ملخص
نشرت وكالة الطاقة الدولية تقريراً مفاده أن الاستثمار في عمليات الإستكشاف التنقيب والانتاج عام 2025 هو الأدنى منذ إغلاقات كورونا عام 2020، وبعضهم نظر إلى هذه البيانات على أنها تعكس تلاشي عصر النفط، بخاصة مع انحسار المضاربات التي تتوقع انخفاض أسعار النفط ضمن الأسابيع الأخيرة لأدنى مستوى خلال 16 عاماً.
ذكرتُ في مقابلات تلفزيونية وفي مساحات "إكس" خلال الشهور الماضية أن سردية الفائض الكبير في أسواق النفط خاطئة وموجهة وربما مدفوعة لسببين، الأول أن الواقع عكس هذه السردية، والثاني توافق السردية مع فئات لا تتفق عادة مع بعضها بعضاً، وكلها فئات كبيرة ومهمة.
الهجمة على النفط والدول المنتجة في وسائل الإعلام غير طبيعية، وتقارير "بلومبيرغ" تحديداً موجهة وحاقدة وهدفها نشر المعلومات الخاطئة لإثبات فشل تحالف "أوبك+" في إدارة السوق، وبعضه لأسباب شخصية ودعم توجهات مالك الشركة المتعلقة بالطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وأي عاقل يمكنه أن يفكر ما كان ليكون عليه حال أسواق النفط عامي 2023 و 2024 لولا قيام دول "أوبك+" بخفض الإنتاج بأكثر من 5 ملايين برميل يومياً.
فكرة أن خفض الإنتاج يجب أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وإلا فإنها سياسة فاشلة، فكرة سطحية، وفي معظم الحالات كان خفض الإنتاج هدفه منع أسعار النفط من الانخفاض، ومنذ عام 2016 أصبح الهدف منع وجود فائض في السوق، وبعبارة أخرى فإن الذين يقللون من جهود "أوبك+" ينظرون إلى المعيار الخاطئ في تقييم سياساتها.
انخفاض الاستثمار في 2025
نشرت وكالة الطاقة الدولية تقريراً مفاده أن الاستثمار في عمليات الإستكشاف التنقيب والانتاج عام 2025 هو الأدنى منذ إغلاقات كورونا عام 2020، وبعضهم نظر إلى هذه البيانات على أنها تعكس تلاشي عصر النفط، بخاصة مع انحسار المضاربات التي تتوقع انخفاض أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة لأدنى مستوى خلال 16 عاماً، وبعضهم يرى أن انسحاب المستثمرين يعزز سردية الفائض ولكن الإشكال الذي يقعون فيه هو هل البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة؟
أدناه توضيح لأسباب انخفاض الاستثمار في صناعة النفط:
الحرب التي شُنت على صناعة النفط من وكالة الطاقة الدولية والأمم المتحدة وعدد كبير من الدول الأوروبية وإدارة الرئيس بايدن والإعلام اليساري المؤيد لها أخاف المستثمرين والمضاربين فاستثمروا في صناعات أخرى، كما أن سياسات التغير المناخي جعلت بعض الصناديق الإستثمارية الكبيرة تنسحب من الاستثمار في صناعة النفط، وهنا علينا أن نتذكر أن المشاريع النفطية طويلة المدة واتخاذ القرارات في شأن الاستثمار يستغرق فترة من الزمن، وبعبارة أخرى فإن آثار إدارة الرئيس بايدن لا تزال موجودة.
إعلان الرئيس بايدن وقف التصريحات لبناء محطات جديدة للغاز المسال أسهم في خفض الاستثمار في الصناعة، بخاصة أن هذه الاستثمارات ضخمة، وهذا قرار سياسي لا علاقة له بوضع الصناعة وأسواق النفط والغاز، فقد ألغى الرئيس ترمب قرار بايدن ولكن الصناعة تأخرت في قرارات الاستثمار بسبب حروب ترمب التجارية والتعرفة الجمركية التي أثرت سلباً فيها، بخاصة الضرائب على واردات الفولاذ والألومنيوم التي هي أساس بناء محطات الغاز المسال، وهذا أيضاً قرار سياسي لا علاقة له بأسواق النفط والغاز.
حروب ترمب التجارية والتعرفة الجمركية والتقلب الشديد في القرارات أدى إلى ضبابية وفوضى في الأسواق، مما جعل الشركات تؤخر قرارات الاستثمار أو تلغي مخططات مشاريع جديدة، وهذه التطورات أيضاً سياسية لا علاقة لها بحال أسواق النفط.
أسهمت موجة الاندماج والاستحواذ في صناعة النفط خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة في انخفاض الاستثمار أيضاً لسببين، الأول انشغال الشركات في عمليات الدمج والتكامل الرأسي والأفقي، والثاني أنه بعد انتهاء عمليات التكامل انخفض الاستثمار بسبب الوفورات التي جنتها الشركات الجديدة من عمليات الاندماج، وانخفاض عمليات الحفر وإكمال الآبار، بخاصة في أحواض النفط الصخري الأميركي، يعود معظمه إلى عمليات الدمج والاستحواذ، وليس إلى انخفاض أسعار النفط.
الارتفاع الضخم في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، وبخاصة "بيتكوين" أدى إلى تحول المستثمرين لها مما أثر في انخفاض الاستثمار في صناعة النفط من جهة، وانخفاض المضاربات فيه أيضاً.
انخفاض أسعار النفط
السردية التي تتبناها وسائل الإعلام الكبيرة في الغرب هي أن أسعار النفط انخفضت بسبب زيادة المعروض من دول "أوبك+" بعد أن قررت مجموعة الثمانية في دول "أوبك+" والتي قامت بخفض طوعي، إنهاء 2.2 مليون برميل يومياً من الخفض الطوعي، فهذه السردية غير صحيحة للأسباب التالية:
الأسعار بدأت بالانخفاض منذ العام الماضي، وقرار تطبيق إعادة النفط إلى الأسواق بدأ في أبريل (نيسان) من العام الحالي، والمعروض من دول "أوبك+" في الأسواق العالمية انخفض خلال شهري أبريل ومايو (أيار)، وارتفع في يونيو (حزيران) الماضي حين كانت الزيادة أقل من سقف الإنتاج المعلن بكثير، ثم انخفض المعروض في يوليو (تموز) وأغسطس (آب) الماضيين، فكيف يمكن القول إن أسعار النفط انخفضت خلال الشهور الخمسة الأولى من العام ومفعول قرار مجموعة الثمانية لم يبدأ إلا في يونيو؟
حصل انخفاض شديد في صادرات النفط من الولايات المتحدة وفنزويلا والبرازيل والإكوادور، بخاصة في شهري أبريل ومايو الماضيين، ومع هذا لم ترتفع الأسعار على رغم أن صادرات "أوبك+" لم ترتفع، فما تفسير ذلك؟
حصلت حرب بين إسرائيل وإيران وشكل ذلك تهديداً لصادرات النفط الخليجية، ومع ذلك كان ارتفاع الأسعار محدوداً، لماذا؟
حقيقة الأمر أن حروب ترمب التجارية والتعرفة الجمركية وسياسات الهجرة والزيارة للولايات المتحدة والحرب على الطلاب الأجانب في الجامعات الأميركية خفضت الطلب على النفط، والتوقعات كلها كانت تشير إلى زيادة كبيرة في الطلب على وقود الطائرات عام 2025، وفشلت بسبب سياسات الرئيس ترمب التي خفضت الطلب على النفط بشكل كبير، أضف إلى ذلك تباطؤ الاقتصاد الصيني والأوروبي لترى أن معظم الانخفاض في الأسعار لا علاقة له بقرار مجموعة الثمانية إنهاء الخفض الطوعي لـ 2.2 مليون برميل يومياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الفائض التاريخي في أسواق النفط مفبرك
هناك عوامل عدة تشير إلى أن الفائض الكبير المتوقع في نهاية 2025 وفي 2026 لا أساس له من الصحة، وأنه مفبرك للأسباب التالية:
عُرف عن وكالة الطاقة الدولية تاريخياً أن تقديراتها لنمو الطلب العالمي على النفط منخفضة، وذلك حتى يتسق ذلك مع نجاح سياسات التغير المناخي التي تتبناها، فمثلاً تتوقع الوكالة ألا يكون هناك أي نمو في الطلب على النفط في الولايات المتحدة العام المقبل، وهذا توقع غريب، ففي مايو الماضي رفعت الوكالة نمو الطلب على النفط خلال الأعوام الماضية بشكل كبير، كما قامت في تقريرها الأخير لشهر أغسطس بتعديل الطلب على النفط في المسكيك صعوداً بمقدار 100 ألف برميل يومياً ابتداءً من عام 2020، وللتأكيد نعم صحيح، الأعوام الماضية)، مما عكس أنها كانت تخفض توقعات النفط ولفترة طويلة من الزمن، ويكفي هنا أن نذكر أن توقعات الوكالة في عام 2015 للطلب على النفط في 2025 أقل من الواقع بمقدار 3.2 مليون برميل يومياً، أو ما يعادل نحو 1.2 مليار برميل في العام.
من ضمن الأخطاء التي وقع فيها كثير من المحللين أنهم حسبوا أن إنهاء الخفض الطوعي لـ 2.2 مليون برميل يومياً زيادة صافية في المعروض العالمي من النفط، والحقيقة أن ما قامت به مجموعة الثمانية هو رفع "سقف الإنتاج" أو "الحصص الإنتاجية"، وسقف الإنتاج شيء والإنتاج الفعلي شيء آخر، والمهم لأسواق النفط العالمية هو الإمدادات، وهي الصادرات، وليس الإنتاج، فالزيادة في الإمدادات من دول "أوبك+" تساوي تقريباً نصف الزيادة في سقف الإنتاج.
أيضاً من ضمن الأخطاء أنهم يحسبون الزيادة في المشاريع الجديدة بحسب مخطط البداية الذي تعلنه الشركات من جهة، ويفترضون أن أقصى إنتاج لكل مرحلة يبدأ من اليوم الأول، والحقيقة أن مشاريع صناعة النفط مشهورة بالتأخير، وبالتالي افتراض أن ما تعلنه الشركات سيتحقق بالكامل في الوقت المحدد غير منطقي، بخاصة أن الحديث عن الفائض قد يؤثر في قرارات الشركات ومن ثم تؤجل بداية المشروع حتى تتحسن الأسعار، وعادة يبدأ الضخ من أي مشروع جديد بكميات قليلة تزيد مع الزمن وقد يستغرق الوقت للوصول إلى الطاقة القصوى شهوراً عدة.
يتحدث المحللون عن عمليات الصيانة الكبيرة في المصافي في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، مما يعني انخفاضاً كبيراً في الطلب على النفط الخام، إذ إننا كبشر لا نستهلك النفط الخام ولكن نستهلك منتجات المصافي، وفي رأيهم أن هذا الانخفاض الكبير هو أحد أسباب التخمة في أسواق النفط، ويتجاهل هؤلاء أن هذه الفترة هي أيضاً فترة الصيانة في مناطق الإنتاج البرية والبحرية ولأنابيب النفط، وبالتالي فإن هناك انخفاضاً في إنتاج النفط ومعروضه أيضاً، والحقيقة أنه لا يمكن لوم كثير من المحللين على هذا بسبب تحفظ كثير من الشركات الوطنية في الدول المنتجة على نشر معلومات الصيانة الدورية التي تخفض الإنتاج والإمدادات، وإذا جرى نشر هذه المعلومات بشكل مدروس وممنهج فسيغير ذلك آراء بعض المحللين إن لم يكن كلهم.
يتجاهل المحللون ما ذكرته مجموعة الثمانية في بياناتها الرسمية، وبخاصة البيان الأخير عندما أكدت مرونتها في التعامل مع السوق، وأن كل الخيارات أمامها بما في ذلك خفض الإنتاج مرة أخرى، ويبدو أن عدداً كبيراً من المحللين لم يدرك لماذا جرت العودة للاجتماعات الشهرية لهذه المجموعة والتي هدفها التعامل مع مستجدات السوق بسرعة، ولهذا غإذا رأت المجموعة انخفاضاً في نمو الطلب العالمي وارتفاعاً في مخزونات النفط العالمية بشكل لا يتفق مع التغيرات الموسمية، فعلينا ألا نستغرب خفضها الإنتاج طوعياً مرة أخرى.
خلاصة القول بأن هناك سردية خاطئة مدعومة من فئات معينة تتحدث عن انحسار صناعة النفط بشكل عام وعدم فعالية تحالف "أوبك+"، ووجود فائض ضخم في الأسواق في الربع الرابع من العام الحالي وعام 2026، والواقع لا يدعم هذه السرديات، فالواقع أنه لن يكون هناك فائض كبير يفوق الفائض الموسمي المعتاد ولن تنهار أسعار النفط، وهناك صعوبات في السوق ولكنها الصعوبات نفسها التي وجدت خلال الـ 40 عاماً الماضية مع فارق وجود وسائل التواصل الاجتماعي وأثرها الكبير في الأسواق، فالخبر الذي كان يستغرق يومين لوصوله إلى المضاربين يصل الآن خلال ثوان، والخبر الذي كان يصل إلى قراء صحيفة معينة يصل الآن إلى كل العالم.