ملخص
كان عباس كيارستمي وجعفر بناهي يحظيان بغضب رسمي إيراني معلن ومعلنة أسبابه، ولم يكن ذلك الغضب ليحفل بكون هذين المخرجين قد أوصلا إيران إلى العالم وإلى العصر عبر أفلام أحبها العالم والعصر، وكانت المساهمة الإيرانية الوحيدة، منذ ثلاثة عقود في الأقل، في إبداعات العالم.
حتى وإن كانت مدينة بيروت قد شهدت قبل ذلك بسنوات عديدة تظاهرات كثيرة كانت السينما الإيرانية محورها، فإن الغالبية العظمى من تلك التظاهرات كانت غالباً ما نظمت تحت رعاية السفارة الإيرانية والمرتبطين بها في لبنان. بالتالي لن يكون على القارئ، والمتفرج السينمائي الذي يتعين عليه تخيل المشهد كما بدا في بيروت ذات يوم قبل 10 سنوات من اليوم تحديداً، أن يخمن اليوم أن التظاهرة المفاجئة التي أقيمت خلال تلك الفترة في العاصمة اللبنانية، أتت لتشكل جزءاً من ذلك النشاط السينمائي الرسمي. صحيح أن الأفلام المعروضة أتت حاملة توقيعي اثنين من أبرز السينمائيين الذين صنعوا في العالم مجداً أكيداً ونموذجياً لفن صناعة السينما الإيرانية، وكانا يعدان خلال تلك المرحلة وما قبلها، من أبرز أقطاب "الفن السابع" في العالم، وتحاول المهرجانات والمناسبات كافة أن تستقطب أفلامهما، غير أن الواقع يفيد بأن أحدهما كان يعيش خلال تلك السنوات تحديداً خارج بلاده محققاً أفلاماً تخرج عن إطار هموم هذه البلاد، في وقت الثاني يعيش داخل بلاده، سجيناً سنوات عدة مقبلة. ففي ذلك الحين كان عباس كيارستمي وجعفر بناهي يحظيان بغضب رسمي إيراني معلن ومعلنة أسبابه، ولم يكن ذلك الغضب ليحفل بكون هذين المخرجين قد أوصلا إيران إلى العالم وإلى العصر عبر أفلام أحبها العالم والعصر، وكانت المساهمة الإيرانية الوحيدة، منذ ثلاثة عقود في الأقل، في إبداعات العالم.
ارتباط وثيق
هذه المساهمة هي منطق ثوري حقيقي من لدن مبدعين وقفا بداية مع "الثورة الإسلامية" حين اندلعت، لكن دربيهما انفصلا عن درب الدولة التي راحت ومنذ بداياتها على أية حال، تحكم باسم تلك الثورة. والحكاية كلاسيكية بالطبع، عرفتها كل الثورات التي تحولت دولاً، وعرفها جميع المبدعين الذين آمنوا بالثورات حتى تبدلت هذه الثورات فخابت أحلامهم. لذا لا نتوقفن هنا طويلاً، ولنعد إلى الموضوع الأساس. والموضوع الأساس كان، هنا، تلك التظاهرة المميزة، ليس فقط في ما قدمته من عروض، خصوصاً أن أدركنا أن معظم الأفلام المعروضة في صالة "متروبوليس" البيروتية، معروفة وسبق عرضها مراراً وتكراراً، بل في ذلك التجاور الذي أقامته يومها، للمرة الأولى، كما نعتقد، بين أفلام كيارستمي وأفلام بناهي. ففي الحقيقة لم يكن هذا التجاور صدفة، أو "زواجاً عارضاً"، بل هو حتمي، لأن الواقع يقول لنا أن الاسمين قد ارتبطا ببعضهما بعضاً ارتباطاً وثيقاً. فبناهي اشتغل، زمناً طويلاً، مساعداً لكيارستمي في أفلامه الأولى وعاونه في كتابة بعض سيناريواته. أما كيارستمي، فكان المحرك الأساس في تحول بناهي إلى الإخراج، كما أنه زوده ببعض السيناريوهات المميزة، التي حققها في أفلام قد تكون قليلة العدد، لكنها بلغت من الشعبية ما لم تبلغه أية أفلام إيرانية أخرى، بما في ذلك أفلام كيارستمي نفسها، التي يمكن النظر إلى أحدثها، ومنذ عقدين في الأقل، على أنه يحمل كثيراً من السمات النخبوية والتجريبية.
تمايز أم بالأحرى تكامل؟
انطلاقاً من هنا، حتى وإن كانت التظاهرة البيروتية تعرض من أفلام كيارستمي أفلاماً "كلاسيكية" قديمة، مثل "أين منزل صديقي" عام 1987، و"لقطة مكبرة" عام 1990، فإنها تعرض له أيضاً أفلاماً حديثة أكثر تجريبية بكثير، بالتالي أقل "جماهيرية"، مثل "شيرين"، و"نسخة طبق الأصل"، آخر أعماله حتى الآن والذي حققه في إيطاليا من بطولة جولييت بينوش، انطلاقاً من هنا إذاً، يمكن القول إن التجاور بين هذه الأفلام، وعدد غيرها من الشرائط القصيرة التي حققها كيارستمي، وأفلام "تلميذه" وصديقه بناهي، إنما هو تجاور التكامل. ولا يعتقد أننا نغالي في هذا القول، حتى وإن أدركنا أن الأفلام الثلاثة المعروضة من أعمال بناهي، وهي "البالون الأبيض" عام 1995، و"دم وذهب" عام 2003، وأخيراً "أوف سايد" عام 2006، تبدو غير ذات علاقة على الإطلاق بأسلوب كيارستمي أو لغته السينمائية. ومن هنا لتأكيد التكامل قد ينبغي علينا أن نتذكر دور صاحب "لقطة مكبرة"، في سيناريوهات بناهي، إذ سيبدو لنا الأمر وكأن هذا المخرج الذي بات يعتبر من كبار "الفن السابع" في عالم اليوم، أقام قسمة عادلة ذات يوم: فهو إذ بدا عليه أنه، قبل سنوات، في حاجة إلى أن يحدد طريقه السينمائي المقبل، اختار سلوك درب التجريب، غير الجماهيري، والذي لن ينال بالتأكيد حظوة لدى سلطات إيرانية رقابية شديدة التنبه إلى "النقاء الثوري" و"البعد الجماهيري"، وشديدة الهيمنة في الوقت ذاته على لعبة الإنتاج والعرض والتوزيع، في وقت "كلف" بناهي بسلوك درب السينما الشعبية ذات المواضيع "الواضحة" واللغة الكلاسيكية، كانت قسمة عادلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تجريبية مرفوضة
ولكن حتى اللحظة التي عادت وافترقت فيها الدروب الأيديولوجية، وليس اللغوية فحسب، بين أبرز الفنانين والمبدعين الإيرانيين، والسلطات في بلادهم، تحديداً مع مجيء سلطة أحمدي نجاد على أنقاض فشل الإصلاحيين الذين كان في مشروعهم، النظري في الأقل، ما يغري المبدعين الحقيقيين، بالتالي صارت مرفوضة تجريبية كيارستمي، في الداخل في الأقل، وكذلك "كلاسيكية" بناهي، في الداخل والخارج معاً، في معنى أن السلطات إن كرهت أفلام الأول، لم تعدها خطرة ما دام "بعدها السياسي" ظل خبيئاً في أعماق اللغة التجريبية التي كانت تلك السلطات مدركة أنها لن تصل إلى الجمهور فلن تصبح تدميرية بالتالي، ووقفت موقف العداء الكلي من سينما الثاني التي تبدت مفهومة، واضحة وتحريضية طواعية. ونعرف على أية حال أن بناهي بقي زمناً طويلاً جداً، بل حتى الآن على أية حال "عدواً شرساً للنظام الإيراني الحاكم"، وتجلى ذلك العداء قبل أشهر قليلة حين توج نشاط بناهي السينمائي، بعد سنوات من رحيل صديقه ومعلمه كيارستمي مأسوفاً عليه، توج بالحصول على السعفة الذهبية في الدورة الأخيرة لمهرجان "كان" السينمائي في الجنوب الفرنسي، تتويجاً لم يكونوا بعيدين جداً عن الصواب أولئك الذين اعتبروه موقفاً سياسياً نتج من الاضطهاد الذي بات بناهي ضحية دائمة له في بلد لم يحب سينماه، لكنه سكت عن "مخالفات" كثيرة "اقترفها"، لكنه على رغم ذلك ظل يحقق أفلامه على رغم إقامته الجبرية، وظل قادراً على تمرير تلك الأفلام إلى الغرب على رغم عن الرقابة المتشددة ما يثير دائماً علامات استفهام ليس حول النزوع القمعي للنظام، بل حول "المستوى الحقيقي لنزعة بناهي المشاكسة"، بيد أن هذه مسألة أخرى بالطبع. ففي النهاية، كانت المناسبة البيروتية سابقة على كل ذلك الطرح.
الموت المستحيل
من هنا في عودة إلى تلك المناسبة التي كانت ذات أهمية فائقة حينها، لا بد من أن نذكر أن الفوارق، ومن ثم التكامل الذي تكشف عنه الأمر بين فني السينمائيين، أتت تلك التظاهرة لتوضيحها، إذ خلال ما يقارب 10 أيام، وعبر عروض متتالية وكاشفة، أتيح للمهتمين، وكانوا كما كان متوقعاً، كثراً بالتأكيد، فرصة نادرة، ليس فقط لمشاهدة ومعاينة، وربما أيضاً معايشة، سينما صارت ذات حضور كبير في العالم كله، وتحديداً، عبر بعض أفلامها الرئيسة، والأهم من بينها إلى جانب أفلام للمنشق الآخر محسن مخملباف، والمتمردة السجينة بين الحين والآخر تهمينة ميلاني، وزميلتها راكشان بني اعتماد، وغيرهم، بل كذلك لإدراك تلك الأبعاد التي تكاد تجعل من سينما كيارستمي وسينما بناهي، ما يشبه سينما واحدة ذات رأسين. وفي يقيننا أن هذا البعد بدا أساساً ومتميزاً في تلك التظاهرة، حتى وإن كان علينا أن نؤكد أيضاً، أن المختار من أفلام المبدعين الكبيرين، ليعرض هنا، إنما كان أعمالاً يحمل كل واحد منها قصته الخاصة ودلالاته العميقة، ناهيك بما يحمله من دروس سينمائية و"لغوية" و"تعبيرية" لا بأس من أن نقول إنها شكلت متجمعة معاً، درساً ثميناً لكل من كان يريد أن يخوض هذا الفن النبيل، فن السينما، خارج الأموال الكبيرة، ورعاية السلطات، وسطوة مبدأ "الجمهور عاوز كده"، وذلك، في بساطة تامة، لأن أفلام كيارستمي وبناهي أتت يومها وكما كان عهدها دائماً، لتقول لنا، بوضوح، الأسباب التي تدفعنا إلى الإيمان الدائم بأن السينما لن تموت مهماً كانت قوة أعدائها؟