ملخص
قانون جنيس الذي تم تمريره وأقره الرئيس ترمب كقانون في الصيف الماضي هو تشريع لتنظيم إصدار وتداول العملات الرقمية المرتبطة بأصول ثابتة مضمونة مثل الدولار أو سندات الخزانة قصيرة الأجل. واسم "جنيس" (GENIUS) لا يعني "العبقري" كما هي ترجمة الكلمة من الإنجليزية، إنما هو اختصار بالأحرف الأولى لاسمه: قانون "الإرشادات وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة في الولايات المتحدة" (The Guiding and Establishing National Innovation for US Stablecoins).
على رغم إقرار الكونغرس الأميركي في شهر يوليو (تموز) الماضي قانون (جنيس آكت) في شأن "العملات المستقرة" (Stablecoins)، ما زال هناك تشريع أوسع يتعلق بقطاع المشفرات والأصول الرقمية يناقش في مجلس الشيوخ، ومع أن إدارة الرئيس دونالد ترمب ترغب في تسريع إقرار التشريع قبل الاستعداد لانتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، إلا أن الخلافات بين شركات المشفرات الكبرى وبنوك القطاع المصرفي تعوق تمرير القانون.
كان الرئيس ترمب منذ عاد للبيت الأبيض في فترة رئاسته الثانية مطلع العام الماضي تعهد بأن يجعل أميركا "عاصمة المشفرات"، ليس فقط بسبب استثمارات عائلته المكثفة في الأصول الرقمية، وإنما لما يروج له مستشاروه من أن ذلك هو السبيل للحفاظ على "الهيمنة المالية" الأميركية على النظام المالي العالمي.
ذلك إضافة إلى أن تقنين الأصول الرقمية، بما فيها العملات الرقمية المستقرة، يمكن أن يزيد من شراء سندات الخزانة الاميركية في وقت بدأت الأسواق والمستثمرون حول العالم يترددون في حيازة الدين الأميركي الذي زاد على 38 تريليون دولار، على أن يعوض ذلك تقليل الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي شراء سندات الدين وحيازته منها ضمن سياسة التيسير النقدي، كما أنه يمكن أن يوقف تحول المستثمرين عن الإقبال على سندات الدول الأخرى والعودة لسندات الخزانة الأميركية.
فما هو قانون "جنيس"، وما أهميته، وهل فعلاً يمكن أن يوقف مسار تخلي بقية العالم عن الدولار الأميركي كعملة مدفوعات وتسويات مهيمنة؟
قانون جنيس
قانون جنيس الذي تم تمريره وأقره الرئيس ترمب كقانون في الصيف الماضي هو تشريع لتنظيم إصدار وتداول العملات الرقمية المرتبطة بأصول ثابتة مضمونة مثل الدولار أو سندات الخزانة قصيرة الأجل. واسم "جنيس" (GENIUS) لا يعني "العبقري" كما هي ترجمة الكلمة من الإنجليزية، إنما هو اختصار بالأحرف الأولى لاسمه: قانون "الإرشادات وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة في الولايات المتحدة" (The Guiding and Establishing National Innovation for US Stablecoins).
يعد القانون جزءاً من حزمة تشريعات تستهدف تضمين العملات المشفرة والأصول الرقمية وشبكة "بلوكتشين" الإلكترونية التي توجد عليها محافظ تلك العملات والأصول في النظام المالي الرسمي، أي أن تصبح قانونية ومنظمة تخضع للقواعد واللوائح الرسمية والمراقبة والتدقيق والإشراف الرسمي من الجهات المختلفة في الدولة.
تختلف "العملات المستقرة" عن العملات المشفرة مثل "بيتكوين" وغيرها، في أنها ذات قيمة محددة مرتبطة بالعملة النقدية الرسمية أو سندات الخزانة قصيرة الأجل المضمونة من الحكومة. وبحسب قانون جنيس فإن العملات المستقرة تكون ذات قيمة محددة، أي أن العملة منها تساوي دولاراً مثلاً، مع ضمان تحويلها من مصدرها إلى نقد مباشرة، وبذلك تتفادى التذبذب الشديد والاضطراب في قيمتها الذي تشهده العملات المشفرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينظم القانون إصدار العملات المستقرة للمدفوعات والتسويات من مؤسسات مالية خاصة، وشهد جدلاً واسعاً قبل إقراره ليتضمن في النهاية قيوداً عدة من قبيل أنه لا يسمح للسياسيين المنتخبين أو في المناصب العامة بالحصول على ترخيص لإصدارها. كما تمت الاستجابة لضغوط البنوك بألا يكون هناك، أي عائد على العملات المستقرة خشية استنزاف مدخرات القطاع المصرفي التي ستكون في تنافس معها.
كذلك لا تعد العملات المستقرة أوراقاً مالية للتدوال، وبالتالي هي لا تخضع في تنظيمها لهيئة أسواق المال، وإنما لجهة أخرى مختصة بها تنظم وتراقب سوقها، وعلى رغم أن التشريع يتعلق بمصدري العملات المستقرة في الولايات المتحدة طبقاً للقانون الفيدرالي الجديد، إلا أنه يمكن لكيانات خارجية الحصول على تصريح إصدار ما التزمت بالقانون الاميركي والقواعد واللوائح المنظمة، وكانت من بلد يطبق تشريعات مماثلة.
التحول الرقمي المالي
منذ بداية العقد الماضي، عندما أصبحت العملة المشفرة "بيتكوين" متاحة للجمهور على الإنترنت، والعالم في عملية تحول رقمي في القطاع المالي تعتمد على تطوير التكنولوجيا المالية، إلا أن التذبذب الشديد في سوق الشمفرات وعمليات المضاربة الهائلة جعلت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تقف منها موقفاً صارماً.
كثفت شركات المشفرات ومنصات التداول من الإنفاق في العام قبل الماضي على حملات المرشحين المؤيدين للمشفرات وأنفقت مئات ملايين الدولارات، بما في ذلك دعم حملة الرئيس ترمب الانتخابية، ومنذ اليوم الأول لترمب في البيت الابيض بدأ في إلغاء كل قرارات إدارة بايدن المقيدة للعملات المشفرة والأصول الرقمية.
بدأت إدارة ترمب، خصوصاً فريقه الاقتصادي من وزير الخزانة سكوت باسينت ووزير التجارة هوارد لوتنيك، في تنفيذ أفكار ستيفن موران عضو مجلس الاحتياط الفيدرالي ورئيس المجلس الاقتصادي في إدارة ترمب السابقة. وموران هو صاحب فكرة استخدام "التعريفة الجمركية" كسلاح لفرض الهيمنة الأميركية، وأيضاً استخدام العملات الرقمية لضمان استمرار السيطرة على النظام المالي العالمي.
يأتي ذلك في وقت تتخلص فيه كثير من دول العالم من الأصول الدولارية، وتستبدل البنوك المركزية حيازتها من سندات الخزانة الاميركية بالذهب حتى في الدول الحليفة للولايات المتحدة، فضلاً عن توجه قوي ومتصاعد من الدول الصاعدة، مثل مجموعة "بريكس" بقيادة الصين وغيرها، للتخلي عن الدولار في معاملاتها المالية سواء للمدفوعات أم التسويات.
لكن في النهاية لا يتجاوز حجم سوق المشفرات والاصول الرقمية كله 4 تريليونات دولار، أي نحو 10 حجم الدين الأميركي. وفي أفضل السيناريوهات، على أساس أداء عملات مستقرة مثل "تيثر" و"سيركل"، فإن حجم سوق تلك العملات يمكن أن يرتفع من 280 مليار دولار حالياً إلى تريليوني دولار بحلول عام 2028، بحسب تقديرات بنك "ستاندرد تشارترد"، وإن كان وزير الخزانة بيسينت أكثر تفاؤلاً، ويتوقع أن يصل حجم سوق العملات المستقرة إلى 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030.
منافع وأخطار
عقب صدور قانون جنيس كتب مجلس تحرير "الفاينانشيال تايمز" افتتاحية عن منافع وأخطار الخطوة الأميركية. أما المنافع، غير ما يخص أهداف شركات المشفرات وحتى المستثمرين الكبار في الأصول الرقمية، فهي معروفة. وتتمثل في أنها "خطوة على طريق تقريب الولايات المتحدة والعالم أكثر من تحول أنظمة المدفوعات الوطنية والعابرة للحدود إلى الرقمية".
فقانون جنيس يوفر الإطار التشريعي للقطاع الخاص المالي لإصدار العملات المستقرة واستخدامها في المدفوعات والتسويات، وإن كان يشترط بالطبع احتفاظ الجهة المصدرة باحتياط مالي يغطي كل إصدارها بحيث يمكن تحويل العملات الرقمية إلى قيمتها النقدية في أية لحظة.
تختلف العملات الرقمية المستقرة تلك عن العملات الرقمية المستقرة التي تصدرها البنوك المركزية، وعلى رغم أنها مرتبطة بالدولار بقيمة محددة غير خاضعة للمضاربات، إلا أنها تظل أكثر عرضة للتذبذب على عكس ما يصدره البنك المركزي الاوروبي من يورو رقمي أو ما يصدره بنك الشعب (المركزي) الصيني من يوان رقمي.
يذكر أن عملة "تيثر" مثلا مدعومة بسندات خزانة أميركية، وبالتالي فإن التوسع في إصدار القطاع الخاص من تلك العملات يستهدف زيادة الطلب على سندات الخزانة الأميركية وخفض الطلب على سندات دين الدول الأخرى، إلا أن ذلك ليس مضموناً تماماً.
إنما الأخطار الأهم هي أن التوسع في العملات المستقرة سيكون على حساب القطاع المصرفي التقليدي، ليس فقط لأن التحول نحو المدفوعات بالعملات المستقرة سيأكل من نصيب شركات بطاقات الائتمان مثل "فيزا" و"ماستر كارد" وغيرها، إنما لأن ذلك سيؤدي إلى تنافس على المدخرات. فمعنى أن يحول المتعاملون ثرواتهم من الحسابات البنكية إلى حسابات عملات مستقرة أن تقل قدرة النظام المصرفي على الإقراض، مما يؤدي إلى انكماش ائتماني.