتها، فيغدو "سقراط الحقيقي" الساخر الذي لا يدوّن شيئاً، سقراطاً "سلبياً" يقف على الضد تماماً من صورة الفيلسوف الحديث المنكب على قراءة وتحليل النصوص.

الصورة الرائجة

ومن اللافت أيضاً بحسب هادو أن الخطوة الأولى في هذا المسعى تتمثل في فصل سقراط عن أفلاطون الذي يعد المسؤول الأول عن الصورة السقراطية الرائجة. من هنا كان التفات بعض الدارسين إلى كتابات كسينوفون وأرسطوفانوس وديوجنيس اللايرسي التي تتحدث عن هذا الفيلسوف، ولا سيما النصوص التي خصه بها كيركغارد ونيتشه والتي تندرج بحسب هادو في إطار "إرادة القطيعة" مع الصورة التي رسمها أفلاطون بغية البحث عن سقراط الحقيقي ونقد الجوهر الأفلاطوني للفلسفة الغربية.

أما القطيعة الثانية "الإلزامية"، فهي تجاه هيغل الذي صاغ وفكر في تاريخ الفلسفة مدعياً ختمها، علماً أن هيغل نفسه أسهم في الرجوع إلى "سقراط التاريخي"، عندما اغتنم فرصة طرح سؤال "ما الفلسفة؟"، محاولاً من خلاله فهم ما صنعت الفلسفة على مدى تاريخها بصورة الفيلسوف الأثيني.

 إذاً تضع صفحات كتاب بيار هادو القراء أمام حقيقة قوامها أن الذين ظنوا أنهم يعرفون كل شيء عن سقراط، لا يعرفون في الواقع شيئاً، وأن هذا الاعتراف بالجهل هو أول مديح يوجه إلى هذه الشخصية المؤسسة للفكر الفلسفي. فسقراط، كما بيّنه هادو، ليس صورة جامدة لرجل غريب الطبع، ساخر أو حتى قبيح الهيئة، بل هو قوة إغواء فكرية لا تزال تعمل عبر العصور، تكشف عما خفي من ذاتنا، لتعيد صياغة إدراكنا للعالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هذا المنطلق، ندرك أهمية إعادة نشر هذا الكتاب الذي قدم هادو من خلاله فلسفة سقراط بوصفها تجربة حيّة ومدرسة للحياة قبل أن تكون قراءة نصوص ومصنعاً للمفاهيم، ذلك أن سقراط، كغيره من الفلاسفة القدماء، لم يشيّد نظاماً فكرياً، بل قدم نمط حياة ومواقف وجودية جعلت من فعل التفلسف تمريناً على تحويل الذات والنظر إلى العالم بعين جديدة.

خلاصة القول إن بيار هادو يرى أن صورة سقراط، كما تواترت عبر القراءات القديمة والحديثة، ليست إعادة إحياء لشخصه بقدر ما هي إعادة بناء لدلالية تتجدد مع كل حقبة. فالفلاسفة الحديثون من هيغل إلى كيركغارد ونيتشه جعلوا من هذا الرجل مرآة لتصوراتهم المختلفة للفلسفة وممارستها. وفي كل مرة استحضرت صورته تجلى هذا الشخص كقوة نقدية دفعت كثراً إلى إعادة التفكير في معنى الفلسفة.

 ختاماً، ليس كتاب "مديح سقراط" بحثاً تاريخياً بقدر ما هو محاولة لإيقاظ الفلسفة من سباتها وردها إلى جذورها، هي التي ولدت من القلق والدهشة ومن مواجهة الإنسان لحدوده ومن سعيه إلى أن "يصير ما هو عليه". وما مديح هادو له إلا للتذكير بأنه أسطورة حيّة تلاحق الفكر وأن فعل التفلسف ليس خطاباً مدرسياً مجرداً، بل حكمة وعلاقة بالحياة وحواراً مع الوجود. فليس سقراط عقيدة تروى، بل تجربة وجودية حيّة، تذكرنا دوما بأن فعل التفلسف هو، في جوهره، ذلك التوتر الخلاق بين السؤال والجواب وبين الفرد والعالم وبين الإنسان والحقيقة.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب