Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 قصص المصري أسامة علام تطرح سؤالاً عن أثمان الاندماج

عندما يفكك السرد خطاب الهجرة والاغتراب الوجودي

"المتنزه الوحيد" لوحة للرسام ألبير هادجيغانف (صفحة الرسام - فيسبوك)

تطرح المجموعة القصصية "طريق متسع لشخص وحيد" (دار الشروق 2022) للكاتب المصري أسامة علام سؤالاً مهماً حول هوية نصوص المجموعة، وهل هي قصص بالمعنى الفني الذي نعرفه من حيث التعامل مع لحظة قص، يطورها الكاتب عبر تعدد مستويات التكثيف السردي؟ أم هي سرديات تقارب حدود كتابة اليوميات وتقف على تخوم أدب الرحلات؟ والفضل في هذا إقامة الكاتب في مدن عدة، لكن ما يدهش حقاً أنها كتابة لا تنشغل سوى بالناس وأحوالهم المعيشية في ظل شعور طاغ بالوحشة الدائمة.

يقود هذا السؤال إلى التفكير في ما يمكن أن نسميه تأثير "العتبات الانتقالية " التي يعبرها أبطال الحكايات التي يرويها الكاتب، فعند عبور إحدى هذه العتبات نكون قد توحدنا مع عالم جديد تماماً. والعتبة الجغرافية لا تمثل هنا مكاناً مثل أي مكان، لكنها المدخل الذي يستعمله الكاتب لتأمل طقوس التنقل والمرور بكل ما تشمله من استعارات ومجازات، بحيث يتحول البشر إلى مرايا و "فترينات" عرض، بينما لا يتم النظر إلى المدن إلا بوصفها متاحف لعرض مقتنيات بشرية، تحفل حيوات أبطالها بتناقضات شتى.

ويمكن القول بكثير من الإطمئنان إن أحد طموحات هذه الحكايات تفكيك ما هو شائع عن الهجرة والاغتراب، وطرح سؤالها عن أثمان الاندماج ومحاولة التحايل لضمان سبل العيش الإنساني المشترك، فخبرة الإقامة في المكان الجديد تقدم كثيراً من المؤثرات الانفعالية التي تقود علام إلى تأمل عالمه الجديد، وتقودنا في الوقت نفسه للتفكير في المكان القديم وإدراك قيمة مقتنياته، كإشارة للروابط التي تجمعنا مع من نحبهم عبر التذكارات.

 

لذلك تشيع في النصوص "حمى النوستالجيا" وطابع الحنين إلى الماضي، وفيها كذلك مختلف أشكال السعي إلى التشبث به أو مفارقته بصورة نهائية، ففي الماضي كثير من الألفة وحدود الأمان، مما يولد طاقة لمواجهة الاغتراب وما يترتب من شعور خانق بالوحدة.

 وأسامة علام كاتب مصري درس في جامعة المنصورة وحصل على درجة الدكتوراه من إحدى الجامعات الكندية ويعيش بين كندا والولايات المتحدة، ويعمل حالياً طبيباً بيطرياً، وسبق له إصدار روايات عدة حققت كثيراً من النجاح، منها "الاختفاء العجيب لرجل مدهش" و"تولوز" و"الوشم الأبيض" و "الحي العربي" و"قهوة صباحية في مقهى باريسي".

الحداثة والمدينة

وتدفع نصوص مجموعته الجديدة بالقارئ نحو التفكير في أمور بديهية ترتبط بعلاقة الحداثة مع المدينة، فالأماكن بطبيعتها هي حامل الذاكرة الثقافية، كما أن الحداثة ارتبطت في صيغتها الأولى باقتلاع ميل الإنسان نحو فكرة الاستقرار المكاني والتوطن، بعد أن حل التنقل المتواصل محل فكرة البقاء أسيراً للمكان الوحيد. وأصبح التسكع قريناً لأفعال إبداعية متكررة، ولدى أسامة علام يبدو التسكع من أكثر الطرق حميمية في الاتصال بفضاءات المدينة وشوارعها وكشف تناقضاتها.

وفي كتابه "كيف يغزو النسيان ذاكرة الحداثة" يزكي عالم الأنثروبولوجيا البريطاني بول كونرتون هذا الاعتقاد ناظراً إلى فعل " المشي" داخل النسق الحضاري كفعل المخاطبة بالنسبة إلى أي لغوي، وبالقياس فترجل المشاة في حكايات أسامة علام يأتي بمثابة حديث كلامي أو مخاطبة من الفرد للمكان الذي يحيا فيه بما يعزز غربته.وبالتالي فإن تناول فعل "المشي" من هذه الزاوية يعظم من شأنه ويزيد حساسية متضمناته وأثره، وترجل البطل في معظم النصوص يأتي لاعادة تشكيل ذاته ككائن متماسك، كما أن كل محاولة للمشي هي بحث عن شيء مألوف ومحاولة لبناء عالم مترابط ينطوي على خبرات سهلة المنال.

 

من جهة أخرى يقود العنوان الفرعي للمجموعة وهو "حكايات من 12 مدينة عجيبة "، نحو تأمل قدرة الكاتب على استلهام المعاني الغرائبية في نصوص "ألف ليلة وليلة " التي تحتفي بمدن غرائبية عجيبة أشهرها "مدينة النحاس".وكما في "الليالي" تتناسل نصوص المجموعة وينتقل القارئ بخفة متناهية من حكاية إلى أخرى، لكن العالم الذي تدور حوله معظم قصص المجموعة يبقى مؤسساً على أجواء من الغرابة.

 وفي كتابه المهم عن مفهوم "الغرابة في الأدب" يعطى الناقد المصري الراحل شاكر عبدالحميد كثيراً من التعريفات التي يميز فيها مفهوم الغرائبي عن مفهوم الغرابة، فالغريب هو الأجنبي غير المألوف، أو كما يشير لسان العرب "البعيد من أرضه ومن ناسه". تولد تجربة العيش في مكان جديد دافعاً للشعور بالغرابة التي تعني في قاموس أوكسفورد "المكان غير الآمن الذي لا نثق فيه"، لذلك تشيع في النصوص حالات كثيرة من الشك والارتياب أو ما يسمي لدى علماء النفس الإبداعي بـ "الغرابة المقلقة".

أطياف وأحلام

ومن ملامح تلك الغرابة الاعتقاد بحلول روح الأشخاص أو الحديث المتواصل عن سحر الأطياف والأخيلة، واللجوء إلى الرؤى والأحلام لتخطي الحدود وابتكار حيل سردية ملائمة لهذا الانتقال في الزمان وفي المكان، وتعطي قصتا "عيد ميلاد صديقتي القديمة" و"أنا بندق اللطيف جداً"، مثالين بارزين على استثمار فكرة الغرابة التي تنمي معنى الوحشة والفقد، لكنها تحولها مع المبدعين إلى مثير إبداعي أو محفز. ويقول الناقد شاكر عبدالحميد إنه "عندما يصبح الإنسان غريباً بلا بيت مألوف فإنه يصبح في حاجة إلى أن يبني مكاناً خاصاً به، بيتاً أو مكانة تميزه"، وبالتالي فهو يحتاج إلى رأسمال رمزي يعزز وجوده. لذلك فإن الراوي - البطل الغريب هنا يستدعي دائماً وجوده كما نعرفه، ويكشف عن مهنته ومكانته الاجتماعية لتأكيد مفارقة الحضور والغياب كما في لعبة "الآن وهنا".

وداخل قصص المجموعة تلعب المهنة (البطل طبيب بيطري في الغرب) دوراً في خلق مواضيع القص، وتفرط في تأكيد غرائبيتها أو نزعتها الفانتاستيكية بما يكشف عن قلق وجودي متأصل يطغى فيه الشعور بعدم الراحة نتيجة الوحدة، وما تؤدي إليه من وحشة، فالوحدة هي الخلية الأولى للنصوص وربما كانت الخلية الوحيدة التي يتنامى فيها المتكرر بمعاني الفقد، فقد الذاكرة - فقد اللعب والدمى كما في قصة "شجن طفولي".   

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقود مسألة الشعور بالوحدة للتفكير في نوعية الأشخاص الذين يختارهم أسامة علام أبطالاً لقصصه، فمعظمهم من العجائز وكبار السن، ولذلك تلبي قصصه توقعات القارئ حول وجود نمط من كتابة أدب المسامرة أو المؤانسة كآلية سردية لمقامة الوحدة وسرديات الغياب.

وتلفت اللغة السردية التي يكتبها علام إلى استعمال ذكي لملامح شعرية باذخة تجعل من نصوص كثيرة تقارب ما يكتب اليوم تحت لافتة "قصائد النثر"، كما في قصة "مكالمات منتصف الليل اللذيذة" التي ربما كانت هي القصة الأكثر استجابة للشرط الفني.

وفي المقابل تعاني نصوص علام إفراط استعمال المفارقة لبلوغ نهايات تلبي حاجات القارئ أو توقعاته، وتراهن بشكل دائم على استجلاب المفارقة كجزء من انشغاله بتأكيد رومانسية تلك النصوص التي تتعدد داخلها استعمالات المفارقة والانتقال بها من مستوى المفارقة الفلسفية إلى المفارقة الملحوظة أحياناً (المصنوعة)، والمفارقة كما نعرف هي صيغة بلاغية تستعمل بغرض التقنع والمراوغة، لكنها تمثل في كل أحوالها ثورة على الذات لأنها من أرقى الألعاب العقلية، والكاتب صانع المفارقة لا يستطيع التفكير في الشيء من دون نقيضه، ومن ثم فهو موضوعياً يملك رؤية منوعة وليست أحادية الجانب، وبالطبع هناك اختلاف بين المفارقة بوصفها قناعاً والمفارقة بوصفها رؤية، لكنها لدى علام حيلة لتمرير المعاني.

المزيد من ثقافة