Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"البلوك تشين"... يرسم خريطة اقتصاد المستقبل

تشير التوقعات إلى زيادة القيمة السوقية للتقنية إلى أكثر من 750 مليار دولار في 2035

ملخص

"تعرف تقنية البلوك تشين بأنها دفتر رقمي موزع يعمل بطريقة لا مركزية، إذ تسجل المعاملات داخل كتل مرتبطة ببعضها تسلسلياً، بحيث يستحيل تعديل أي معلومة من دون موافقة الشبكة بأكملها"

في قلب الثورة الرقمية المتسارعة والتي أصبحت فيها البيانات ركيزة الاقتصاد العالمي، تتقاطع تقنيتا "البلوك تشين" والذكاء الاصطناعي لتشكلا معاً العمود الفقري لجيل جديد من الاقتصادات الذكية.

فلم تعد البلوك تشين مجرد سجل موزع للمعاملات المالية، بل أصبحت أداة حاكمة لبناء الثقة الرقمية في التعاملات الحكومية والمالية، بينما يعد الذكاء الاصطناعي المحرك التحليلي القادر على استخراج القيمة من تلك البيانات في الزمن الحقيقي.

وتعليقاً على هذا الأمر، قال أستاذ النظم الهندسية الرقمية والذكية الدكتور زياد يوسف الشباني في حديث إلى "اندبندنت عربية"، إن "هذا الأمر يفتح آفاقاً واسعة أمام الدول العربية لبناء بنى تحتية رقمية تتسم بالكفاءة، الشفافية، والسيادة التقنية". واستعرض الشباني كيفية أن يمكن لهذا الدمج الثوري أن يعيد رسم خريطة الاقتصاد الرقمي عبر تطبيقات حكومية رائدة، واستثمارات ضخمة، وحالات استخدام تقودها كبرى الشركات العالمية. وأوضح "بداية تعرف تقنية البلوك تشين بأنها دفتر رقمي موزع يعمل بطريقة لا مركزية، إذ تسجل المعاملات داخل كتل مرتبطة ببعضها تسلسلياً، بحيث يستحيل تعديل أي معلومة من دون موافقة الشبكة بأكملها"، مضيفاً "تكمن قوتها في تحقيق الشفافية والثبات والثقة من دون الحاجة إلى طرف وسيط".

وتابع الشباني أنه من خلال دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي معها، بات بالإمكان تحليل تدفقات البيانات الضخمة داخل هذه السلاسل وكشف الأنماط والتوقعات في الزمن الفعلي، وهو ما تعتمد عليه اليوم شركات كبرى مثل "أمازون" و"مايكروسوفت" في خدماتها السحابية، وكذلك الحكومات في البنية التحتية للهوية والخدمات العامة. وشبه الشباني تقنية "البلوك تشين" بدفتر حسابات مشترك في سوق شعبية، يراه جميع التجار في الوقت نفسه فإذا قام أحدهم بتسجيل معاملة، لا يستطيع شخص آخر تعديلها أو حذفها من دون علم الآخرين، مشيراً إلى أن "هذا التشبيه يبرز كيف تصنع التقنية بيئة ثقة من دون الحاجة إلى وسيط مركزي".

وعن استخدام "البلوك تشين" عملياً أوضح الشباني "تستخدم تلك التقنية في عدد من الدول لتسجيل ملكية الأراضي، إذ يتم تسجيل انتقال الملكية على الشبكة خلال ثوان، مما يسمح للجهات الرسمية بالتحقق الفوري من دون الاعتماد على الأرشيف الورقي أو مكاتب التسجيل التقليدية، وهو الأمر الذي يقلل الفساد ويختصر الإجراءات من أسابيع إلى دقائق".

النشأة والتكامل مع الذكاء الاصطناعي

وحول نشأة "البلوك تشين" ثم التكامل مع الذكاء الاصطناعي، أوضح أستاذ النظم الهندسية الرقمية والذكية أن تقنية "البلوك تشين" انطلقت للمرة الأولى في 2009 عبر عملة "البيتكوين" بهدف تمكين تحويل القيمة من دون الحاجة إلى المؤسسات المالية التقليدية، إلا أن العقد الأخير شهد تحولها إلى منصة متكاملة تستخدمها الشركات والحكومات لتطوير تطبيقات تتجاوز التشفير نحو الاقتصاد الرقمي الذكي"، مضيفاً أنه في الوقت الحالي تدعم  "مايكروسوفت" وaws وGoogle شبكات "بلوك تشين" مدارة تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي في مراقبة الاحتيال، التنبؤ بسلوك المستخدمين، وتحسين كفاءة أداء الشبكات. وأشار إلى أن الصين تطور "البلوك تشين" للخدمة الحكومية BSN، إذ تدمجه بقدرات الذكاء الاصطناعي لمراقبة حركة التجارة العابرة للحدود في زمن واحد، بينما تستخدم دبي الذكاء الاصطناعي مع "البلوك تشين" لتوفير خدمات حكومية رقمية قادرة على معالجة ملايين الطلبات بسرعة وشفافية.

وفي شأن التطبيقات الحكومية والاقتصادية العالمية قال الشباني "توظف الحكومات التقنية لتحقيق الكفاءة والإنتاجية، إذ تستثمر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في أنظمة البلوك تشين مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة السجلات العقارية، والهوية الرقمية، وملف الضرائب بصورة مؤتمتة"، مؤكداً أن سنغافورة وكوريا الجنوبية تعتمدا أنظمة متكاملة لتتبع سلاسل التوريد الطبية والغذائية باستخدام "البلوك تشين"، إضافة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالاضطرابات وتسهيل الاستجابة". وأضاف أن شركات مثل JPMorgan وAlibaba وSiemens تقود جهود الدمج بين تقنيات التنبؤ المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والعقود الذكية على شبكات "البلوك تشين" لإطلاق أسواق جديدة في التمويل اللامركزي، وتداول الطاقة، والتجارة الدولية في زمن شبه لحظي.

التقنية في العالم العربي

وعن الدول العربية قال الشباني "تمضي بعض الدول العربية اليوم بخطى واثقة نحو بناء حكومات رقمية تحتضن التقنيات الناشئة بعمق ووعي استراتيجي، إذ تعد الإمارات والسعودية من أبرز الدول العربية التي استثمرت مبكراً في الدمج بين البلوك تشين والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية للتحول إلى "حكومات بلا ورق""، موضحاً "على سبيل المثال أطلقت دبي أكثر من 20 مبادرة تشمل سجلات العقارات، الجمارك، والمحاكم الذكية باستخدام شبكات بلوك تشين مدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل المعاملات وتقديم الخدمات في أقل من 3 دقائق، بينما يعمل مشروع "ممر التجارة الرقمي" بين الإمارات والهند على استخدام العقود الذكية لخفض كلفة الوثائق التجارية بنحو 70 في المئة". وأضاف الشباني "أما في السعودية، فتقوم منصة (فسح) الجمركية بإدارة أكثر من 14 مليون بيان استيراد وتصدير سنوياً باستخدام "البلوك تشين" مؤمنة، وتستفيد من نماذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأخطار الشحنات. أيضاً يستخدم مستشفى الملك فيصل التخصصي تقنيات التشفير والذكاء الاصطناعي لحماية أكثر من 5 ملايين سجل طبي على شبكة (البلوك تشين)".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واشار إلى أن مصر وقطر والمغرب تدرس كذلك مبادرات مماثلة لرقمنة سلاسل التوريد الحكومية، في حين تطلق البحرين أول حاضنة خليجية لتطوير حلول مشتركة في الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين موجهة للقطاع المالي.

في ما يخص مستقبل التقنية والتوصيات وحول مستقبل "البلوك تشين" توقع الشباني أن تتضاعف القيمة السوقية للتقنية من 15 مليار دولار في 2024 إلى أكثر من 750 مليار دولار في 2035، مدفوعة بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل الشبكات إلى أنظمة ذاتية التصحيح والتنظيم. وتابع أن الحكومات ستتجه إلى الاعتماد على الهوية اللامركزية، ونظم الدفع عبر الحدود المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأسواق الطاقة الرقمية التي تعتمد العقود الذكية في التوزيع.

توصيات الاستراتيجية

وأوصى الشباني حكومات الدول العربية بضرورة بناء منظومة عربية موحدة لـ"البلوك تشين" والذكاء الاصطناعي، تشمل المنصات الحكومية وسلاسل التوريد والتجارة عبر الحدود، لضمان تكامل البيانات وتوحيد المعايير بما يسمح بتدفق سلس للسلع والخدمات والاستثمارات الرقمية بين الدول العربية، مضيفاً "كذلك يجب إطلاق تحالف اقتصادي رقمي عربي يرعى مشاريع "البلوك تشين" عابرة للحدود في مجالات الجمارك، والرسوم، والوثائق التجارية، والطاقة، والصحة، بحيث تتشارك الدول الأعضاء البنية التحتية وتستفيد من وفورات الحجم والخدمة، بدلاً من عمل كل دولة بمعزل عن الأخرى".

أما عن النصيحة الثالثة فقال أستاذ النظم الهندسية الرقمية والذكية الدكتور زياد يوسف الشباني "يجب أن يتم تحريك صناديق الثروة السيادية لضخ استثمارات مشتركة في شركات عالمية وإقليمية تعمل عند تقاطع Web3 والذكاء الاصطناعي، بما يضمن نقل التقنية، وبناء ملكيات عربية في مستقبل الاقتصاد العالمي وليس استهلاكها فحسب، إلى جانب ضرورة تدشين مجلس سيادة رقمية عربي يضع سياسات موحدة للأمن السيبراني وتوطين البيانات على شبكات "البلوك تشين" عربية، لحماية الأمن الاقتصادي والتقني من الهيمنة الخارجية وتحقيق الاكتفاء الاستراتيجي، هذا إضافة إلى تحويل الجامعات والمراكز البحثية العربية إلى أذرع تطوير تقني مشترك تنتج حلولاً حكومية، خصوصاً مع توطينها في الدول الأعضاء، وتستخدم قاعدة لاختبار وتنفيذ السياسات الذكية باعتماد "البلوك تشين" والذكاء الاصطناعي في التعليم، والصحة، والمدن الذكية، والطاقة المتجددة".

واختتم الشباني حديثه قائلاً "اليوم نعيش في عالم تتحول فيه الحدود من جغرافية إلى رقمية، إذ لم تعد مكاسب المستقبل تصنع داخل حدود الدول، بل في قدراتها على بناء منظومات متكاملة عابرة للحدود، وتقاطع "البلوك تشين" والذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد اتجاه تقني، بل أساساً لاقتصاد جديد يقوم على الثقة المؤتمتة، والشفافية، والقرارات المعززة بالبيانات"، وأكد أن تبني هذه التقنيات على مستوى دولة منفردة يمنحها أفضلية محدودة، أما تبنيها ضمن منظومة عربية موحدة فسيحول المنطقة إلى قطب عالمي في الاقتصاد الرقمي وقوة جذب استثمارية لا يمكن تجاهلها إلى عام 2035 وما بعده، مشيراً إلى أن الفرصة اليوم فريدة وغير مسبوقة والفرق بين من يصنع الفرصة ومن يتفرج عليها، هو الشجاعة في اتخاذ قرار جماعي لصياغة مستقبل عربي رقمي قائم على التشارك لا التنافس، وعلى قيادة التكنولوجيا لا استهلاكها.

اقرأ المزيد

المزيد من عملات رقمية