ملخص
ترمب يلوّح بفكرة الديكتاتورية ويؤكد أن له الحق في فعل ما يشاء، فيما تكشف إقالاته لرئيسة مراكز السيطرة على الأمراض وأعضاء في الاحتياط الفيدرالي عن مساعٍ للهيمنة المطلقة. امتد نفوذه الانتقامي إلى مكتب إحصاءات العمل ومعارضيه مثل جون بولتون، فيما يصف خبراء نهجه بأنه استحواذ على ما يستطيع ومعاقبة من يقاوم.
قضى الرئيس الأميركي دونالد ترمب جزءاً من هذا الأسبوع في ما اعتاد فعله دائماً، وهو التأمل بصوت عال. هذه المرة، خطرت بباله فكرة أن يصبح ديكتاتوراً. وفيما أصر على أنه ليس كذلك، مؤكداً أنه لا يستسيغ الفكرة، إلا أنه أعرب عن اعتقاده بأن عدداً كبيراً من الأميركيين قد يرحبون بذلك فعلاً.
كذلك أدلى ترمب بتصريح آخر هذا الأسبوع، ولم يكن هذه المرة مجرد حديث عابر، قال فيه: "لي الحق في أن أفعل ما أشاء، فأنا رئيس الولايات المتحدة الأميركية". وقد جاء كلامه بنبرة تحد وغضب، أما ما إذا كان هذا الكلام يعكس حقاً تفكير رجل ديمقراطي، فأترك لكم الحكم عليه.
لكن بدلاً من قضاء الدقائق القليلة المقبلة في محاولة تحليل ما يعنيه الرئيس الأميركي بكلماته ومشاعره هذه، قد يكون من الأجدى النظر إلى أفعاله.
ففي دليل الموارد البشرية، يبدو أن هناك مدرستين فكريتين في ما يتعلق بثقافة بيئة العمل. الأولى هي النهج الودي الذي يقول: "كن على طبيعتك وقدم أفضل ما لديك"، بمعنى آخر نريد أن يكون هناك تنوع في الخلفيات والأفكار ووجهات النظر، ثم هناك المدرسة الأكثر حدة التي تقول: "إما أن تتأقلم، أو ترحل غير مأسوف عليك".
إن أسلوب إدارة دونالد ترمب، هو بلا شك ومن دون أي اعتذار أو تردد من النوع الثاني، قاس لا يقبل المساومة. والأمر لا يقتصر على البيت الأبيض، فهو يتولى قيادة البلاد كما لو أن كل مؤسسة وكل شركة فيها يجب أن تمتثل له وتلتزم به، وأن تطيع ولا تعترض على سلطته أو تشكك بها.
إذا أردتم مثالاً واضحاً على ذلك، عليكم مشاهدة آخر اجتماع لمجلس وزراء الرئيس الأميركي. فقد بدا أعضاء حكومته، الواحد تلو الآخر، وكأنهم يتسابقون في مزاد إطراء جامح حول من يمكن أن يكون الأكثر تملقاً على طريقة: "أرى تملقك وأزايد عليه بتذلل أشد"، و"أرى تذللك وأزايد عليه بمديح يبعث على الاشمئزاز". بصراحة، أتحداكم أن تتحملوا متابعة هذا المشهد أكثر من 90 ثانية، قبل أن تشعروا بالغثيان وتضطروا إلى البحث عن وعاء للتقيؤ. حتى أشد المطبات الجوية لا تضاهي هذا المشهد.
لكن انظروا ماذا يحدث إذا ما أظهرتم استقلالية في التفكير، أو الأسوأ من ذلك، إذا اتبعتم الحقائق والبيانات والعلم.
فقد شهدنا هذا الأسبوع إقالة رئيسة الهيئة الأساسية المسؤولة عن الصحة العامة في الولايات المتحدة، وهي "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" CDC. حدث ذلك ولم يكن قد مضى على تولي الدكتورة سوزان موناريز مهمات منصبها سوى أقل من شهر، لكنها في الواقع اختلفت مع وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي جونيور. وقد عزا البيت الأبيض السبب في إقالتها إلى أنها لم تكن متوافقة مع أجندة الرئيس، علماً أنها اتبعت في ما قامت به، بما يمليه عليها العلم.
وقد كتب محاموها توضيحاً جاء فيه: "عندما رفضت سوزان موناريز مديرة ’مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها’ أن تصادق على توجيهات غير علمية ومتهورة، وامتنعت عن إقالة خبراء صحيين متفانين، اختارت حماية المصلحة العامة على حساب أجندة سياسية، ولهذا السبب جرى استهدافها".
وقد اعتبر كثيرون من كبار مسؤولي "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" أن تدخل البيت الأبيض تجاوز الحدود، فاستقال عدد منهم. ومن أبرزهم كبيرة المسؤولين الطبيين في الولايات المتحدة الدكتورة ديبرا هوري، التي قدمت رسالة استقالة لاذعة قالت فيها: "لا أستطيع العمل في بيئة تستخدم ’مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها’ أداة لوضع سياسات ومواد تتجاهل الحقائق والواقع العلمي، وتهدف إلى الإضرار بالصحة العامة بدلاً من تحسينها. إن التعديلات الأخيرة على جداول تطعيم البالغين والأطفال تعرض حياة أصغر الأميركيين للخطر".
هذا ما جرى في الهيئة المسؤولة عن صحة نحو 300 مليون أميركي، وعلى الصعيد الاقتصادي يتكشف مسار مشابه داخل المؤسسة المعنية بصحة اقتصاد البلاد.
شكل الاحتياط الفيدرالي على مدى عقود أحد أعمدة القوة الاقتصادية المذهلة للولايات المتحدة وأسباب نجاحها، ويكمن سر ذلك في استقلاليته عن الضغوط اليومية للسياسة الانتخابية وتقلبات السياسيين. وكما هو حال بنك إنجلترا، يحدد الاحتياط الفيدرالي أسعار الفائدة بما قد يرضي السياسيين أحياناً ويثير غضبهم في أحيان أخرى، لكن أحكامه تستند حصراً إلى ما يخدم مصلحة البلاد، لا ما يخدم مصلحة من يوجد في السلطة في لحظة معينة.
ويبدو أن دونالد ترمب يعيش حالة شبه دائمة من الغضب حيال ذلك، فهو يسعى إلى إحكام قبضته على السياسة النقدية، عبر خفض أسعار الفائدة وتحديد توقيت هذه التخفيضات وحجمها بنفسه. غير أن استهدافه المباشر لرئيس الاحتياط الفيدرالي جيروم باول كان سيؤدي إلى اضطرابات جديدة في أسواق السندات، لذلك لجأ بدلاً من ذلك إلى إقالة ليزا كوك، إحدى الأعضاء السبعة في مجلس محافظي الاحتياط الفيدرالي، وأول امرأة أميركية من أصل أفريقي تتولى هذا المنصب. لكن لنسقط جانباً هذه المصادفة، ونعتبرها، تساهلاً، مجرد أمر عابر.
ما هي "جريمة" كوك؟ أحد المؤثرين اليمينيين اتهمها بارتكاب فعل احتيال على الرهن العقاري قبل أعوام عندما كانت في المجال الأكاديمي (قارنوا ذلك بالجدل الدائر حول أنجيلا راينر نائبة رئيس الوزراء البريطاني [تخص مزاعم بارتكابها مخالفات تتعلق بتصريحات تخص ملكية منزلها والإعفاءات الضريبية المرتبطة به]). لم يجر إثبات أي شيء، ولم يجر حتى أي تحقيق، لكن من يهتم حتى بالإجراءات القانونية الواجبة، فالزعم كان كافياً ليتخذ منه الرئيس ترمب ذريعة لإقالتها. الأمر أثار جدلاً قانونياً منفصلاً تماماً في شأن ما إذا كانت لدى رئيس الولايات المتحدة السلطة للقيام بذلك أساساً، وقد رفعت السيدة كوك دعوى قضائية اعتبرت فيها قرار فصلها غير قانوني وباطل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبإبعاد كوك، أتيح لترامب أن يعين عضواً في مجلس المحافظين على هواه، مما يعني أن مجلس الاحتياط الفيدرالي سيتشكل من غالبية موالية له، وبذلك يفرض سيطرته الفعلية على أهم مؤسسة اقتصادية في الولايات المتحدة. وهذه الخطوة تنسجم مع قرارات أخرى، من بينها إقالة رئيس "مكتب إحصاءات العمل" لمجرد تقديمه بيانات لم تعجبه.
لكن ليس الأشخاص الذين في مواقع السلطة هم وحدهم مهددين من ترمب وفي مرمى نيرانه، لاحظوا ما حدث للأفراد الذين عارضوا الرئيس أو انتقدوه. ففي الأسبوع الماضي، دهم "مكتب التحقيقات الفيدرالي" FBI منزل جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق لدونالد ترمب، في إجراء بدا أنه حصل بدافع انتقامي محض، وقد عاش آخرون أقل شهرة من بولتون تجارب مماثلة.
وفي الأوساط الأكاديمية، وأجهزة الاستخبارات، والفنون، والإعلام، تتكرر الأنماط ذاتها. وقد لخص مايك ألين، مؤسس موقع "أكسيوس" والصحافي المخضرم في واشنطن، نهج ترمب بالقول: "يستولي على ما يستطيع، ويعاند فيما لا يستطيع، ويعاقب من يقاوم".
هل هذه أفعال ديكتاتور أم فاشي في طور التشكل، كما يصفه بعضهم؟ بالنسبة إلي يبدو ذلك تبسيطاً وسطحية. أما السؤال الأوضح: هل تعيش الولايات المتحدة اليوم تحت قبضة أكثر الرؤساء استبداداً وتعطشاً للسلطة وتركيزاً لها مما عرفناه من قبل؟ الإجابة هنا أكثر وضوحاً وبساطة.
© The Independent