Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوغودين المشاكس صاحب أفضل ثلاثية مسرحية عن لينين

فلاح من دونيتسك الأوكرانية غير مسار المسرح السوفياتي ونقل الكرملين إلى خشبته

تمثال نصفي لنيقولاي بودوغين (1900 – 1962) (موقع الأدباء الروس)

ملخص

اشتُهرت مسرحيات نيقولاي بوغودين في المسرح السوفياتي بتصويرها الواقعي للحياة اليومية ممزوجاً بما تيسر من موضوعات اشتراكية وشيوعية، لكنه كان يعرف على نطاق واسع بأنه من خلال ثلاثية المسرحية عن لينين كان أول من استخدم الزعيم المؤسس كشخصية في أي عمل مسرحي.

إذا كنتم تعتقدون أن أنطون تشيخوف كان الكاتب المسرحي الأكثر شهرة في بلاد السوفيات خلال عصرها الإمبراطوري فأنتم مخطئون. كذلك ستكونون مخطئين إن سرتم مع التيار الذي كان يعتقد أن السوفيات اعتبروا دائماً مسرحية "الحضيض" لمكسيم غوركي مسرحيتهم المفضلة. فالحقيقة أن أي شيء من هذا كله لم يكن صحيحاً تماماً كما أنه لم يكن صحيحاً أن ذروة الحراك المسرحي السوفياتي تجلت في أسماء مثل ماياكوفسكي ومايرهولد وستانسلافسكي وغيرهم.

في الحقيقة، إن أهم وأشهر ما عرفته تلك الإمبراطورية السوفياتية المترامية الأطراف والمحبة عادة لفن المسرح كان يحمل اسماً قد يبدو منسياً اليوم: بودوغين. وكان الجمهور من بين أعمال بودوغين هذا يفضل تلك الثلاثية التي كرسها الكاتب نفسه في العقد الثالث من القرن الـ20 لمؤسس الاتحاد السوفياتي لينين، نازلاً من الكرملين من أعلى الأعالي إلى ساحات الحراك المسرحي. وهي ثلاثية لم ينافسها في الشعبية والمكانة لدى الجمهور السوفياتي العريض سوى مسرحية مبكرة للكاتب نفسه عنوانها "الأرستقراطيون".

وبوغودين، نيقولاي بوغودين، ليس سوى الاسم المستعار لكاتب من أصول قوقازية فلاحية يدعى في الأصل نيكولاي فيودوروفيتش ستوكالوف (1900 – 1962) ولد في دونيتسك الأوكرانية، على غرار عدد كبير من مشاهير الروس، ثم السوفيات ليموت لاحقاً في موسكو عن 62 سنة.

وكان بوغودين بالتالي كاتباً مسرحياً سوفياتياً. واشتهرت مسرحياته في المسرح السوفياتي بتصويرها الواقعي للحياة اليومية ممزوجاً بما تيسر من موضوعات اشتراكية وشيوعية، لكنه كان يعرف على نطاق واسع بأنه من خلال ثلاثية المسرحية عن لينين كان أول من استخدم الزعيم المؤسس كشخصية في أي عمل مسرحي. ومع ذلك لن يكون من السهولة الزعم أنه كان كاتباً ومثقفاً ممتثلاً، بل كان مشاكساً يبدو أنه تمترس وراء عمله على لينين ليفرض ما يلائمه من أفكار كما سنرى.

دراسة ابتدائية

تقول لنا سيرة بوغودين إن مسيرته التعليمية توقفت عند نهاية المرحلة الابتدائية. ومن هنا نراه بين سن الـ14 والـ20 من عمره، يعمل متنقلاً بين مجموعة من الوظائف البسيطة: بيع الصحف، وتوزيع لوازم الآلات الكاتبة ومعدات طب الأسنان، والعمل في ورشة آلات، وتجليد الكتب، والنجارة، لكنه وإذ انضم إلى الحزب البلشفي باكراً نجده خلال الحرب الأهلية الروسية، متطوعاً في الجيش الأحمر.

أما عام 1920 فنلتقيه مراسلاً لصحيفة "ترودوفايا جيزن" في روستوف على نهر ال دون، ثم مراسلاً متجولاً لصحيفة "برافدا" من عام 1922 إلى عام 1932، مع أنه استقر في موسكو منذ عام 1925. وهي الفترة التي تعززت فيها أحلامه الكتابية التي نقلت اهتمامه بالواقع الاجتماعي من الصحافة إلى المسرح، غير أن مساراته في هذا المجال استغرقت زمناً، لكنه كان زمناً فعالاً ومثمراً انتهى بكتابته تلك الثلاثية اللينينية من المسرحيات التي كان أهم ما فيها أنها وضعت لينين على المسرح، حتى وإن كان علينا أن نلاحظ أن لينين لم يحضر طوال الفعل المسرحي في أي من أجزاء الثلاثية طوال الوقت.

 

 

ولعل ذلك كان مطلوباً، بل شرطاً وضعته اللجنة الرسمية، وحتى الحزبية التي كانت قد قررت دعوة عدد من أكثر الكتاب حضوراً للمساهمة في كتابة نصوص تمجد القيادات البلشفية ونضالاتها، ليس في المسرح فحسب، بل وفي السينما والرسم والأوبرا وحتى في الباليه وفي مجالات أخرى.

ومن البديهي أن المجال المسرحي هو ما يهمنا هنا وأثار اهتمام بودوغين في ذلك الحين على رغم أن أحداً لم يدعه إلى المشاركة في تنافس خاضه كبار مبدعي الحزب من ألكسندر افينوغينوف إلى ألكسي تولستوي، ومن فلاديمير كيرشون إلى ألكسندر كورنيتشوك. والحقيقة أن أياً من هؤلاء لن يتذكر لاحقاً كيف ومن أين، برز بينهم ذلك الشاب الذي وجدوه فجأة ينافسهم، بل ويتفوق عليهم. فكانت ثلاثيته اللينينية التي صنعت له مستقبله.

قفزة كاتب متطفل

مهما يكن من أمر، كانت سلسلة بوغودين، المؤلفة من ثلاث مسرحيات، والتي جسد فيها لينين كشخصية، جزءاً من حركة سوفياتية عرفت باسم "لينينيانا"، سعت إلى ضبط طريقة تصوير لينين في الأعمال الفنية. ففي عام 1936، كلفت الحكومة، تحت إشراف مفوضية الشعب للتعليم، مجموعة من الكتاب والمخرجين، إنتاج أفلام ومسرحيات وسوى ذلك من أعمال فنية، تصور لينين والثورة، بصيغة وأسلوب عرض معتمدين.

وهنا لا بد من أن نذكر أن وجود بوغودين في المشروع لم يقتصر على إبراز مواهبه في الكتابة في المسرح التقليدي، بل أعار مهاراته في كتابة السيناريوهات لمسرح لينينغراد الحكومي للعرائس للقصص الخيالية بمسرحية بعنوان "حكاية الوحش المسمى إندريك".

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه من الغريب في هذا المجال أن بوغودين أبدى منذ ذلك الوقت المبكر مشاكسة جديرة بالذكر، حيث نراه على رغم عمله في ظل ظروف إبداعية مقيدة، يدعم المجلة الرئيسة للمعارضة "المسموح بها والرسمية" آنذاك، "نوفي مير". هو الذي ومنذ عام 1929 نشرت أولى مسرحياته، "تيمبو" التي كتبها بعد زيارة لمصنع جرارات ستالينغراد، إذ دارت أحداث المسرحية لاحقاً. وكان الموضوع الرئيس للمسرحية، وهو تفوق الشيوعيين الشباب على نظرائهم الأميركيين، موضوعاً شائعاً في الواقعية السوفياتية. كما تطرقت أعماله اللاحقة، ومنها "قصيدة عن فأس" عام 1930، و"موي دراغ" عام 1931 إلى موضوعات علاقة الصناعة السوفياتية بالإبداع. ومزجت مسرحياته في كثير من الأحيان بين "التقارير الواقعية" والدراما.

الحزب وشؤون القلب

ومع ذلك، سيبقى عمل بوغودين الأكثر شعبية، ثلاثيته عن لينين التي لن تكتمل على أية حال إلا طوال أكثر من عقدين من السنين فالجزء الأول، "الرجل ذو البندقية" ظهر عام 1937 فيما لن يظهر الجزء الثالث والأخير، "الثالثة: مثيرة للشفقة" إلا عام 1959، بينما ظهر الجزء الثاني والذي سيحظى بشهرة واسعة على أية حال، "أجراس الكرملن" منذ عام 1942، علماً أن الشخصية المحورية في الأول كانت شخصية الجندي شادرين الذي يصل إلى بيتروغراد عام 1917 ليدخل في الثورة ويحدث له في ذروة المسرحية أن يلتقي لينين (كثر على أية حال نظروا إلى المسرحية بوصفها أقرب لأن تكون سيرة ذاتية للكاتب نفسه). أما الجزء الثاني "أجراس الكرملين"، فتدور أحداثه عام 1920 ليتضمن بدوره مشهداً يتحدث فيه لينين مع صانع ساعات يهودي عجوز يعمل في إصلاح أجراس الكرملين حتى يتمكنوا من عزف النشيد الوطني، وأما في الجزء الثالث "الثالثة: مثيرة للشفقة" فاستخدم خبر وفاة لينين كفكرة مأسوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن بقية أعمال بوغودين المعروفة يمكن أن نذكر بالطبع مسرحيته "عندما تنكسر الرماح" عام 1953 تلك الكوميديا التي حققت في حينه نجاحاً جماهيرياً كبيراً ربط برحيل ستالين الذي لم يُثر أسى كبيراً في نفس بوغودين على ما يبدو. هذا فيما لا بد من أن نذكر من بين آخر أعماله الكبيرة "سونيتا بيترارك" عام 1956 التي يبدو واضحاً أنها تتخذ موقفاً فكرياً يكاد يلخص ما أراد بوغودين دائماً أن يقوله، لكنه أخفاه في ثنايا فكره أو أنه ارجأه في انتظار أزمنة أكثر ملاءمة ومفاده أن "هناك بعض الأمور الفردية - المشاعر الشخصية وشؤون القلب - لا ينبغي وفي الحوال كافة أن تدخل في نطاق عمل الجماعة أو الحزب".

وصايا فنية وسياسة

والحقيقة، إنه في هذا السياق يتعين علينا أن نبحث عن بوغودين الحقيقي الذي رغم كل شيء، وعلى رغم التزامه السياسات الحزبية بصورة أو بأخرى، عرف كيف يمرر في ثنايا مسرحياته، كما كان قد سبق أن فعل عند بداياته الصحافية، في ثنايا مقالاته وتحقيقاته، مواقف صحيح أنها كانت تتطلب فك شيفرات وتحليلات معمقة لتلمس مدى مشاكستها، لكن الكاتب تمكن من أن يتركها وراءه إرثاً يريحه شخصياً من دون أن يتسبب له في متاعب كان هو في غنى عنها.

ومن المؤكد أن استخدامه لشخصية لينين ولو كمرور عارض في مشاهد معينة، وبخاصة في أجزاء الثلاثية، كان الدرع التي حمته، مما جعل الباحثين والمؤرخين يعودون لتحليل ذلك الوجود اللينيني بعد سنوات من رحيل الكاتب ليدركوا مدى مكره وما في كتاباته من وصايا قد تكون فنية، لكنها في عمقها كانت وصايا سياسية وفكرية وحتى حزبية من نوع فريد.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة