Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يغير المشهد الفنزويلي الموقف الروسي من الأزمة الأوكرانية؟

لا تعد العملية في فنزويلا جزءاً من اتفاق عالمي بل هي تجسيد لنهج إدارة ترمب الجديد في السياسة الخارجية

النظرية القائلة بأن ترمب "باع" أوكرانيا لروسيا مقابل فنزويلا تنهار عند التحليل الأولي (أ ب)

ملخص

ليس مستبعداً أن تسمح الدول التي تزعم أنها تواجه الاستراتيجية الأميركية عالمياً، ومنها روسيا والصين، بانسحاب المشهد الفنزويلي على ساحات أخرى مثل كولومبيا وكوبا وإيران، بما يتيح للولايات المتحدة تحقيق النتائج التي سعت إليها داخل فنزويلا.

شكل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات الخاصة الأميركية فجر السبت الثالث من يناير (كانون ثاني) الجاري إحدى أكثر العمليات الأميركية إثارة للجدل والمخاوف منذ عقود. وقد أحدثت هذه العملية الخاطفة التي جرت في كاراكاس البعيدة صدمة ليس فقط في أميركا اللاتينية، بل امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. وبرزت المخاوف على الفور تقريباً، فهل ستشكل العملية الأميركية في فنزويلا إجازة لاستيلاء الصين على تايوان؟ وهل كانت هذه العملية نتيجة صفقة سرية بين ترمب وموسكو وبكين، تقضي بمنح الولايات المتحدة حرية التصرف في نصف الكرة الغربي مقابل غض الطرف عن تحركات روسيا في أوكرانيا وتحركات الصين ضد تايوان؟

تناقش هذه النظريات بنشاط في أوساط الخبراء وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن عند فحصها من كثب، فإنها لا تصمد أمام النقد البناء والموضوعي.

تهافت نظرية تبادل الأراضي والمصالح

النظرية القائلة بأن ترمب "باع" أوكرانيا لروسيا مقابل فنزويلا تنهار عند التحليل الأولي.

أولاً، لم تكن هناك سيطرة روسية في فنزويلا أو تحالف بين موسكو وكاراكاس يستدعي حصول الولايات المتحدة على إذن موسكو للتدخل، بل على العكس من ذلك، كان مادورو عبئاً على الكرملين وعلى فلاديمير بوتين شخصياً في علاقته الودية مع دونالد ترمب في هذا التوقيت بالذات، أكثر منه رصيداً استراتيجياً قابلاً للمبادلة.
ثانياً، تتضمن خطة إدارة ترمب للسلام مع أوكرانيا ضمانات أمنية تشريعية ودعماً واسع النطاق لإعادة إعمار البلاد بعد الحرب. وهذا ما تنص عليه استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة. يجب أن تصبح أوكرانيا دولة قادرة على البقاء تدور في الفلك الأميركي - الغربي، لا أن تترك لمصيرها.

ثالثاً، تمتلك أوكرانيا اليوم أحد أكثر الجيوش خبرة حربية وجاهزية للقتال في العالم بعد نحو 4 سنوات من المعارك الضارية، وأجهزة استخبارات احترافية، ومجمعاً صناعياً عسكرياً قوياً. إنها ليست دولة يمكن ببساطة وضعها على طبق من فضة كورقة مساومة.

إن فكرة جلوس الولايات المتحدة وروسيا لتقسيم العالم بينهما، على غرار "اتفاقية يالطا" عام 1945، فكرة عفا عليها الزمن ولا تستجيب لشعار ترمب "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" ولا للاعتقاد السائد داخل الدولة العميقة في الولايات المتحدة بأنها انتصرت انتصاراً نهائياً مظفراً في "الحرب الباردة"، ولا مع نظرية "نهاية التاريخ" التي انبثقت عن هذا المفهوم المبتدع.

على رغم أن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يمر بأزمة حالياً، فإن الوضع الراهن لا يقارن بالوضع الذي استدعى "اتفاقية يالطا" لتقاسم النفوذ في العالم. فالاتحاد الروسي ليس الاتحاد السوفياتي، ولا يملك القدرة على فرض شروطه في ميدان السياسة الدولية وتقاسم الكعكة الجيوسياسية.

الموقف الروسي المأزوم

المشهد الفنزويلي بعد اختطاف مادورو يشكل سابقة نادرة وخرقاً واضحاً للسيادة، في مرحلة تحول عالمي تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى توسيع مواردها الاقتصادية لتغطية عجزها، والحفاظ على موقعها في صدارة النظام العالمي، وهذا يتنافى مع تطلعات بوتين الهادفة لإقامة عالم متعدد الأقطاب، تشكل فيه بلاده قطباً فاعلاً.
لكن بوتين وبعد استيعاب الصدمة لم يحرك ساكناً ولم يسع مع حلفائه لتشكيل نسق لمواجهة هذا التوجه الأميركي الذي يتلاعب بمصائر العالم، ويحاول تكريس صورة الولايات المتحدة بأنها "سيد العالم"، ولا سيما في ظل مطالبة واشنطن الدنمارك بالتنازل عن جزيرة غرينلاند، واستخفافها بكيان الاتحاد الأوروبي وتحالفها معه.

لذلك فإنه ليس مستبعداً أن تسمح الدول التي تزعم أنها تواجه الاستراتيجية الأميركية عالمياً، ومنها روسيا والصين، بانسحاب المشهد الفنزويلي على ساحات أخرى مثل كولومبيا وكوبا وإيران، بما يتيح للولايات المتحدة تحقيق النتائج التي سعت إليها داخل فنزويلا، والتي بدأت طلائعها تبرز للعيان من خلال إعلان الرئيس الأميركي في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" يوم 8 يناير الحالي، أن السلطات الموقتة في فنزويلا تقدم للولايات المتحدة كل ما تعتبره واشنطن "ضرورياً"، وإشارته إلى أن الولايات المتحدة لديها علاقات جيدة مع السلطات الفنزويلية الحالية، وتأكيده على أن البيت الأبيض على اتصال دائم مع الرئيسة الموقتة للبلاد ديلسي رودريغيز.

وكذلك يتزامن ما قاله ترمب مع تصريح رودريغيز في ذات اليوم خلال اجتماع مع أعضاء البرلمان بأن بلادها منفتحة على اتفاقات الطاقة الدولية القائمة على الاحترام والمنفعة المتبادلة. وقولها "تمتلك فنزويلا أكبر احتياطات من النفط والغاز. ينبغي أن تخدم هذه الموارد تنمية البلاد وتنمية الدول الأخرى... نحن مستعدون لعلاقة قائمة على الاحترام في إطار عقود تحترم القانون الدولي".

 

المشهد الفنزويلي وتأثيره في الأزمة الأوكرانية

بحلول نهاية عام 2025 بدأت تظهر أولى التغيرات الإيجابية، وإن كانت حذرة للغاية، في ديناميكيات الصراع الأوكراني. فقد أكدت4  سنوات من المواجهة الشاقة قدرة روسيا على الصمود لفترة طويلة. وفي الوقت نفسه، اضطرت كييف وحلفاؤها إلى الاعتراف بوجود مأزق استراتيجي، إذ تبين أن خطة الغرب لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا وتحقيق نصر سريع عليها منفصلة عن الواقع. وتغيرت أهمية المفاوضات بصورة جذرية، فلم تعد مجرد بادرة حسن نية تجاه الجانب الروسي، بل أصبحت إجراءً ضرورياً. وتزامن هذا التقييم الجديد مع أولى بوادر الانفراج في العلاقات بين موسكو وواشنطن. فبعد فترة من الجمود العميق، عقد الطرفان اجتماعات عدة بهدف تحديد نقاط الاتفاق المحتملة وتوضيح مواقفهما.

ولوحظ تحول نوعي، إذ أصبح التواصل أكثر جوهرية، وانتقل من مستوى الإنذارات المتبادلة إلى محاولات لتحقيق نتائج ملموسة، وإن كانت محدودة، كما أكدت متخصصة العلاقات الدولية أناستاسيا غافريلوفا لـ"اندبندنت عربية".

وترى غافريلوفا أن "تصريحات الجانبين حول التقدم في المفاوضات في شأن أوكرانيا يمهد الطريق لاستعادة التعاون في مختلف المجالات، يجب التعامل معها بحذر شديد. ففي هذه المرحلة، تتسم العلاقات بين القوتين بهشاشة بالغة، وأي تصرف متهور قد يقوض نتائج أشهر من الجهود الدبلوماسية". وأضافت، "من غير المرجح أن يصبح الوضع الراهن المحيط بفنزويلا عاملاً حاسماً في ديناميكيات الحوار الروسي الأميركي بصورة عامة. ومع ذلك، فقد مثل هذا الوضع ’اختباراً استراتيجياً‘ للتوتر، مظهراً بوضوح استمرار التناقضات المنهجية بين الطرفين"، وعلى رأسها قضايا تفسير قواعد القانون الدولي، والأدوات المقبولة للسياسة الخارجية، وإعادة هيكلة بنية الأمن العالمي.

ويرى الخبراء أن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ستظل متوازنة بصورة هشة، لكن من المتوقع حدوث تحول نحو نموذج تفاعل أكثر قوة وواقعية، خال من التوقعات المبالغ فيها. في ظل هذه الظروف، من المرجح أن يستند التفاعل المستقبلي إلى مبدأ فصل مسارات التفاوض، مما يعني مناقشة كل قضية خلافية ضمن إطارين منفصلين غير متداخلين.

إن هذا الفصل ضروري لاحتواء الأزمة، فهو سيمنع حدوث سيناريو يؤدي فيه التصعيد حول فنزويلا أو تفاقم التناقضات في شأن قضايا أخرى إلى بروز عقبات إضافية في المفاوضات المعقدة للغاية بالفعل حول أوكرانيا أو حتى شلها تماماً.

تعليقات "حاشية" بوتين

مضى أكثر من أسبوع على اختطاف الرئيس الفنزويلي من دون أن ينبس بوتين ببنت شفة حول ما جرى في "الدولة الصديقة" وما ينتظرها، لكن الرئيس الروسي السابق، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي حاليا ديمتري ميدفيديف علق على الوضع في فنزويلا قائلاً إن "فريق ترمب متشدد وانتهازي في خدمة مصالح بلاده. لم يكن لإطاحة مادورو أي علاقة بالمخدرات، بل بالنفط فحسب، وهم يعترفون بذلك صراحة". وأضاف مستخدماً عبارات عامية فظة للإشارة إلى الولايات المتحدة وتلميحاً إلى الحرب الروسية ضد أوكرانيا "دعونا نقول لرفاقنا من فنزويلا بصراحة: ليس لديهم الآن ما يلومون بلدنا عليه حتى بصورة رسمية".

ونقلت وسائل إعلام روسية عن أليكسي بوشكوف رئيس لجنة السياسة الإعلامية والتفاعل مع وسائل الإعلام في "مجلس الاتحاد" (مجلس الشيوخ) قوله إن "تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول 'انتصار' في فنزويلا قد تؤدي في نهاية المطاف إلى عواقب وخيمة"، على غرار "التدخلات الفاشلة" التي قامت بها واشنطن في الماضي. وتساءل بوشكوف، "لقد استولت الولايات المتحدة مرة أخرى على حق فعل ما تشاء في نصف الكرة الغربي. ولكن ما النتيجة النهائية؟ هل سيتحول هذا ’الانتصار‘ إلى كارثة؟".

ويعتقد المحلل البارز في الصندوق الوطني الروسي لأمن الطاقة إيغور يوشكوف أن العملية في فنزويلا ستؤثر بصورة خطرة في تجارة النفط العالمية، إذ ستؤدي إلى "سحب" ما بين 500 ألف و600 ألف برميل من النفط يومياً من السوق، مما قد يدفع الأسعار إلى ما بين 65 و70 دولاراً للبرميل.

على رغم الخسائر المالية التي يتكبدها ممثلو الطبقة الحاكمة في روسيا، مثل إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة "روسنفت"، فإن هذا الوضع قد يكون ملائماً إلى حد ما، إذ ينتظر أباطرة النفط في روسيا أن تسفر هذه الأزمة عن إنعاش أسعار النفط المتراجعة. علاوة على ذلك، فإن روسيا التي تسعى حقاً إلى التفاوض بجدية في شأن أوكرانيا، تنتظر أن تشعل قضية السيطرة الأميركية على جزيرة "غرينلاند" التابعة للدانمرك الخلاف بين واشنطن وبروكسل، وكذلك بين البيت الأبيض وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهذا يصب في مصلحة تحقيق أهدافها في أوكرانيا، سواء من طريق المفاوضات التي ترعاها وتقودها الولايات المتحدة، أو بالوسائل والأساليب العسكرية التي ستصبح أسهل وأقل كلفة إذا ما انشغلت أوروبا بقضية هذه الجزيرة وتراجعت عن توفير التسليح لأوكرانيا.

خطف الأضواء

جاءت الضربات على كاراكاس واعتقال مادورو لتخطف الأضواء عن الأزمة الأوكرانية وسير مفاوضات التسوية "المتوقفة" في شأنها. وقبل ذلك بيوم، صرح الرئيس الأميركي بأنه لا يصدق التقارير التي تتحدث عن شن غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيرة على مقر إقامة بوتين في فالداي، والتي تقول موسكو إنها وقعت ليلة 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وتحدث عالم السياسة إيفان بريوبراجينسكي عن كيفية تأثير الوضع في فنزويلا على العلاقات الروسية - الأميركية والمفاوضات في شأن حرب أوكرانيا، فقال "نيكولاس مادورو حليف قديم لروسيا، وتتشارك روسيا وفنزويلا في تهريب النفط".

وتابع "أما في ما يتعلق برد فعل موسكو السلبي على الأحداث في فنزويلا، فإن روسيا تعارض دائماً التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا إذا كان الكرملين نفسه يتدخل. نيكولاس مادورو حليف قديم للكرملين، على الصعيد الشخصي، وهو أمر بالغ الأهمية، وعلى الصعيد المنهجي، لا سيما في ما يتعلق بفنزويلا كدولة استثمرت فيها النخبة الحاكمة الروسية مبالغ طائلة".

وأكد بريوبراجينسكي أن "روسيا وفنزويلا تتعاونان في تهريب النفط، كما يتضح من تغيير أعلام ناقلات النفط التي غادرت فنزويلا أخيراً إلى العلم الغاني. فبعدما بدأت الولايات المتحدة بملاحقتها، رفعت هذه السفن أعلامها إلى العلم الروسي، وطلبت روسيا من الأميركيين عدم المساس بها. لذا، من المحتمل وجود تعاون التفافي آخر على العقوبات. يضاف إلى ذلك أن فنزويلا حليف ذو أولوية لروسيا، إلى جانب إيران والصين وكوريا الشمالية".

وعن التداعيات المحتملة لهذه العملية في فنزويلا على روسيا، يرى كثير من الخبراء أن "الهدف الرئيس، من وجهة نظر ترمب والولايات المتحدة، هو السيطرة على النفط، فالبيت الأبيض يعتزم تسهيل عودة شركات النفط الأميركية إلى فنزويلا وتأمين استثمارات كبيرة منها، نظراً إلى تأثر إنتاج النفط الفنزويلي بصورة كبيرة بالعقوبات. أما في المناطق التي لم يتأثر فيها الإنتاج، فتوجد شركات روسية وإيرانية وصينية. من الواضح أن الولايات المتحدة تعتزم إقصاء هذه الدول. تمتلك بنما تجربة ناجحة في إزالة النفوذ الصيني الكبير من أراضيها تحت ضغط أميركي، دون أي تدخل عسكري، والتخلي عن اتفاقية استثمار ثنائية. يعرف الأميركيون كيف يحققون ذلك".

الضحايا لا يعرقلون التسويات

يبدي كونستانتين إيغرت، كاتب عمود في "دويتشه فيله"، ثقته بأن تحركات الولايات المتحدة في فنزويلا لن تؤثر في مفاوضات أوكرانيا، قائلاً "لقد تجلى عجز روسيا عن مساعدة حلفائها مجدداً". ويضيف "من الطبيعي أن يكون رد فعل روسيا على العملية الأميركية في فنزويلا سلبياً في خطابه، فقد فرض عليها أمر واقع، وهذا وضع غير مريح لها. ومرة ​​أخرى، بعد سوريا وبعد الضربة الإسرائيلية على إيران هذا الصيف، تجلى عجز روسيا عن مساعدة حلفائها. وهذا يظهر عدم فاعلية المعدات العسكرية الروسية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي التي زودت بها فنزويلا وإيران. لذلك، من الواضح أن رد الفعل الرسمي سيكون سلبياً، ولو كلامياً في الأقل".

ويتابع إيغرت "لكن عدداً من قنوات (تيليغرام) الروسية الموالية للكرملين تعرب عن أملها في أن تمكن سياسة دونالد ترمب الجديدة، المعبر عنها في ’مبدأ مونرو‘ والمرتبطة بتعزيز النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، ’القوى العظمى‘ الأخرى من السيطرة على مناطق تثير اهتمامها وتعتبرها ضمن نطاق نفوذها. أفهم أن الكرملين يعلق آماله على هذا. أعتقد شخصياً أنه لن يتحقق، لكن الكرملين سيظل يأمل في ذلك".

وعن توقعاته لكيفية تطور المفاوضات في شأن أوكرانيا بعد العملية الأميركية في فنزويلا؟ يقول "أعتقد أن ترمب سيقول إن هاتين قضيتان منفصلتان. إنه شأن أميركي، ولا ينبغي أن يشغلكم. بالطبع، سيتعرض بوتين لمزيد من الخسائر إذا أجبرت القيادة الفنزويلية الجديدة على قطع العلاقات مع شركة ’روسنفت‘، التابعة للكرملين. سيكون ذلك إذلالاً إضافياً. أعتقد أن ترمب يريد السلام في أوكرانيا بصدق. الأمر الآخر هو أنه في حاجة إلى هذا السلام سريعاً. وإن لم يكن بأي ثمن، ففي الأقل بثمن غير مقبول بتاتاً لأوكرانيا".

ويخلص إيغرت إلى القول "لا أعتقد أن الأزمة الفنزويلية ستؤثر بصورة مباشرة على المفاوضات في شأن الوضع في أوكرانيا. الاستثناء الوحيد سيكون إذا صرح ترمب بأن الولايات المتحدة لم تعد تبالي إطلاقاً بما يحدث في أوروبا. ’هيا يا صينيون، خذوا تايوان، يا روس، خذوا أوكرانيا، لأننا مهتمون فقط بنصف الكرة الغربي‘، لكنني لا أعتقد أنه سيقول ذلك. وهذا يعني أن جميع المعايير الأولية للمفاوضات ستبقى كما هي".

 

الصراع على الثروات الطبيعية

يعتبر المحلل الروسي سيرغي إيفانوف أن "ما جرى في فنزويلا ليس من شأنه تغيير الموقف الروسي من الأزمة الأوكرانية، ولا دفعه نحو مزيد من التشدد والصلابة، على رغم خطورة ما حصل على الصعيد الدولي، وما ينطوي عليه من استهداف واضح لكل من يناوئ الولايات المتحدة، في ظل غياب أي اكتراث بسيادة الدول الأخرى".

وقال إن ذلك "قد يدفع الأوروبيين إلى إعادة قراءة شاملة للمرحلة، وربما إلى تفهم الموقف الروسي بصورة أعمق واعتماد مقاربة أكثر عقلانية، لا سيما أن الأطماع الأميركية لا حدود لها، وقد عملت واشنطن على استثمار الصراع في أوكرانيا لتوريط أوروبا واستنزافها، إلى جانب استنزاف روسيا".

إدانات كلامية من دون أي مساعدات فعلية

دانت دول عدة حادثة الهجوم على فنزويلا واختطاف مادورو، لكنها لم تقدم أي مساعدة لإطلاق سراحه. وعبر رؤساء دول الجوار الفنزويلي عن مشاعرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً ترددت فيه تصريحات متباينة، فيما كان النظام القضائي الأميركي يتولى محاكمة الرئيس الفنزويلي المختطف من سريره مع زوجته من دون أن يعترض أحد على ذلك.

وأوضح عالم السياسة بيتر أوليشوك أن الروس لم يُبدوا أي رد فعل على الأحداث في فنزويلا، على رغم وعودهم بذلك حتى قبل القبض على مادورو. وقد صدم بوتين من أعمال الانتقام ضد القذافي وصدام حسين، وكان يكتفي دائماً بالقول إنه ما كان ينبغي السماح بحدوث ذلك.

في الواقع، لا يكترث بوتين لمادورو، لكنهما شريكان رسمياً. كانت روسيا نشطة للغاية في بيع الأسلحة لفنزويلا، التي دعمت سياساتها بالكامل. ودعم مادورو ما يسمى "منظمة الموازنة المركزية". بعبارة أخرى، خسرت روسيا حليفاً آخر. وقد تحول هذا إلى سلسلة من ردود الفعل في السنوات الأخيرة: أولاً سوريا، والآن فنزويلا، كما أشار أوليشوك.

وتابع قائلاً إن هذه ستكون إشارة مناسبة لبوتين. وسيكون من المثير للاهتمام معرفة رد فعل بوتين على كل هذا. بوتين مهتم في المقام الأول بحربه في أوكرانيا. في الوقت الراهن، يتخذ الكرملين موقفاً موقتاً. لقد فشلوا في إقناع ترمب في شأن قصف مقر إقامة بوتين، والآن ستتخذ روسيا موقفاً تكتيكياً موقتاً في شأن القضية الفنزويلية أيضاً".

ماذا تعني استراتيجية ترمب حقاً؟

بينما كان "مبدأ مونرو" للهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية ساري المفعول سابقاً، يشير إليه الخبراء الآن بسخرية باسم "مبدأ دونرو" - نسبة إلى شاغل البيت الأبيض الحالي. وهو مبدأ أكثر عدوانية.

سميت "عقيدة مونرو" نسبة إلى الرئيس الأميركي جيمس مونرو. في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) من عام 1833، ألقى خطاباً عارض فيه تدخل القوى العظمى الأوروبية في شؤون نصف الكرة الغربي. شكل هذا الخطاب أول إعلان للسياسة الخارجية للولايات المتحدة آنذاك، التي كانت في بداية نهضتها، وهو بمثابة معاهدة لتقسيم مناطق النفوذ. مع مرور الوقت، لم تقتصر هذه العقيدة على الحد من النفوذ الأوروبي في الأميركتين فحسب، بل أصبحت أيضاً أساساً لسياسة خارجية أميركية مهيمنة وعدوانية، سواء في نصف الكرة الغربي أو خارجه.

ابتداءً من أواخر القرن الـ19، استخدمت أحكام هذا المبدأ لتبرير تدخلات لا حصر لها في أميركا اللاتينية وهاواي ومناطق أخرى، مما أدى إلى ظهور عصر "أميركا كقوة مهيمنة عالمية". وفي الوقت نفسه، انتهكت الولايات المتحدة نفسها الاتفاقات الضمنية مراراً وتكراراً، متجاوزة "الخطوط الحمراء" وموسعة نطاق نفوذها إلى ما هو أبعد من المحيط الأطلسي.

بحسب تقديرات مختلفة، شاركت أجهزة الاستخبارات الأميركية في أكثر من 80 انقلاباً في أميركا اللاتينية خلال القرن الماضي وحده. وبدءاً من فيتنام، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً في شؤون دول نصف الكرة الشرقي، كالعراق وأفغانستان وأوكرانيا وغيرها. كان أنبوب اختبار واحد كافياً لإطلاق حرب الخليج وإسقاط نظام صدام حسين. أما في فنزويلا، فلم تكن هناك حاجة حتى لأنبوب اختبار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"مبدأ مونرو" و"عقيدة بوتينو"

الإمبراطورية الروسية طبقت "مبدأ مونرو" دون أن تعلن عنه منذ ما قبل عهد القيصر بطرس الأكبر، فهي كانت تتوسع دون حساب في محيطها الحيوي وتفرض نفوذها أينما استطاعت جيوشها الوصول، اعتباراً من القرن الـ17، لذلك كانت في حال اشتباك شبه دائم تقريباً مع جيرانها سواء في الجنوب مع الإمبراطورية العثمانية وخليفتها تركيا، أو مع اليابان في الشرق، وكذلك مع السويد في الغرب، والصراع كان دائماً يدور بهدف اكتساب مزيد من الأراضي والنفوذ، والرئيس الروسي الحالي يعتبر نفسه مؤتمناً على إرث الإمبراطورية الروسية بامتداداتها الجغرافية الشاسعة، وانطلاقاً من ذلك فإن بوتين يشعر بحساسية مفرطة تجاه أي تدخل خارجي في شؤون الأراضي التي كانت تشكل الإمبراطورية الروسية الغابرة، حتى لو كانت قد تأسست على هذه الأراضي جمهوريات مستقلة ذات سيادة بعيد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي، وما الحرب الدائرة حالياً على الأراضي الأوكرانية إلا نتيجة لهذه العقيدة الروسية التي ما زال يؤمن بها كثير من الروس، وبخاصة أولئك الذين ما زالوا يحملون توجهات قومية ويحلمون باستعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية.

لذلك فإن مبدأ مونرو لا يتعارض مع "عقيدة بوتينو" (نسبة إلى بوتين) التي تعتبر أن من حق الدول الكبرى أن تحمي نفوذها ومصالحها في حدائقها الخلفية القريبة، وتمنع تطاول الغرباء عليها، ومن هنا يمكن القول إن بوتين هو أكثر من يتفهم دوافع "صديقه اللدود" ترمب في استباحة فنزويلا وتحذيره بالفعل كوبا وكولومبيا من أنهما قد تكونان التاليتين في قائمة الدول المستهدفة. وكما قال البيت الأبيض نفسه: "FAFO"، وهي عبارة شوارعية تترجم تقريباً إلى "من يعصي سيجازى بما يستحق".

في الواقع تصنف استراتيجية ترمب للأمن القومي نصف الكرة الغربي كمنطقة ذات أولوية. لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن أوروبا لمصلحة روسيا وبوتين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ لمصلحة الصين وشي جينبينغ.

تقول الاستراتيجية نفسها عكس ذلك تماماً. فعلى رغم انتقادات الحكومات الأوروبية الحالية، تنص الوثيقة بوضوح على أن الولايات المتحدة لن تسمح لقوة معادية بالسيطرة على أوروبا. وتؤكد الاستراتيجية أنه "لا يمكننا التخلي عن أوروبا، فهذا سيكون انتحاراً في سبيل تحقيق أهدافنا".

ما الذي حدث حقاً؟

لا تعد العملية في فنزويلا جزءاً من اتفاق عالمي، بل هي بالأحرى تجسيد لنهج إدارة ترمب الجديد في السياسة الخارجية، القائم على مناطق النفوذ والواقعية السياسية. تعيد واشنطن تأكيد هيمنتها في منطقتها، لكن هذا لا يعني التخلي عن دورها العالمي.

كانت دوافع المغامرة الفنزويلية نابعة من اعتبارات سياسية داخلية أكثر مما هي من السياسة الخارجية. كثيراً ما طالبت قاعدة الجمهوريين الأساسية في جنوب فلوريدا باتخاذ إجراءات حاسمة ضد مادورو. وتتيح السياسة المتشددة تجاه فنزويلا لترمب الظهور بمظهر المتشدد في قضايا الهجرة والأمن ومكافحة المخدرات، وهي قضايا رئيسة بالنسبة إلى قاعدته الشعبية.

قد تستغل بكين وموسكو عملية فنزويلا لأغراض دعائية، لتصوير الولايات المتحدة كدولة تتجاهل القانون الدولي وتتصرف وفق "شريعة الغاب". لكن من غير المرجح أن يغير ذلك حساباتهما الاستراتيجية في شأن أوكرانيا أو تايوان. فلكل من هذين الصراعين منطقه وديناميكياته الخاصة، بمعزل عما يحدث في أميركا اللاتينية البعيدة.

وهنا يمكن لبوتين أن يسأل ترمب: هل يمكن عزل مادورو "الشرعي" وترك زيلينسكي "المنتهية ولايته" في منصبه؟ تتغير الأسماء، لكن السياسات تبقى مرتبطة بالمصالح وليس بالمبادئ.
ستشكل الأزمة السياسية في فنزويلا، التي بلغت ذروتها بالعملية العسكرية الأميركية، نقطة تحول في العلاقات بين موسكو وواشنطن. ووفقاً لعالم السياسة يوري سفيتوف، فإن هذه المرحلة ستزيل أخيراً النظرة الوردية وتنقل الحوار بين القوتين إلى مستوى براغماتي بحت.

وأوضح أن روسيا كثيراً ما أدركت أن أي إدارة أميركية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، تعتبر القوة العسكرية أداة مقبولة لحماية مصالحها، لا سيما في نصف الكرة الغربي. ولذلك، فإن الإجراءات الأميركية لم تؤكد في جوهرها إلا رؤية عالمية راسخة. إلا أن هذا لا يشير إلى تغيير جوهري في التعامل مع التناقض الرئيس، ألا وهو الصراع الأوكراني. فبالنسبة إلى لولايات المتحدة، يبقى هذا الوضع ورقة مساومة في لعبة جيوسياسية أوسع، صفقة يمكن استخدامها لممارسة الضغط. أما بالنسبة إلى روسيا، فإن القضية الأوكرانية تعد قضية أمنية جوهرية، مشكلة لا تتطلب المساومة بل تحقيق سلام مستدام ومضمون على حدودها. إن سابقة فنزويلا لا تؤكد إلا هذا الاختلاف الجوهري في المقاربات.

بحسب خبراء، لن تكون العاقبة الرئيسة لموسكو تغييراً في مسارها تجاه أوكرانيا، بل تعزيزاً لقناعتها الداخلية بصحة سياستها الدفاعية. تظهر حادثة مادورو بوضوح ما يحدث لدولة عاجزة عن ضمان دفاعها العسكري. وكما يشير السياسيون الروس، فهذه إشارة مباشرة إلى ضرورة تعزيز الجيش والقدرات الدفاعية. تحرر الإجراءات الأميركية روسيا فعلياً من قيودها، مبررة في نظرها بناء القدرات العسكرية باعتباره الضمانة الوحيدة للسيادة في العالم المعاصر.

وداعاً للقانون الدولي، ولقرارات مجلس الأمن الدولي، والمجاملات الجيوسياسية، والسؤال عن تراجع الديمقراطية، والأمن الدولي تحت وطأة الدمار، وهجمات الطائرات المسيرة والقصف المدفعي، واعتقال رؤساء أجانب على يد القوات الخاصة الأميركية في أراض ذات سيادة، و"وداعا" لبروكسل ومعاييرها وليبراليتها. كم طال هذا الوضع، وكم هو ممل، وللأسف، كم هو متكرر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات