ملخص
تدور رواية "فوق رأسي سحابة" للمصرية دعاء إبراهيم حول مأساة امرأة تحولها جريمة طفولتها إلى أداة انتقام من مجتمع متواطئ، مازجة بين النفسي والعجائبي، في سرد يتنقل بين مصر واليابان.
في قلب روايتها "فوق رأسي سحابة" تتعدد المواضيع التي تطرقت الكاتبة دعاء إبراهيم إليها، إذ يقع في محورها الاعتداء الجسدي والجنسي على "نهى" وهي في عمر الـ12 من خالها. وهي الجريمة التي كسرت براءة طفولتها، وأسست لمسار معقد من الألم والاغتراب والتمزق الداخلي، أو بالأحرى السحابة التي قبعت فوق رأسها الشارد. سحابة قلق دائم وحزن مقيم، وتهديد غامض في الأفق كأن شيئاً على وشك الحدوث. سحابة الضبابية الفكرية والنفسية التي تعانيها البطلة، سواء في فهم ذاتها أم فهم العالم.
وهكذا تقدم الرواية (دار العين) حدثاً تأسيسياً شكل علاقة "نهى" بذاتها والعالم، حدثاً ممتد الأثر لم يتوقف عند زمن وقوعه، بل استمر في توجيه سلوكها وانفعالاتها ومسارات علاقاتها اللاحقة. تلك القضية النفسية جعلت الرواية تميل إلى كتابة الداخل بضمير المتكلم، إذ يتمحور السرد حول ما تعيشه "نهى" من تشوش فكري وانفصام في الهوية وميل إلى العزلة والانسحاب، تهتم بما يعتمل في نفس الساردة وتركز على المناطق الضبابية والارتباك النفسي.
على خطى موراكامي
يظهر هذا الارتباك النفسي والتشويش الداخلي في الجانب العجائبي الذي وظفته دعاء إبراهم داخل الرواية بالغراب الذي يخاطب "نهى" ويبلغها بمن سيموت اليوم، سواء من المرضى في المستشفى الذي تعمل فيه، أم في الحياة العامة. يشبه غراب هاروكي موراكامي في رواية "كافكا على الشاطئ"، الذي يتجسد صوتاً داخلياً غامضاً يحاور البطل في لحظات العزلة والانكسار. كأن الغراب هو "الآخر" النفسي المكبوت، وهو الدور ذاته الذي يلعبه الغراب في "فوق رأسي سحابة"، يظهر في لحظات ضعف وانكسار البطلة، ليخبرها بأسماء الشخصيات التي عليها أن تقتلها، ويغيب في لحظات انسجامها القليلة مع العالم.
تتقاطع شخصية "نهى" مع "أوماميه" في رواية "1984" لموراكامي في عدد من السمات، فكلاهما يوجه عنفه نحو المعتدين جنسياً، باستخدام أدوات طبية دقيقة تضمن عدم انكشاف الأمر. تعمل "نهى" في مجال التمريض، فيما تعمل "أوماميه" مدربة لياقة بدنية، وتمتلك كل منهما مهارات متقنة في مجالها تجعلهما تحظيان بأعلى درجات التقدير. يشتركان أيضاً في العمر الثلاثيني، تستعين "أوماميه" بإبرة رفيعة توخز بها الضحية في مكان محدد، مما يؤدي إلى وفاته، في صورة أقرب إلى الجلطة الدماغية. كذلك تستخدم "نهى" الحقن وسيلة لقتل ضحاياها، كما يتشابهان في دوافع الانتقام وفي الفئة المستهدفة بالقتل، رجال يمارسون العنف ضد نساء عاجزات عن الدفاع عن أنفسهن.
لكن تختلف الشخصيتان في أن بطلة موراكامي قاتلة مأجورة، و"نهى" توجه عنفها تجاه المجتمع بأسره، بداية من أمها. يخبر الغراب "نهى" أن أمها ستموت الليلة، فتمنع عنها حبة الدواء التي تقيها من الجلطة، ثم تحقنها في المستشفى بسائل شفاف يقضي عليها تماماً. ويمتد انتقام "نهى" إلى حارس بوابة المستشفى الذي تعمل فيه بسبب تحرشه بها وعدم قدرتها على رده، تقتل طفلاً انتقاماً من أهله الذين عاملوا الممرضات على أنهن منحرفات. تقتل مريضاً، بحجة أن الموت أفضل له من عذابات المرض. وتواصل مسلسل القتل عندما تسافر إلى اليابان بأن تقتل والدها، بسبب تركه لها وهي طفلة رضيعة.
تقتل "نهى" (الأم، الحارس، الطفل، مجموعة من المرضى، ثم الأب)، لأنهم جزء من سردية أكبر من الإهمال والخذلان. لكن هذه العدالة تأتي ممزوجة بالعدمية، فالموت لا ينهي الألم، ولا يعيد الطفولة المهدورة. في الحقيقة، فكل جريمة قتل تزيد السحابة فوق رأس "نهى" قتامة وثقلاً.
طابع غرائبي
يتواصل التشويش العقلي ذو الطابع الفانتازي في الرواية عبر استدعاء شخصية "قابيل"، الذي توظفه الكاتبة بصورة رمزية وفلسفية لتجسيد عقدة الذنب والخطيئة الأولى في التاريخ البشري.
تنظر "نهى" إلى نفسها بوصفها "الأخت" ،التي ارتكب "قابيل" جريمته من أجلها، وتتماهى مع هذه الصورة إلى حد يصبح فيه القتل الأول رمزاً لانتهاك براءتها الأصلية. تعيد البطلة رسم هذه الحكاية القديمة في إطار واقعي، كما فعل نجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" في قصة "أدهم"، لتتحول الأسطورة إلى مفتاح لفهم الواقع.
تستحضر صورة "قابيل"، كلما استبد بها التفكير في أولئك الذين تسببوا في تمزيقها النفسي، وكأنهم قتلوا "هابيل" البراءة بداخلها، فتخاطبه وتدعوه كلما غاب عنها ذلك الشخص الذي أيقظ وحش الانتقام القابع بداخلها. هذه العلاقة تتوازى في الواقع مع علاقتها المعقدة بخالها، الذي على رغم كونه الجاني الأساسي في حياتها، ظلت تحمل له مشاعر متضاربة من الحزن والتعلق العاطفي، مشاعر لا تكفي كلمات الحب أو الكره وحدها الكشف عن طبيعتها. شكل موته فجأة فراغاً داخلياً عميقاً، غير مسار حياتها بالكامل، وأفضى بها من حلم دراسة الطب إلى طريق التمريض، وتعلقها بهذا الخال يمكن تفسيره في ضوء علم النفس في ما يعرف باسم "متلازمة استكهولم" التي يتعلق فيها المجني عليه بالجاني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يوظف السرد العنصر الغرائبي بوصفه وسيلة للكشف عن التصدعات النفسية العميقة لدى البطلة، يظهر الغراب الذي ينبئ بالموت كصوت داخلي، أقرب إلى الضمير المنكسر أو الهلوسة المستترة، ويجسد نزوعاً نحو العدل، لكنه عدل مشوه لا يتحقق إلا عبر القتل.
شخصية إشكالية
يصعب إخضاع "نهى" في هذه الرواية للتصنيف الأخلاقي المألوف، لأنها شخصية إشكالية تثير عدداً من الأسئلة، لعل أبرزها، هل هي ضحية أم مجرمة؟ كما أنه يتداخل في ملامحها العجائبي بالنفسي في مسعى إلى تفكيك ثنائية الخير والشر. شخصية تتسم بالتفكك النفسي، وتتحرك كأداة لرد العنف بالعنف، بعد أن فشلت كل سبل الاحتواء. عنف موجه ضد مجتمع ذكوري متواطئ، على طفلة تركها والدها كأنه لم ينجبها، وأم تعددت زيجاتها وتركتها لحضانة الجدة العجوز.
عنف ضد المجتمع الذي منح الخال سلطة مطلقة بوصفه ولياً ووصياً وقاضياً، بينما هو في حقيقته الجاني الأول. لا تستطيع الطفلة أن تبوح بما فعله بها، لأنها تدرك أن لا أحد سيصدقها، فهو الرجل الذي يملك حق التأديب والتوجيه، فإن تأخرت عن العودة للمنزل يأتي على هيئة عقاب بشع: اغتصابها في غرفتها، بينما يرتفع صوت إذاعة القرآن الكريم من المذياع كستار أخلاقي يغطي فعلاً دنيئاً.
في هذا المشهد المروع (اغتصاب، إذاعة القرآن) تظهر الازدواجية القيمية للمجتمع، تدين ظاهري يبث في العلن، يتناهى إلى من هم خارج الغرفة، في مقابل خيانة تمارس في الخفاء. صوت لا يمحي الجريمة، بل يستخدم لتخدير الضمير وتزييف صورة الجاني. تدين مجتمع ذكوري يجعل من حق سائق التاكسي أن يسألها عن أسباب تأخرها، كل هذا الوقت عن العودة للبيت.
قضايا شائكة
تمرر أحداث الرواية مجموعة من القضايا الاجتماعية الشائكة التي تشكل خلفية مأساة البطلة، من أثر التفكك الأسري على الأطفال، إلى أزمات المنظومة الصحية في مصر، وعيادات الإجهاض التي تنشط في الظل جرائم زنا المحارم، مروراً بجريمة ختان الإناث، ووصولاً إلى معاناة المسجونين ظلماً. وفي النصف الثاني من الرواية، تنتقل الأحداث إلى اليابان، إذ تنفتح الكاتبة على فضاء ثقافي مختلف، وتجري مقارنة دقيقة بين المجتمعين المصري والياباني، بأسلوب فيه روح أدب الرحلات، والرغبة في اكتشاف الآخر.
لكن الرواية، على رغم انتقالها الجغرافي، لا تمنح بطلتها مهرباً من مصيرها، فتختتم الأحداث بسجن "نهى" في أحد السجون اليابانية، متهمة بدفع رفيقتها في السكن من النافذة، لتحاسب على الجريمة الوحيدة التي لم ترتكبها. لتكتمل بذلك دائرة الظلم، وتغلق القصة على مأساة مركبة، جعلت من العدالة نفسها مشهداً من مشاهد العبث.