Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تعتمد البنوك العالمية الأصول الرقمية كضمان للإقراض؟

تقلب الأسعار أبرز الأخطار التي تواجه إدخال العملات المشفرة ضمن عمليات الائتمان

 فقدت "بيتكوين" في المتوسط أكثر من 80 في المئة خلال دورات السوق (أ ف ب)

ملخص

 في حال استخدام الأصول الرقمية كضمان ستكون البنوك عرضة لأخطار القرض الأساس، مما يسهم في إتاحة تعرض غير مباشر كبير للعملات الرقمية داخل النظام المصرفي، من دون التعرض المباشر للوزن 1250 في المئة.

في يوليو (تموز) الماضي قال بنك "جي بي مورغان تشيس" إنه يدرس خططاً لتقديم قروض مدعومة بممتلكات عملائه من العملات المشفرة، بما في ذلك "بيتكوين" و"إيثريوم" مطلع العام المقبل، مما قد يحدث تغييراً جذرياً في نهج البنوك التقليدية في التعامل مع الأصول الرقمية حالياً، كما تعمل بنوك أميركية كبرى أخرى، بما في ذلك بنك "أوف أميركا" و"سيتي بنك"، على تطوير عملات مستقرة وسط حملة أوسع نطاقاً لتشريعات أكثر ملاءمة للعملات المشفرة في واشنطن.

وفي مايو (أيار) الماضي قال الرئيس التنفيذي لـ "جي بي مورغان تشيس" جيمي ديمون للمستثمرين أنه شخصياً ليس من محبي عالم "بيتكوين"، مشيراً إلى مخاوف ومنها الرافعة المالية وسوء الاستخدام وقضايا غسل الأموال في النظام، مستبعداً وضع الأصول المشفرة تحت الحراسة (تخزينها لمصلحة العملاء) أو التوسع بصورة كبيرة حتى مع تخفيف القيود التنظيمية، على رغم أنه أبدى أخيراً ليونة تجاه العملات المشفرة.

ومن المفترض أن تلبي قروض العملات المشفرة المقترحة من "جي بي مورغان" حاجة المستثمرين المؤسسيين إلى السيولة مع الحفاظ على استثماراتهم في العملات المشفرة، إذ يحل هذا النهج مشكلة شائعة، فغالباً ما يرغب المستثمرون في الوصول إلى رأس المال من دون بيع استثماراتهم في الأصول الرقمية، لذا تسد هذه الخدمة فجوة حقيقية في السوق، بحسب موقع "كريبتو رانك".

وفي أوائل يونيو (حزيران) الماضي نشرت "بلومبيرغ" تقريراً مماثلاً يفيد أن "جي بي مورغان" بدأ قبول صناديق الاستثمار المتداولة للعملات المشفرة كضمانات لقروض العملاء الأثرياء، وفي السابق كان البنك يدرس استخدام حيازات العملات المشفرة لتقييم صافي الثروة، لكنه الآن يدرس قروضاً مدعومة مباشرة بأصول رقمية.

وهناك كثير من الاختلافات المهمة بين صناديق الاستثمار المتداولة للعملات المشفرة والعملات المشفرة الأصلية من وجهة نظر البنك، إذ تعتبر صناديق الاستثمار المتداولة للعملات المشفرة أسهماً من الناحية الفنية، وتتوافق بصورة جيدة مع أنظمة "جي بي مورغان" الحالية إضافة إلى الأطر القانونية، أما بالنسبة إلى العملات المشفرة فيتعين على البنك وضع أنظمة لتأمين ضماناته تقنياً مما قد يؤدي إلى حيازة العملة المشفرة.

الولايات المتحدة تتبنى "قواعد بازل"

وفي حال تطبيق معايير "بازل" الدولية الخاصة بالأصول الرقمية فإن الإقراض الذي يستند إلى العملات الرقمية أو صناديق المؤشرات المتداولة "ETFS" المشبهة بها كضمان، سيعامل كما لو لم يقدم أي ضمان أصلاً، أي أن البنك سيتحمل كامل مبلغ القرض من دون أي تخفيف بالأخطار نتيجة وجود الضمان الرقمي، مما يفرض تخصيص رأسمال إضافي لتحمل هذه المخاطرة، وبالتالي ستفرض رسوم إضافية على العميل لتعويض الكلفة الإضافية، فوفقاً لقواعد "بازل" تصنف الأصول الرقمية المشفرة التي لا تستوفي شروط التصنيف الصارمة ضمن "غروب 2 للأصول المشفرة" وتشمل العملات الرقمية غير المدعومة مثل "بيتكوين" و"إيثيريوم" أو أي أصول رقمية أخرى تشكل أخطاراً إضافية.

وتفرض قواعد "بازل" وزن أخطار يبلغ 1250 في المئة على الأصول الرقمية، أي أن البنك مطالب بالاحتفاظ برأسمال يعادل تقريباً قيمة التعرض نفسه، وهو ما يعرف غالباً بنظام دولار في مقابل دولار، مما يعني أن البنوك يجب أن تحتفظ بمقدار دولار واحد من رأس المال عن كل دولار يعرض للعملات الرقمية.

ويهدف هذا الترتيب إلى إجبار البنوك على الاحتفاظ برأسمال كاف يمكنه امتصاص خسارة محتملة كاملة من هذه الأصول، مما يحمي المودعين والدائنين الأقدم للبنك من تأثير التقلبات الحادة للأصول الرقمية، وفي حال استخدام الأصول الرقمية كضمان فستكون البنوك عرضة لأخطار القرض الأساس، مما يسهم في إتاحة تعرض غير مباشر كبير للعملات الرقمية داخل النظام المصرفي، من دون التعرض المباشر للوزن 1250 في المئة، ومن المهم أن نذكر أن "بيتكوين" على سبيل المثال فقدت في المتوسط أكثر من 80 في المئة من قيمتها من الذروة وحتى الحضيض خلال دورات السوق.

وهناك مطالبات من المجتمع المالي بتخفيف هذه القواعد، فقد أرسلت جمعيات مالية عالمية عدة رسالة إلى لجنة "بازل" في مايو الماضي تطالب بتعديلات، لكن المصادر تشير إلى أن هناك تحركاً ضئيلاً حتى الآن، فمن أبرز قضايا الخلاف المعاملة المماثلة بين صناديق السوق النقدي على سلاسل "بلوكشين" غير مرخصة والعملات الرقمية الأخرى، وتطالب الجمعيات بإعادة النظر في وزن الأخطار البالغ 1250 في المئة.

أما في الولايات المتحدة، أحد أعضاء لجنة "بازل"، فالمعايير النهائية لقواعد الأصول الرقمية ليست ملزمة على المستوى الوطني، بل تعد إطاراً غير ملزم إلى حين تطوير السلطات الفيدرالية تفاصيل تطبيقها داخلياً، وعلى الصعيد التنظيمي كانت هناك مؤشرات إيجابية من قبل الجهات التنظيمية في الإدارة الأميركية أخيراً، خصوصاً في ظل تعهد الرئيس ترمب بقيادة أميركا للريادة في العملات الرقمية، وقد جرى رفع قيود سابقة كانت تعرقل مشاركة البنوك التقليدية في بيئة الأصول الرقمية مثل خدمات الحفظ وحيازة الأصول الرقمية، وفقاً لـ "تشين أناليسيس".

القطاع المصرفي الخليجي والعملات المشفرة

إلى ذلك قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في "معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار" في الإمارات وضاح الطه إن "مسألة استخدام الأصول الرقمية كضمانات للإقراض في البنوك العالمية تستحق اهتماماً بالغاً نتيجة الطبيعة شديدة التقلب لهذه العملات"، موضحاً أن العملات الرقمية تنقسم إلى نوعين، العملات المستقرة المرتبطة بأصول حقيقية مثل الدولار "USDT"، والعملات الاعتيادية التي لا تستند إلى أي غطاء، مشيراً إلى أن العملات المستقرة تمثل الأفضلية في الإقراض لأنها أقل تقلباً وأكثر موثوقية مقارنة بالأنواع الأخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبيّن الطه أن "وزن الأخطار المفترض على الأصول الرقمية والذي يصل إلى 1250 في المئة يعكس شدة الأخطار المرتبطة بتقلبات هذه الأصول وسجلها التاريخي غير المستقر"، قائلاً "لا أعتقد ولا أميل إلى استخدام الأصول المشفرة لأغراض الإقراض، فعملية الإقراض التقليدية تسير بسلاسة وهناك استقرار ورصانة بصورة عامة في القطاع المصرفي الخليجي، فنسبة كفاية رأس المال تتوافق مع المؤشرات الدولية، كما أن نسبة القروض إلى الودائع تعتبر من النسب الآمنة، ومن شأن انخفاض معدل الفوائد المتوقع خلال سبتمبر (أيلول) المقبل أن يحفز على الإقراض، فحجم الأصول على سبيل المثال في الإمارات تعدى تقريباً التريليون دولار، لذا من الباكر جداً أن ننادي أو نتبنى إدخال العملات المشفرة ضمن عمليات الائتمان في المنطقة".

التحديات التنظيمية

من جانبه قال المحلل المالي حسن الريس إن "العملات الرقمية تشكل نظاماً لا مركزياً بامتياز مما يجعلها مستقلة تماماً وبعيدة من أية جهة وصاية، ما عدا بعض العروض الاستثمارية المحدودة"، موضحاً أن "القروض المقدمة بالعملات الرقمية قد تبدو مشابهة للقروض مقابل الأسهم أو الحصص، لكنها في الواقع تختلف جذرياً، فالعملات الرقمية لا تخضع حتى الآن لجهات تنظيمية، باستثناء التزامات ضريبية وتشريعات مكافحة غسل الأموال والامتثال، ولا تغطيها معظم تنظيمات الإقراض المالي، مثل 'لجنة بازل' التي تضع المعايير المصرفية العالمية".

وأشار الريس إلى أن الأسهم والحصص تحظى عادة بأنظمة تصنيف وتغطية واضحة، بينما لا تصنف العملات الرقمية ضمن فئة مؤثرة لدى وكالات التصنيف الائتماني، مما يجعلها أصلاً شديد التقلب والمخاطرة، وبالتالي فإن الإقراض المدعوم بالعملات الرقمية يواجه قيوداً ملموسة وقد يضعف تصنيفات البنوك إذا ما تُوسع في الاعتماد عليه، مظهراً تفاؤله بأن الولايات المتحدة ستتصدر مجال الإقراض الرقمي عبر تنظيم صارم يسمح بإدماج هذه العملات تدريجاً كفئة أصول على رغم أخطارها العالية.

وفي المقابل يرى الريس أن الدول الأخرى تتأخر في تبني هذا التوجه لاعتقادها أن العملات الرقمية منافس للاقتصاد المحلي والنظام الضريبي، بدلاً من استثمار الفرص التي يمكن أن توفرها، ويرى أن إدراج العملات الرقمية ضمن الأطر التنظيمية الأميركية، مع اعتمادها تدريجاً كفئة أصول معترف بها قد يأسس لقيادة أميركية عالمية في مجال الإقراض المرتبط بها.

 لماذا تتحرك البنوك بحذر؟

وقد بدأت بعض البنوك الكبرى بالفعل بتجربة تقديم قروض مدعومة بالأصول الرقمية، لكن هذه المبادرات لا تزال محدودة ومروضة بحذر شديد وتخضع لرقابة تنظيمية مشددة، ووفقاً لموقع "كريبتو فينتغ" المتخصص في بورصات العملات المشفرة فقد قدمت "غولدمان ساكس" قروضاً بضمانات "بيتكوين" من خلال هيكل شبيه باتفاقات "الريبو الثلاثي"، إذ يباع الـ "بيتكوين" موقتاً في مقابل قرض نقدي ثم يعاد شراؤه عند التسوية، ووجهت هيئة تنظيم التمويل العقاري الأميركية "FHFA" أخيراً بإتاحة إمكان احتساب الأصول المشفرة شرط احتجازها في بورصات مركزية أميركية ومنظمة

وتشهد الأسواق اليوم حراكاً مؤسسياً واضحاً نحو استخدام الأصول الرقمية، وتنظم إستراتيجيات مثل "Project Guardian"  في سنغافورة وصناديق مؤسسية مرمزة مثل "BUIDL" من "بلاك روك"، كأمثلة على تحول نحو تمويل مؤسسي واعتماد متزايد لهذه الأصول.

أبرز التحديات والأخطار

وتكمن أحد أبرز الأخطار التي تواجه الاقراض بأصول العملات المشفرة في تقلب الأسعار، فالقيمة المتقلبة للعملات المشفرة قد تؤدي إلى ظاهرة الدائرة السلبية "negative feedback loops"، إذ إن انخفاض قيمة الضمان قد يوجب تسوية القرض أو زيادة الضمان بصورة فورية، مما يخلق ضغطاً على المقترض والبنك، وهناك تحد آخر يكمن في التنظيم والامتثال، فيجب أن تفي هذه المبادرات بمعايير اعرف عميلك "KYC" ومكافحة غسل الأموال "AML"، إضافة إلى الالتزام بـ "قواعد بازل" لتقييم الأخطار وضبط نسب القروض لمنع الإفراط في المخاطرة.

اقرأ المزيد

المزيد من عملات رقمية