Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل هناك من يدعم الأطماع الجغرافية لإسرائيل حول العالم؟

من غير الممكن لأية دولة لا يتجاوز مقاتليها 3 ملايين جندي إخضاع أراض يسكنها 150 مليوناً

لم تكن حروب إسرائيل الأخيرة لتتم إلا نتيجة عقود من الدعم المالي والسياسي والدفاعي من الولايات المتحدة (اندبندنت عربية)

ملخص

ربما تتمكن إسرائيل من إجراء تدريبات محاكاة حرب تشمل جميع أعدائها المعروفين والمحتملين عبر الأجهزة الإلكترونية، بل وحتى ضد آخرين ضمن نطاق 1300 كيلومتر من تل أبيب على خريطة إسرائيل الكبرى وما بعدها، لكن الغزو العسكري الفعلي للغالبية العظمى من الدول مستبعد للغاية.

خلال أسبوع واحد تداعت سلسلة من الأخبار التي بدا أنها تصب ضمن خانة واحدة وهي بدء تنفيذ مفهوم إسرائيل الكبرى بصورة عملية، ففي مقابلة مع قناة إخبارية إسرائيلية يمينية، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه في مهمة تاريخية وروحية في شأن أرض إسرائيل الكاملة، ووافقت إسرائيل على مشروع استيطاني تأخر لعقود، والذي يعد خطوة حاسمة على طريق ضم الضفة الغربية لإسرائيل، بينما يستعد الجيش الإسرائيلي للسيطرة على كامل قطاع غزة، خلال وقت بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مناقشة إدارة قطاع غزة بعد الحرب مع صهره جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وكلاهما مؤيد لمشاريع إسرائيل التوسعية.

خطة ممنهجة

عندما وافقت السلطات الإسرائيلية على بناء 3400 منزل قبل أيام قليلة في موقع (شرق 1) أو (إي 1) بالضفة الغربية المحتلة والذي يطل على مستوطنة معاليه أدوميم، كان ذلك يعني أن القدس ستكون محاصرة من كل حدب وصوب حينما يبدأ البناء، مما يستحيل معه التواصل الجغرافي الفلسطيني بين الشمال والجنوب، ومن ثم القضاء على حلم إقامة دولة فلسطينية إلى جوار دولة إسرائيل، لأن هذه الأراضي التي كان محظوراً البناء فيها لعدة عقود نظراً إلى أهميتها الجغرافية للدولة الفلسطينية، كان يمكن أن تضم البرلمان والمؤسسات الفلسطينية المستقبلية، مما يظهر مدى ما وصل إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تحطيم الطموحات الفلسطينية.

ولهذا لم يكن غريباً أن يحتفل المشرعون القوميون المتطرفون بما عدُّوه نهاية واقعية لفكرة قيام دولة فلسطينية، وتسريعاً لخطط إسرائيل ضم الضفة الغربية بأكملها التي يعيش بها 700 ألف مستوطن إسرائيلي وسط 3 ملايين فلسطيني، على رغم عدم شرعية المستوطنات بموجب القانون الدولي، لكن الشرعية الدولية لا تعني شيئاً لحكومة نتنياهو ووزير ماليته اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش الذي أعلن أن هذه الخطة ستمحو عملياً وهم الدولتين، وترسخ قبضة الشعب اليهودي على قلب أرض إسرائيل بحسب وصفه.

وفيما يقول باحثون في واشنطن إن نتنياهو تخلى على ما يبدو عن رؤيته لبناء علاقات مع دائرة خارجية من الدول العربية المعتدلة، والتي كان يجادل بأنها ستساعد في الضغط على الفلسطينيين للتوصل إلى تسوية إقليمية، يرسم رئيس الوزراء الإسرائيلي حالياً معالم هيمنة غير محددة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال حرب عام 1967، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، مفككاً بذلك دعائم الدولة الفلسطينية المستقبلية، وقد يذهب إلى أكثر من ذلك في سبيل تحقيق ما يعتقد أنها أمجاد ستخلد اسمه في تاريخ إسرائيل.

وما يجعل خطط نتنياهو ميسرة للتطبيق، تصويت المشرعين الإسرائيليين في الكنيست خلال يوليو (تموز) الماضي لمصلحة اقتراح رمزي غير ملزم يدعو إلى ضم الضفة الغربية، التي أسموها يهودا والسامرة وغور الأردن، إذ جاءت الموافقة بغالبية 71 صوتاً لصالحه و13 صوتاً ضده، مما يعكس الدعم السياسي الكبير لموقف الضم وتوسيع إسرائيل.

دعم ترمب

لكن خطط حكومة نتنياهو التي تستهدف ضم الضفة الغربية والسيطرة على قطاع غزة بالكامل، لم تكن لتنجح من دون دعم أميركي واضح أو في الأقل غض واشنطن الطرف عما يجري على الأراضي الفلسطينية المحتلة من انتهاكات للقانون الدولي.

وفي حين عارضت جميع الإدارات الأميركية السابقة بشدة بناء المساكن الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة للحفاظ على خيار التوصل إلى اتفاق سلام تفاوضي، وأثارت خطوات الاستيطان إدانة دولية شديدة من حلفاء إسرائيل التقليديين، صمتت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي لم تبد أية رغبة في الرد بحسب سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل والخبير في المجلس الأطلسي داخل واشنطن دانيال شابيرو، والذي يرى أن الحكومة الإسرائيلية الآن هي حكومة سموتريتش.

هذه البيئة المواتية للحومة الإسرائيلية خلقتها إدارة ترمب بحسب المدير التنفيذي لمنظمة السلام الآن ليور عميحاي، وهي منظمة إسرائيلية للدفاع عن الحقوق، إذ لم تعد الحكومة الإسرائيلية مضطرة إلى إخفاء أي شيء، بل يمكنها التعبير بصوت عالٍ، وبخاصة بعدما رفع ترمب عند توليه منصبه العقوبات التي فرضت في عهد بايدن على المستوطنين الإسرائيليين المتورطين في أعمال عنف متكررة، ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

تأييد مستمر

ولا يعد تأييد ترمب مفاجئاً لأحد، فخلال ولايته الأولى نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعترف بالمدينة بأكملها عاصمة لإسرائيل، على رغم أن معظم الدول تعد القدس الشرقية أرضاً محتلة ولا تعترف بالسيادة الإسرائيلية، واعترف بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية وشجع إسرائيل على ضم الضفة الغربية وتوسيع حركة الاستيطان.

وقبل فوزه بالانتخابات الرئاسية العام الماضي، وصف ترمب إسرائيل خلال حدث انتخابي في ولاية نيوجيرسي بأنها بقعة صغيرة على الخريطة، وتساءل عما إذا كانت هناك طريقة لزيادة مساحة إسرائيل، ورداً على سؤال لأحد الصحافيين خلال فبراير (شباط) الماضي حول احتمال ضم إسرائيل للضفة الغربية، شبه ترمب إسرائيل بقلم على مكتبه، بينما شبه سطح المكتب البيضاوي بمساحة الشرق الأوسط، واصفاً الفارق بأنه كبير جداً وليس جيداً.

وخلال استقباله نتنياهو ضمن زيارته الثانية للبيت الأبيض، طرح ترمب فكرة سيطرة أميركا على قطاع غزة والتي عرفت باسم "ريفييرا غزة"، على أساس تحويل القطاع إلى مكان استثماري بينما تُطهر غزة ويُنقل الفلسطينيون إلى دول أخرى مثل مصر والأردن، وهو ما يشير إلى رغبة ترمب المستمرة في التماهي مع الرؤية الإسرائيلية، لكن الدول العربية والأوروبية تصدت لهذا المشروع وواجهته بالرفض، ومع ذلك يثير لقاء ترمب الأخير ومناقشاته مع صهره جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير حول اليوم التالي في غزة شكوكاً حول تجديد مشروع ريفييرا غزة.

ولم تكن حروب إسرائيل الأخيرة في غزة والضفة ولبنان وسوريا وإيران لتتم إلا نتيجة عقود من الدعم المالي والسياسي والدفاعي من الولايات المتحدة، إذ تشمل المساعدات العسكرية الأميركية المقررة لإسرائيل على مدى الأعوام الـ10 المقبلة 35 مليار دولار للدفاع الأساس في زمن الحرب، إضافة إلى 52 مليار دولار أخرى لأنظمة الدفاع الجوي، وبمتوسط سنوي قدره 8.7 مليار دولار.

عصر إسرائيل الكبرى

لا ينبغي النظر إلى ترمب وحده في الدعم المطلق لإسرائيل، بل إلى من حوله من شخصيات مثل السفير السابق ديفيد فريدمان وجيسون غرينبلات وآخرين، ممن تعهدوا بمواصلة العمل الذي لم ينجز خلال ولاية ترمب الأولى، فهؤلاء يشكلون الآن محور ما تطلق عليه رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط لارا فريدمان "عصر إسرائيل الكبرى" في السياسة الأميركية، من خلال دعم الضم الإسرائيلي للأراضي بالقوة والتطهير العرقي داخل الضفة الغربية وغزة وأجزاء من لبنان، ورفع العقوبات عن المستوطنين، ومنع أي حظر على نقل الأسلحة لإسرائيل.

 

وبحسب لارا فريدمان، كان اختيار مايك هاكابي سفيراً للولايات المتحدة لدى إسرائيل، والذي ينكر احتلال إسرائيل للضفة الغربية، دليلاً قاطعاً على أن ترمب ينوي تحقيق أحلام "إسرائيل الكبرى" لليهود الصهاينة المسيحانيين والمسيحيين الإنجيليين، ثم ينسب الفضل إليه.

ومن بين الشخصيات المؤثرة في ترمب المتخصص في مجال القانون بجامعة جورج ماسون الأميركية وكبير الباحثين في مؤسسة هيرتيج اليمينية يوجين كونتوروفيتش، الذي يترأس أيضاً قسم القانون في منتدى كوهيليت السياسي وهو مركز أبحاث إسرائيلي يميني، إذ يدعو كونتوروفيتش الرئيس ترمب إلى دعم التطهير العرقي للفلسطينيين في غزة بصورة نشطة من خلال مساعدتهم على الفرار من الحرب وإجبار مصر على فتح حدود غزة، ثم تحفيز أو إجبار الناس على عبورها ومغادرتها نهائياً.

وفي عهد ترمب الممتد لثلاثة أعوام ونصف العام، ستمنح الولايات المتحدة إسرائيل أية أسلحة تريدها وتدعم سياسات الضم واستمرار الحرب في غزة، ورفض وقف إطلاق النار ومنع العالم من محاسبة إسرائيل بموجب القانون الدولي على أي شيء تفعله، بالتالي ستكون سياسة إسرائيل هي سياسة أميركا ولن يكون هناك أي تمييز وفقاً لفريدمان.

دور الإنجيليين الأميركيين

إضافة إلى دور اللوبي الإسرائيلي المعروف في دهاليز السياسة الأميركية، تسهم التصورات والمعتقدات الدينية والآراء الفريدة للإنجيليين الأميركيين في ترسيخ العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل ودعم "إسرائيل الكبرى" بصورة لا تخطئها عين.

يميل المسيحيون الإنجيليون، الذين يطلق عليهم أحياناً اسم البروتستانت الإنجيليين، إلى التمييز عن البروتستانت التقليديين من خلال لاهوت أكثر أصولية وقيم محافظة، ووفقاً لمسح مجلس شيكاغو للشؤون العالمية لعام 2024، يصنف واحد من كل ثمانية أميركيين (13 في المئة) أنفسهم ضمن فئة البروتستانت الإنجيليين البيض، أي ما يقارب 44 مليون شخص، ويعرف 61 في المئة من هؤلاء البروتستانت الإنجيليين البيض أنفسهم كجمهوريين، بينما يعرف القليل منهم أنفسهم كديمقراطيين (تسعة في المئة)، وصوت 80 في المئة منهم لترمب ضمن الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة التي خاضها، مما يعني أن ثلث أفراد الحزب الجمهوري الذين انتخبوا ترمب ينتمون إلى هذه الفئة.

يعتقد عدد من الإنجيليين أن استمرار وجود إسرائيل أساس لفهمهم لنهاية الزمان، كما هو موضح في سفر الرؤيا، ويعتقدون أن اليهود يجب أن يمتلكوا وطنهم في الأرض المقدسة إسرائيل قبل أن يأتي يسوع المسيح ثانية، وهو الهدف الأسمى في اللاهوت المسيحي بإقامة مملكة مسيحية على الأرض، مما يكشف اختلافاً جوهرياً بين آراء الإنجيليين تجاه إسرائيل مقارنة بغيرهم من الأميركيين.

ومن أبرز هذه الاختلافات أن الإنجيليين يعتقدون أن وجود إسرائيل هو نتيجة تدخل إلهي مباشر، إذ يشير استطلاعان أجراهما مركز بيو للأبحاث عام 2013، إلى أن نسبة المسيحيين الإنجيليين البيض الذين يقولون إن الله وهب إسرائيل للشعب اليهودي، تساوي نسبة اليهود المتشددين الذين يقولون الشيء نفسه (82 في المئة تقريباً)، مقارنة بنحو 44 في المئة من إجمال الجمهور الأميركي و55 في المئة من جميع المسيحيين الذين يحملون نفس الرأي.

وتؤثر وجهات نظر الإنجيليين تجاه إسرائيل على آرائهم في شأن قرارات السياسة الأميركية، إذ دعم غالبيتهم نقل الولايات المتحدة السفارة الأميركية لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس عام 2018، واليوم يتبنى الإنجيليون الأميركيون آراء مختلفة في شأن الحرب الدائرة بين إسرائيل و"حماس"، إذ يرى 64 في المئة من الإنجيليين البروتستانت البيض أن إسرائيل تدافع عن مصالحها وأن عملياتها العسكرية في غزة مبررة، في حين لا يرى ذلك من إجمال الأميركيين سوى 32 في المئة وفقاً لاستطلاع أجراه مجلس شيكاغو.

من أجل الإنجيليين

ولعل هذا هو أحد أبرز الأسباب التي تجعل ترمب يقول إنه يساند إسرائيل من أجل الإنجيليين الذين قال إنهم أكثر حماسة لإسرائيل من اليهود، إذ يعلم ترمب على ما يبدو أن دعم الإنجيليين لإسرائيل ليس قضية سياسية وإنما قضية كتابية دينية.

وبينما تقول الحكومة الإسرائيلية إن نحو 900 ألف أميركي زاروا إسرائيل سنوياً كسائحين، قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 نصفهم تقريباً من المسيحيين وكثير منهم إنجيليون يشاركون في جولات دينية، يشير ذلك إلى سبب كون عدد من المسيحيين الإنجيليين في الولايات المتحدة صهاينة أيضاً، أي إنهم مؤيدون أقوياء لإسرائيل وهو ما يعكسه حجم التبرعات الواسع لمشاريع الاستيطان الإسرائيلية على مدى عقود، كما أنهم يضغطون على المشرعين في واشنطن وبخاصة الجمهوريين لتقديم مزيد من الدعم العسكري والمالي لإسرائيل، حتى في ظل استمرارها في قصف غزة.

وعلى رغم تراجع أعداد الإنجيليين البيض داخل الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، فإن تأثيرهم القوي في الانتخابات يعود إلى مشاركتهم بكثافة ضمن صناديق الاقتراع، وكونهم مندمجين بغالبية ساحقة في حزب واحد هو الحزب الجمهوري، وفقاً لما يقوله روبرت جونز رئيس ومؤسس معهد أبحاث الدين العام.

سبب دعم الإنجيليين إسرائيل الكبرى

يقدم سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي وهو من أبرز الإنجيليين البروتستانت مثالاً واضحاً على دعم الإنجيليين لإسرائيل الكبرى، فهو لا يرى أي حق للفلسطينيين في أرضهم، ويطلق على الضفة اسم "يهودا والسامرة" وينظم رحلات روتينية للإنجيليين لدعم إسرائيل، وهو بذلك يعد نموذجاً لكيفية تأثير الإنجيليين في القرارات السياسية داخل واشنطن.

ويرتبط دعم الإنجيليين المطلق لإسرائيل بالاعتقاد الراسخ لديهم بأن نهاية العالم وعودة المسيح يرتبطان بتحقيق إسرائيل الكبرى كما كشفت عنه أقوال بعض المبشرين الإنجيليين وعدد من الكتب التي تحولت إلى أفلام سينمائية، ووفقاً لهذه النبوءة سيختفي جميع المؤمنين المسيحيين في العالم يوماً ما، وسيضطر جميع الملحدين المتبقين إلى العيش في عالم ما بعد المسيحية القاسي والوحشي ليعتمدوا على أنفسهم، ثم تأتي نهاية العالم المروعة على مدى سبعة أعوام من الفوضى العالمية، والكوارث الطبيعية والمعاناة وظهور المسيح الدجال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد نجاح اليهود في تأسيس إسرائيل الكبرى التي وعد بها الله أنبياءه إبراهيم وإسحاق ويعقوب بحسب اعتقادهم، سيبدأ الغزو العربي والإسلامي ضد إسرائيل ولن تستطيع أميركا وأوروبا إنقاذ إسرائيل لأنهما ستصبحان ضعيفتين، وفي خضم معركة هرمجدون، وهي المعركة الفاصلة لنهاية الزمان بين قوى الخير والشر، سيتدخل الله وسيأتي المسيح ويقيم مملكته ليحكم على الأرض ألف عام، ولهذا السبب تعد إسرائيل مهمة هنا لدى الإنجيليين في هذه النبوءة، لأن إعادة بناء الدولة اليهودية في إسرائيل هو أحد أحجار الدومينو التي كان لا بد من سقوطها كي يعود المسيح.

ومع ذلك، ليس كل الإنجيليين البيض يؤمنون بهذا الاعتقاد، ولكن لفترة طويلة آمن به كثير من الإنجيليين الأكثر نفوذاً في الولايات المتحدة، ونتيجة لذلك انتشرت هذه الفكرة وتغلغلت داخل العالم المسيحي الأميركي.

ما هي إسرائيل الكبرى؟

يشير مصطلح إسرائيل الكبرى عادة إلى مفهوم توسيع أراضي إسرائيل وسيادتها إلى ما يعده مؤيدو هذه الأيديولوجية أرضها التوراتية التاريخية، وهو مصطلح يحمل معاني متباينة لدى فئات مختلفة، إذ يفهمه الإسرائيليون غير المتدينين وفي الشتات على أنه يعني بسط سيادة إسرائيل على الضفة الغربية لنهر الأردن، وفي بعض التفسيرات، يعني الأراضي المحتلة سابقاً بعد حرب عام 1967 في شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان، لكن الصهاينة سواء كانوا يهوداً أو مسيحيين يفهمون تعبير إسرائيل الكبرى كما هو موصوف في الكتاب المقدس، أي من الفرات إلى النيل، وهي مساحة من الأرض تتجاوز بكثير دولة إسرائيل الحالية من حيث الحجم والمساحة، وتمتد لتشمل الأردن ولبنان وسوريا وأجزاء من مصر وتركيا ودول عربية أخرى إضافة إلى غزة والضفة الغربية.

وفي حين رفض مؤيدو دولة إسرائيل خلال العقود الماضية فكرة إسرائيل الكبرى، باعتبارها نظرية مؤامرة صورت هذه الفكرة كأداة للخطاب المعادي لإسرائيل والسامية، لنزع الشرعية عن وجود إسرائيل في الشرق الأوسط، فإن حديث نتنياهو الأخير وتأكيده إيمانه بإسرائيل الكبرى وتوغل إسرائيل البري في لبنان وسوريا خلال الأشهر الأخيرة، يمكن اعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع نطاقاً تتماشى مع مفهوم إسرائيل الكبرى بحسب ما تشير الباحثة في معهد الشرق الأوسط السياسي والاقتصادي إيكاترينا ماتوي.

وتعزز هذه المخاوف، تصريحات وزراء حكومة نتنياهو من اليمين المتطرف ومنهم عميخاي شيكلي وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، الذي عد لبنان وسوريا والعراق كيانات لا ينطبق عليها تعريف الدولة، مما يدل على تحول محتمل في نظرة إسرائيل إلى حدودها وحدود جيرانها، وبخاصة أن شيكلي أعرب عن قدرة إسرائيل على الاستيلاء على أجزاء من لبنان.

وتتجذر فكرة إسرائيل الكبرى في النصوص القديمة، إلا أن أهميتها السياسية الحديثة برزت مع صعود الصهيونية، إذ تصور مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل قيام دولة يهودية في الشرق الأوسط، وأشار هرتزل ذات مرة إلى رؤية توراتية، داعياً إلى أن تمتد حدود إسرائيل من وادي مصر إلى نهر الفرات.

وينبع هذا الرأي من اعتقاد عقائدي مفاده أن النبي إبراهيم أعلن نحو عام 2000 قبل الميلاد أن الله أوحى إليه بأنه منحه وجميع نسله الحق الحصري في أرض إسرائيل كلها، كما عرف لاحقاً بصورة فضفاضة ضمن آيات مختلفة من سفر التكوين في الكتاب المقدس والتوراة اليهودية، وغيرها من النصوص القديمة ذات الصلة.

فضل هرتزل بوضوح نطاقاً جغرافياً موسعاً لفكرة الأرض كلها، بمجرد تأمين وطن قومي يهودي في فلسطين، ومع ذلك يبدو أن هذه المرحلة النهائية اللاحقة لم تذكر في مفاوضاته مع القادة الأوروبيين سعياً للحصول على الدعم، إذ قدم الوطن المقترح على أنه نظام سياسي متعدد الأعراق والأديان، يتمتع بحقوق متساوية للجميع، ولا يعرض أياً من حقوق الفلسطينيين الموجودين للخطر.

وبينما جادل باحثون بأن كل أرض إسرائيل كانت دائماً مفهوماً روحياً لم يقصد أبداً تفسيره حرفياً بمصطلحات جغرافية موضوعية، إلا أن احتلال إسرائيل أراضي إضافية كالضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان، ثم توسعها في الأراضي داخل سوريا وجنوب لبنان، غذى الجدل بأن إسرائيل تواصل التوسع خارج حدودها الأصلية وبأن حلم الصهيونية في إسرائيل الكبرى لم ينته.

انتقاد وقلق

يواجه مفهوم التوسع معارضة دولية واسعة وبخاصة من الدول المجاورة، فقد دانت 31 دولة عربية وإسلامية، من بينها السعودية ومصر والعراق والأردن، تأييد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لرؤية إسرائيل الكبرى، على اعتبار أن هذا المفهوم ينتهك القانون الدولي ويمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، وأعلنت محكمة العدل الدولية أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.

وباستثناء الصمت الأميركي والدعم اللامحدود لإسرائيل، أعربت معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي رسمياً عن معارضتها للسياسات التوسعية التي تخالف القانون الدولي عبر بناء المستوطنات وضم الأراضي المحتلة. وخلال عام 2025، أعرب كثر عن معارضتهم العلنية لخطة محتملة من شأنها تهجير الفلسطينيين في غزة إلى دول أخرى.

تداعيات إسرائيل الكبرى

رؤية إسرائيل الكبرى ليست رؤية سلمية، بل هي رؤية حرب دائمة وغزو واستيطان، كونها أيديولوجية تنكر وجود الدولة الفلسطينية وتهدد جيران إسرائيل، وتقضي على أي أمل في السلام. ويمثل اعتناق رئيس وزراء إسرائيلي مدعوم بمليارات الدولارات من المساعدات الأميركية والدعم الدبلوماسي، لهذه الرؤية علناً أمراً ينبغي أن يقلق الناس في كل مكان، فهو ليس تصريحاً هامشياً، بل إعلان بأن زعيم إسرائيل يتبنى رؤية عالمية للتوسع اللامتناهي.

 

ويعبر صمت واشنطن عن كثير، إذ لا تزال الولايات المتحدة الراعي الرئيس لإسرائيل وتزودها بالأسلحة والمساعدات العسكرية والغطاء الدبلوماسي في الأمم المتحدة، وبمواصلتها تمويل إسرائيل دون قيد أو شرط، فإن الولايات المتحدة ليست متفرجة، بل أصبحت عنصراً فاعلاً لمشروع إسرائيل الكبرى، حيث كل مستوطنة تُبنى وكل عائلة تُهجر وكل قرية تُهدم تُنفذ بأسلحة وأموال أميركية، بحسب موقع "بيبولز وورلد" في شيكاغو والذي يمثل اليسار الأميركي.

وحتى داخل إسرائيل، حذر مسؤولون سابقون من الأخطار التي يمكن أن تواجهها إسرائيل نتيجة لتصريحات نتنياهو حول إسرائيل الكبرى، إذ حذر نائب مدير جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) سابقاً آري بيلمان، والمستشار السياسي نمرود نوفيك المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الراحل شمعون بيريز، من أن هذه الخطوة المتهورة ستجبر شركاء إسرائيل في السلام على قطع العلاقات مع إسرائيل، وستقضي على أمل تطبيع العلاقات مع السعودية وغيرها من الدول العربية والإسلامية غير العربية.

وعلى الصعيد الدولي، سيؤدي ترسيخ سيطرة إسرائيل الدائمة على جميع الأراضي إلى عزل إسرائيل وتعريضها لعقوبات قانونية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، مع عواقب وخيمة على جودة حياة الإسرائيليين والأمن القومي، لأن النية المعلنة لفرض السيادة على الأراضي إلى جانب الإجراءات الميدانية أدت بالفعل إلى تآكل علاقة إسرائيل مع أقرب أصدقائها في أوروبا، كما أن التآكل داخل الحزبين السياسيين الرئيسين في أميركا يهدد بتقويض التحالف الاستراتيجي غير المكتوب بين إسرائيل والولايات المتحدة.

وإضافة إلى ذلك، ستتطلب الكلف الأمنية المباشرة وغير المباشرة لفرض سيطرة إسرائيل على المنطقة بأكملها وعلى ملايين الفلسطينيين انتشاراً عسكرياً مستمراً وواسع النطاق، مما يحول الموارد الأساس لمهام أخرى، ويفرض كلفاً باهظة من الأرواح والمال، وسيعمق هذا الأمر الانقسام بين اليهود والعرب داخل البلاد وفي المنطقة ككل، وسيزيد فقدان التعاون مع أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية من العبء على القوات الإسرائيلية، وسيزيد من سفك الدماء.

هل تستطيع إسرائيل؟

ربما تتمكن إسرائيل من إجراء تدريبات محاكاة حرب تشمل جميع أعدائها المعروفين والمحتملين عبر الأجهزة الإلكترونية، بل وحتى ضد آخرين ضمن نطاق 1300 كيلومتر من تل أبيب على خريطة إسرائيل الكبرى وما بعدها، لكن الغزو العسكري الفعلي للغالبية العظمى من الدول مستبعد للغاية، بحسب أستاذ علوم الأخطار بالجامعة الأوروبية في قبرص آلان وارينغ، إذ يتطلب الغزو البري ثم الاحتلال أعداداً هائلة من العسكريين المدربين، وغالباً ما يكون ذلك في مواجهة مقاومة شديدة، وأن قلة قوات إسرائيل تجعل معظم الغزوات غير قابلة للتطبيق، ثم هناك مشكلة خطوط الإمداد والاتصالات والسيطرة على مسافات شاسعة، وسط عوامل متغيرة تتعلق بالبيئة والطقس.

وعلى رغم أن دعم دونالد ترمب غير المشروط لإسرائيل وخطابه الذي يشجع على عدوانها العسكري غير المقيد ضد جميع الأعداء، مما يجعل التوسع الإقليمي على غرار إسرائيل الكبرى الآن أكثر احتمالاً، فإنه من غير الممكن لإسرائيل (أو أية دولة لا يتجاوز عدد مقاتليها 3 ملايين مقاتل) إخضاع أراض محيطة لها يتجاوز عدد سكانها 150 مليون نسمة، ناهيك بعمليات الغزو والضم والسيطرة، كما لا يمكنهم الاعتماد على التكنولوجيا والأسلحة المتفوقة لسد هذه الفجوة الاستراتيجية، وخير مثال على ذلك ما عجزت عنه الولايات المتحدة في إدراك نقطة ضعفها في هذا الجانب، مما سبب خسارتها الفعلية في فيتنام والعراق وأفغانستان أمام فلاحين ذوي تكنولوجيا منخفضة.

وحتى لو تحقق حلم إسرائيل الكبرى، فإن إخضاع المنطقة لن يستطيع فرض سلام أميركي أو سلام إسرائيلي على المنطقة، بل سيغير ببساطة التضاريس والحدود النظامية بينما تظل الصراعات بلا نهاية، ومن ثم لن تفلح الغطرسة، لأن غالب الإمبراطوريات ذات الخطط الكبرى المنبثقة من أصحاب العقول المتعصبة والمتطرفين تفشل، كونها تنطوي على أوهام نرجسية بالعظمة والقوة العليا التي لا تقهر، بينما لا تعترف بحدودها ولا تعرف موطئ أقدامها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات