Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ساحة الكرامة: من نبض الثورة إلى ملتقى انفصال السويداء

بعد أسابيع من مقتل المئات من الدروز يطالب متظاهرون بحق تقرير المصير بعيداً من دمشق

احتجاج السبت الماضي ساحة الكرامة شهداء رفع العلم الإسرائيلي بجوار العلم الدرزي (أ ف ب)

ملخص

خرجت السبت الماضي تظاهرة في مدينة السويداء وأخرى في بلدة شهبا التابعة لها وطالب المتظاهرون بالاستقلال عن سوريا جراء ما تعرض له الدروز من قتل وانتهاكات بحسب المتظاهرين، في حين رفضت الحكومة على لسان رئيس الجمهورية الانتقالي تلك الدعوات متعهداً بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات في المحافظة الجنوبية

قبل عام من الآن كانت ساحة الكرامة وسط السويداء شاهدة على احتجاجات مستمرة مناوئة لنظام بشار الأسد وتنادي بوحدة سوريا طوال عام وأشهر عدة إلى أن سقط الأسد، فأصبحت الساحة مزاراً لمواطنين وناشطين معارضين يلتقطون صوراً فيها باعتبارها أنها حاملة شعار الثورة، في وقت كانت الأنظار مشدودة إلى تطبيع مرتقب مع النظام السابق من قبل دول أبرزها تركيا.

لكن الساحة نفسها اكتظت بمواطنين من السويداء السبت الماضي ورفعوا أصواتهم في تظاهرة حاشدة، وهي الأبرز بعد مرور نحو شهر من المواجهات بين الفصائل الدرزية وقوات الأمن السورية ولاحقاً مع مسلحين من قبائل سورية.

تظاهرة حملت عنوان "حق تقرير المصير" طالب المشاركون فيها بالانفصال عن سوريا، في خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، رافضين أي وجود لسلطة دمشق في المحافظة الواقعة جنوب البلاد. ودعوا إلى ما سموه "فك الحصار وفتح المعابر وإطلاق سراح وإعادة المختطفين من دون شروط".

وخرجت تظاهرة مشابهة في مدينة شهبا التابعة للسويداء ورفع فيها المتظاهرون المطالب ذاتها ونددوا بالإعلام الرسمي الحكومي، كما شكروا إسرائيل على تقديم الحماية لهم، في حين بدت أعلام الطائفة الدرزية ذات الألوان الخمسة إلى جانب العلم الإسرائيلي من قبل عدد من المتظاهرين في ساحة الكرامة.

ويعزو الناشطون في السويداء اتخاذ هذا الموقف من قبل بعض أبناء المحافظة إلى ما تعرضوا له خلال اشتباكات يوليو (تموز) الماضي، منبهين إلى "سلسلة انتهاكات جرت في حقهم كدروز وعلى أساس طائفي منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة".

استعارة الخطاب الطائفي

يقول الناشط سقراط نوفل، الذي يشغل منصب سكرتير الأمانة العامة للمؤتمر العام في السويداء، إن "أول خلاف كان الإعلان الدستوري الذي نسف مبادئ ومطالب الثورة، ولم يتبن دولة علمانية أو مدنية كما طلبنا، وتشكيل حكومة من لون واحد، وعدم التزام اتفاق يجعل عناصر الأمن العام من أبناء المحافظة، وتحمل الدولة مسؤولية حماية طريق دمشق - السويداء".

ويرى أنه بعد حوادث الساحل وتصاعد نبرة الخطاب الطائفي تعرض طلاب دروز إلى انتهاكات فقط بسبب انتمائهم وكذلك أدت الحوادث والصدامات في صحنايا وجرمانا (ضاحيتي دمشق ذات الغالبية الدرزية) إلى مقتل عدد غير قليل من الدروز أيضاً والتي كان فتيلها مقطعاً صوتياً مفبركاً، إضافة إلى حرق مقام ديني في قرية الصورة، إضافة إلى النهب والسلب وأن كل ذلك كان بمثابة حملة ممنهجة ضد الدروز، وقتل مدنيون ممن لم يستطيعوا الفرار من القوات التابعة لوزارة الدفاع والأمن العام، حتى إن هناك أطفالاً ونساءً وكبار السن من الدروز مخطوفين.

 

ويوضح أن "الاجتياح الذي جرى لمنطقة السويداء في يوليو الماضي كان بتغطية عسكرية منظمة، إذ اجتاحتها القوات بالدبابات وقصف كثير من المناطق بالمدفعية والصواريخ وطائرات درونز مفخخة (الشاهي) بحجة بسط الأمن، وبدأت القوات مع دخولها أول قرية في المحافظة بارتكاب الانتهاكات ليحول الصراع بين أهالي السويداء والحكومة إلى صراع وجود وحملة إبادة ممنهجة ’فقط لأننا دروز‘ ولم يعد صراعاً سياسياً فقط".

حملة تشويه

الناشط سقراط نوفل الذي يقطن في السويداء وعايش الأحداث الأخيرة رفقة ذويه يشير إلى أنهم تعرضوا خلال الفترة السابقة لحملة تشويه بدءاً من التسجيل الصوتي المفبرك، الذي كان ينسب لشخص درزي ويشتم النبي محمداً أثناء اندلاع أحداث جرمانا وصحنايا، كما أن ما يجري نشره على وسائل التواصل الاجتماعي تجاه الأحداث في السويداء لا يحمل منطق الدولة بل الفصائل "كوصفنا بالخنازير وبالذبح جئناكم"، مما أدى إلى التحسس بخطر وجودي لدى الدروز.

خلال الأحداث الأخيرة شعر الدروز في محافظة السويداء بالخذلان من المكونات السورية جراء عدم صدور أي موقف يساندهم أو يؤخر ويوقف الأعمال القتالية عليهم، فالشارع الدرزي يرى أنه أدى واجبه تجاه السوريين في أعوام "الثورة"، حين كانت التظاهرات المستمرة طوال عام وأشهر عدة قبل سقوط نظام بشار الأسد وأصبحت القلعة الأخيرة التي تحمل شعارات الثورة المناهضة للنظام، وفق الناشط نفسه.

ويروي أن الشباب الدرزي لم يتورط في الأعمال العسكرية التي كانت قوات الأسد تقوم بها ضد المعارضين، إضافة إلى تحمل الحملات الأمنية والمضايقات وعمليات النهب والخطف التي كانت تتعرض لها المحافظة من قبل الأمن السوري السابق والمجموعات المرتبطة به، ناهيك باستقبال الدروز لنازحين سوريين وإيوائهم في المنازل بدلاً من الخيام لا سيما أولئك القادمين من محافظة درعا المجاورة.

ويقول نوفل إن "كل تلك المواقف الوطنية لم تحرك الشارع السوري لوقف الاعتداءات علينا أو توضيح من المسلمين السنة الذين يشكلون غالبية الشارع العربي في البلاد بتوضيح أن ما يجري ’لا يمت لديننا بصلة‘ في وقت يتعرض فيه العلويون في سوريا لانتهاكات بسبب طائفتهم بينما سارع الأكراد والإدارة الذاتية إلى تقديم المساعدات الإنسانية لإيصالها إلى السويداء، لكن لم يسمح بوصولها على رغم خوضهم المعارك وضيق أحوالهم فإن لهم صدقية في مواقف تجاه الأحداث الجارية بوقف الهجمات على المكون الدرزي".

ويوضح أن كل ذلك القتل وحرق القرى وهدم الآبار وخطف النساء والأطفال لم يشعرنا بالخذلان "بل غياب الموقف من شركاء الوطن بخاصة العرب السنة".

دور إسرائيل

يمضي سكرتير الأمانة العامة للمؤتمر العام في السويداء في حديثه بالقول إن "القتلى من المدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن الدروز يفوق عددهم أولئك الشباب الذين قتلوا في المواجهات العسكرية مع القوات الحكومية والأمن العام أو حتى ما عرف لاحقاً بمقاتلي العشائر، وإن الدور الإسرائيلي كان حاسماً في وقف تلك المجازر ضد الدروز في السويداء".

 

ويشبه التدخل الإسرائيلي "بمن أزال السكين من يد قاتل يريد ذبحنا، لذلك لم يكن البحث في التوجهات السياسية الإسرائيلية ذا معنى من قبل المجتمع الدرزي في السويداء، خصوصاً أنه في أعوام الثورة كانت المطالبة بالحماية الدولية مطروحة بصورة علنية في التظاهرات وأن السوريين فرحوا لقتل إسرائيل قيادات ’حزب الله‘ وإيران، لذلك لا نقبل بأي مزاودة علينا".

وحدة مواقف المرجعيات

لعل أبرز التحولات المؤثرة في الشارع الدرزي كانت المواقف الصادرة عن الأقطاب الدينية للدروز في السويداء والتي توحدت بعدما كان الشيخ حكمت الهجري، الذي يتزعم الرئاسة الروحية للموحدين الدروز، فقط يتصدر المشهد المناهض لحكومة دمشق.

وسبق أن أعلن الهجري في الـ19 من يوليو الماضي الوصول إلى وقف لإطلاق النار وأعلن البنود التي اتفقت عليها الأطراف الأربعة من دروز السويداء وإسرائيل والولايات المتحدة والحكومة في دمشق وعلى أثرها سحبت الأخيرة قواتها إلى حدود المحافظة وفتحت طريقاً للمساعدات ومعابر الإنسانية مع محافظة درعا.

لكن التحول كان في موقف الشيخ حمود الحناوي أحد أقطاب مشيخة العقل للموحدين الدروز الذي أكد أن "لا عهد ولا ميثاق" بين الحكومة والسويداء، مضيفاً في بيانه المصور في التاسع من أغسطس (آب) الجاري، "ابتلينا بسلطة لا عهد لها، باعت الوطن وطعنت بأهله قبل أن تطعن حدوده، وكانت سيفاً مسلولاً على رقاب الأبرياء بأفكار متطرفة تستبيح الدماء".

أما الشيخ يوسف الجربوع، فخرج ببيان في اليوم ذاته متخذاً موقفاً مشابهاً لموقف الشيخين الهجري والحناوي، محملاً الحكومة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في السويداء، وقال "إننا نقف اليوم لنرى بوضوح ما خلفه هذا العدوان الذي حضر بحجة بسط سيطرة الدولة ولكنه أعطى غطاءً وحماية لجيش من التتر عاثوا في الأرض فساداً، وقتلوا المدنيين العزل من دون وجه حق".

ووصف الجربوع، هذه الأعمال بـ"الوحشية الطائفية التي ترقى إلى محاولة تطهير عرقي ممنهج"، معتبراً إياها "خيانة حقيقية للشعب السوري أجمع تسقط شرعية هذه العصبة في حكم الدولة".

عززت مواقف الشيوخ الثلاثة الذين يشكلون مشيخة العقل للموحدين الدروز في سوريا وحدة في الموقف الديني والسياسي المناهض لحكومة الشرع لتتحول لاحقاً إلى تعبير شعبي في الشارع الدرزي الذي يقاسي ظروفاً جديدة بعد المعارك التي شهدتها السويداء، في ظل توتر في أطراف حدودها الإدارية وصعوبة في التنقل إلى بقية المحافظات لا سيما دمشق، حيث شهد الطريق والمعبر الوحيد مع محافظة درعا خلال الأيام القليلة الماضية حوادث عدة في إطلاق النار في مناطق سيطرة القوات الحكومية ومقاتلي العشائر على مركبات المسافرين والمرضى من المحافظة باتجاه العاصمة دمشق، وكذلك شهدت المنطقة ذاتها اختطاف عدد من الناشطين في مجال الإغاثة أبرزهم عابد أبو فخر الذي ينتمي إلى الطائفة الدرزية ويقيم في ضواحي مدينة دمشق، وهو عضو مؤثر ونشط في منظمة الهلال الأحمر العربي السوري.

رفض حكومي

أثناء لقائه مع وجهاء وناشطين في مدينة إدلب السبت الماضي، قال الرئيس السوري أحمد الشرع في رده حول الأوضاع في السويداء والمطالبة بالاستقلال إن من يطالب بالتقسيم في سوريا "عنده جهل سياسي، وحالم، ففي كثير من الأحيان الأفكار الحالمة تؤدي بأصحابها إلى الانتحار". وأضاف، "لا أرى أن سوريا فيها أخطار تقسيم، فيها رغبات عند بعض الناس لعملية تقسيم سوريا، محاولة إنشاء كانتونات محلية وداخلية، لكن منطقياً وسياسياً وعرقياً وعقلياً هذا الأمر مستحيل أن يحدث".

ولفت الرئيس الشرع إلى أن "استقواء بعض الأطراف بقوى إقليمية، مثل إسرائيل، أمر صعب جداً، فالمنطقة الجنوبية ذات كثافة بشرية وأي عدو يريد الدخول إليها سيضطر أن يضع شرطياً على باب كل بيت، وهذا الشيء صعب في واقع الحال"، مشدداً على أن الدولة ملتزمة محاسبة مرتكبي التجاوزات في السويداء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حين أن المعلقين السياسيين المقربين من الحكومة والإعلام الرسمي يرون في "خطوة أهل السويداء المطالبة بالاستقلال خيانة ونقضاً للعهد الوطني وتاريخ الدروز". وقال المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد موفق زيدان إن هذه التظاهرات لا تمثل الدروز وإنه على العقلاء في السويداء أن يعلنوا أن هذا الموقف "عار على هذه الشرذمة"، مضيفاً "أن الاستقواء بالأزرق في إشارة إلى إسرائيل لا يشرف أحفاد سلطان باشا الأطرش وسيحمل الأجيال المستقبلة وزر هذا العمل".

الحكم المحلي ممكن؟

أثناء التظاهرة المطالبة بالاستقلال في السويداء، كشفت إحدى الناشطات المشاركات أن الأموال التي تتلقاها المحافظة من الحكومة سنوياً تبلغ 12 مليون دولار في شتى المجالات، في حين أن المحافظة ترفد خزانة الدولة بربع مليار دولار خلال هذه الفترة وعليه فإن المحافظة تنفق على الحكومة، وفق الناشطة.

وخلال الأشهر الماضية ومع وجود فراغ حكومي أعلنت اللجنة القانونية التي أسست من قبل الرئاسة الروحية في السويداء لجاناً عدة لتسيير أوضاع المحافظة.

وبالعودة إلى نوفل فإنه في ظل القطيعة مع الحكومة وصعوبة وصول المساعدات في ظل بنية تحتية مدمرة بخاصة في القرى التي جرى اجتياحها من قبل القوات الحكومية وقصف مراكز المياه ومخازن القمح، فإن الحاجة إلى إدارة المنطقة ملحة ويجري الاعتماد على الخبرات المحلية من خلال النقابات المهنية في ظل "تخلي الحكومة عن المحافظة"، على حد قوله.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير